رصيف304 - هناءوالغرفةرقم304 - بقلم hanaa habib - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رصيف304
المؤلف / الكاتب: hanaa habib
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: هناءوالغرفةرقم304

هناءوالغرفةرقم304

السكن الجامعي في "الحي الجامعي طريق الجديدة" كان بناية رمادية تشبه كل البنايات الرسمية: عالية، صامتة من الخارج، وضاجة من الداخل. استلمت هناء مفتاح الغرفة 304 من الحارسة الأربعينية اللي قاستها بنظرة واحدة: "جديدة؟ القانون واضح: الزيارات ممنوعة، الطبخ ممنوع، الإزعاج بعد 10 ممنوع. مخالفة واحدة وبرا". هزت هناء رأسها. صعدت الدرج للطابق الثالث. الممر طويل، ريحة الرطوبة مخلوطة بعطر رخيص وبقايا اندومي. أصوات بنات، ضحك، شجار، وأغنية شعبية طالعة من غرفة بعيدة. فتحت الباب. الغرفة 304: سريرين حديد، دولابين متقشرين، طاولة واحدة، وشباك يطل على حيط. على السرير الثاني كانت بنت نايمة ووجهها للحيط، غاطسة تحت بطانية رغم أن الجو خنقة. حطت هناء شنطتها بهدوء. كل شيء هنا له صوت: السرير يصرخ، الباب يئن، حتى تنفسها صار مسموع. الساعة 8:00 بالليل. أول مرة تنام بعيد عن بيتها. بعيد عن صوت أمها وهي تغطيها، وعن ريحة الخبز اللي تصحيها. طلعت جوالها. كتبت لأمها: "وصلت السكن يما. المكان زين". مسحت "زين" وكتبت "نظيف". كذبتين صغار عشان النومة تكون أخف. فجأة جلست البنت اللي على السرير الثاني. شعر كيرلي منكوش، كحل سايح. طالعت هناء 3 ثواني كاملة. "جديدة؟" "إيه... هناء". "سُكينة. من خريبكة". وسكتت. بعدين كملت: "لو سمعتي صوت بُكا بالليل، مو أنا. اللي فوقنا تبكي كل خميس عشان صاحبها". رجعت نامت. هناء ما عرفت تضحك ولا تخاف. فرشت ملايتها. مرتبة السرير رقيقة لدرجة تحس بحديد السرير في ظهرها. طلعت صورة أمها من الشنطة وحطتها تحت المخدة. الساعة 10:00 طفت الأضواء الرئيسية. بقى نور الممر الكئيب يدخل من تحت الباب. الأصوات ما سكتت. وحدة تتكلم بالتلفون وتبكي، ثنتين يضحكون بهستيريا، ووحدة تشغل قرآن بصوت عالي عشان تنام. الساعة 1:00 بعد نص الليل. دق الباب ثلاث دقات خفيفة. هناء فتحت عينها. سُكينة ما تحركت. الدقات رجعت. قامت هناء، فتحت الباب شوي. بنت نحيفة لابسة بجامة وردية وماسكة كوب: "عندك سكر؟ سهرة دراسة وانتهى السكر". هناء هزت رأسها: "لا والله، توي وصلت". البنت طالعتها من فوق لتحت: "جديدة. نصيحة: تعلمي تخبين السكر والشامبو والهم. هنا كل شيء ينسرق". ومشت. قفلت الباب. رجعت للسرير. قلبها مقبوض. فتحت الشباك. الهوا كان حار وثقيل. كازا من فوق ما تنام. أضواء العماير بعيدة، وأصوات السيارات زي بحر ما يوقف. مسكت جوالها، لقت رسالة من ياسين: "أول ليلة أصعب ليلة. بعدها السكن يصير بيت، والغرباء يصيرون عيلة. نامي، الرصيف المكسور يستناك بكرة". ابتسمت. حطت الجوال تحت المخدة جنب صورة أمها. غمضت عينها. قبل تنام همست: "يما، كذبت عليك. المكان مو زين ولا نظيف. بس أنا... أنا راح أكون زينة". ونامت. نومة متقطعة، خفيفة، لكنها أول نومة لها كامرأة تقرر تواجه المدينة لوحدها. في الغرفة 304، بدأت حرب جديدة. حرب اسمها: الاستقلال.