هناء ومنبه الساعة سادسة
الساعة 5:58 صباحًا.
منبه قديم يصرخ من تحت مخدة السرير الثاني. هناء فتحت عينها مفزوعة. الغرفة غرقانة في عتمة خفيفة وريحة النوم الثقيل.
"سُكينة... منبهك". همست هناء.
ما في رد. المنبه يكمل صراخ.
"سُكينة!"
قامت البنت أخيرًا، طفّت المنبه، ولفت وجهها للحيط ونامت كأن شيئًا لم يكن.
هناء جلست على سريرها. ظهرها يوجعها من المرتبة النحيفة. الساعة 6:00 بالضبط، والحي الجامعي بدأ يستيقظ على طريقته.
انفتح باب الغرفة بقوة. دخلت بنت طويلة، لابسة عباية خفيفة وشعرها مبلول، وفي يدها غلاية موية.
"صباح الخير يا حلوين"، قالت بصوت عالي وهي تحط الغلاية على الطاولة المشتركة. "أنا هاجر، من آسفي. أنا الثالثة معكم في 304".
هناء كانت لسه تحاول تستوعب أن الغرفة لشخصين صارت لثلاثة.
سُكينة رفعت رأسها بنص عين: "قلنا ممنوع الطبخ يا هاجر".
هاجر ضحكت: "هذا مو طبخ، هذا شاي. والشاي حياة". شغلت الغلاية. صوتها زي محرك طيارة في الغرفة الصغيرة.
هناء نزلت من السرير بهدوء، لمت شعرها. كانت تحتاج الحمام قبل ما يزدحم.
مسكت منشفتها، طلعت الممر. طابور. خمس بنات واقفين قدام حمامين، وحدة تصرخ: "خلصي ختي الله يرحم الوالدين، المحاضرة 8".
رجعت الغرفة. هاجر كانت فارشة سجادة صلاة في المساحة الضيقة اللي بين السراير، وسُكينة قاعدة على سريرها تلف سيجارة.
"ممنوع التدخين هنا"، قالت هناء بهدوء.
سُكينة نفثت الدخان ناحية الشباك: "افتحي الشباك إذًا. والحارسة عارفة وساكتة".
هاجر كملت صلاتها ولا كأن شي صار. الغلاية بدأت تصفر.
المشكلة الأولى: المساحة. ثلاث بنات، سريرين، طاولة واحدة، وقوانين متضاربة.
المشكلة الثانية: المواعيد. هاجر تصحى الفجر، سُكينة تنام الفجر، وهناء في النص.
خلصت هاجر صلاة، صبت الشاي. "شربو، على حسابي. أول يوم لازم نكون صحاب".
مدت كاس لهنا، وكاس لسُكينة اللي أخذته بدون كلمة.
هناء مسكت الكاس. سخونته ذكرتها بشاي أمها.
"شكراً هاجر. بس... لازم نتفاهم على نظام الغرفة".
هاجر ابتسمت: "النظام الوحيد هنا يا هناء هو: اللي يبغي يعيش، يتعايش".
في اللحظة دي، دق الباب بقوة. الحارسة: "غرفة 304! شكون مشعل الغلاية؟ ممنوع!"
سُكينة بسرعة رمت السيجارة من الشباك، وهاجر خبّت الغلاية تحت السرير بغطا.
هناء وقفت مصدومة.
الحارسة دخلت، شمت الريحة، طالعت فيهم وحدة وحدة. وقفت عينها على هناء.
"نتي الجديدة؟ سمعي مزيان: أول مخالفة إنذار، الثانية طرد. ما كنلعبوش هنا".
وطلعت.
ساد صمت ثقيل.
سُكينة ناظرت هناء بقرف: "بسبابك. وجهك وجه النحس".
هاجر تدخلت: "لا يا سُكينة. المشكل ماشي فيها. المشكل في القانون الغبي".
هناء حطت كاس الشاي. كانت تبغى تبكي، تبغى ترجع أولاد حميدة، تبغى سريرها القديم.
لكنها بدل كدا، أخذت نفس عميق.
"تمام"، قالت. "أنا هناء من أولاد حميدة. ما أعرف قوانينكم، وما أحب المشاكل. بس أعرف شيء واحد: يا نعيش هنا باحترام، يا كل وحدة تشوف غرفة ثانية".
سُكينة ضحكت بسخرية ورجعت تنام.
هاجر هزت رأسها: "معقولة. أنا معاكِ".
لبست هناء، أخذت كتبها، وطلعت من الغرفة 304 قبل ما تختنق. الممر كان فاضي. كل البنات في الحمامات أو الكافيتريا.
وهي نازلة الدرج، همست لنفسها جملة ياسين: "المدينة تختبرك أول، بعدين تصاحبك".
يبدو أن السكن عنده نفس الاختبار. بس أصعب.