هناء وهاجر...جبهة واحدة
رجعت هناء الغرفة الساعة 7 بالليل. منهكة من محاضرات اليوم، ومن نظرات الدكتور اللي طردها كأنه ما شافها.
الغرفة 304 كانت ساحة معركة صامتة. سُكينة متمددة على سريرها، السماعات في أذنها، وعلبة دخان مفتوحة على الطاولة. الأرض فيها بقايا شبس وملابس مرمية. ريحة الغرفة تخنق.
هاجر كانت جالسة على سرير هناء، تقرأ في كتاب "فقه العبادات" وتكتب في دفتر. لما دخلت هناء، سكرت الكتاب بسرعة.
"رجعتي؟" قالت بصوت واطي. "اليوم دخلت الحارسة ثاني. شافت علبة الدخان. قالت الإنذار الثاني جاي في الطريق".
هناء رمت شنطتها. "أنا ما دخنت. وما جبت غلاية. ليش أتحمل إنذار؟"
سُكينة شالت سماعة وحدة: "شكون قال لك تحملي؟ ديري شكاية فيها، ولا سكتي".
هاجر وقفت. طولها أعطاها هيبة وهي لابسة العباية السوداء.
"سُكينة، حنا ثلاثة في غرفة وحدة. يا نحترمو بعضنا، يا كلنا نطيرو برا. وأنا ما عندي فلوس نكري برا".
سُكينة ضحكت: "اللي ما عجبو الحال يبدل الغرفة. أنا هنا قبل منكم".
قامت، لبست جاكيت جينز، وطلعت. ضربت الباب وراها.
الصمت اللي خلته كان أثقل من وجودها.
هناء جلست على الأرض، سندت ظهرها للسرير. "تعبت يا هاجر. جاية نقرا، ماشي نحارب".
هاجر جلست قدامها على الأرض هي الثانية. "وأنا جاية نهرب من دارنا، ماشي نطيح في دار أسوأ".
حكو لبعض. هاجر أبوها زوجها وهي عندها 17 لواحد كبير، هربت ليلة العرس وجابت معدل عالي ودخلت الجامعة بالمنحة. لو طردوها من السكن، ترجع للجحيم.
هناء فهمت ليش هاجر متشبثة بالغلاية والشاي: طقوسها الصغيرة للبقاء.
"لازم حل"، قالت هناء. "ما يمكن نبقاو خايفين كل نهار".
هاجر فكرت: "سُكينة ما تخاف غير من حاجة وحدة... الإدارة. عندها ثلاث إنذارات من العام اللي فات. الرابع يعني الطرد النهائي".
هنا بدأ التحالف.
*الخطة الأولى: التوثيق.*
صورو علبة الدخان، الملابس المرمية، والرماد في كاس الشاي. مو عشان يبلغو، عشان يحمو نفسهم.
*الخطة الثانية: تقسيم الغرفة.*
جابو شريط لاصق من المكتبة. قسمو الأرض نصين بالطول. "هذا جهتك، وهذا جهتنا"، قالت هاجر لسُكينة لما رجعت نص الليل.
"لعب ذراري"، ردت سُكينة، لكنها دخلت لجهتها.
*الخطة الثالثة: كسب الحارسة.*
هناء صارت تنزل كل صباح تسلم على الحارسة "مي فاطنة"، تسولها على صحتها، وتجيب لها أحياناً مسمن من الكافيتريا. هاجر كانت تدعي لها. بعد أسبوع، صارت مي فاطنة تقول لهم: "البنات ديال 304 زوينات، غير ديك المشومة اللي معاكم".
الضغط جاب نتيجة. سُكينة صارت تحس أنها محاصرة. ما عادت تدخن في الغرفة، صارت تطلع السطح. ما عادت ترمي حوايجها، لأن هاجر كانت تجمعهم وتحطهم في كيس قدام بابها.
القشة الأخيرة كانت ليلة الخميس.
سُكينة جابت صاحبتها للغرفة، صوت الضحك والموسيقى للواحدة بالليل. هناء عندها امتحان الفجر.
طرقت هناء على جهة سُكينة: "خفضو الصوت عفاك، عندي امتحان".
سُكينة عليت الموسيقى أكثر.
هنا وقفت هاجر. وجهها كان هادي لكن صوتها قطع.
"سُكينة، أقسم بالله إلا ما سكتي، نصوركم دابا ونطلعو للإدارة. ونتي عارفة راسك على الحافة".
سُكينة طفات الموسيقى. طلت فيهم بجوج. شافت هناء اللي ما بقات البنت الساكتة، وشافت هاجر اللي نظرة عينيها ما تتهز.
فهمت أن الغرفة 304 ما بقات ملكها.
"راكم ربحتو"، قالت وهي تلم حوايجها. "غذا نطلب تغيير الغرفة".
وطلعت، وما رجعت تلك الليلة.
هناء وهاجر بقاو ساكتين. بعدين هاجر شغلت الغلاية، وسوت كاسين شاي.
"أول انتصار لنا في كازا"، قالت وهي تمد الكاس لهناء.
شربو الشاي في صمت. الغرفة لأول مرة كانت... هادية.
الرصيف المكسور برا، لكن 304 صارت أرضهم.
هناء فهمت شي جديد: كازا ما تصاحبك بوحدك. تصاحبك ملي تلقي قبيلتك