رصيف304 - هناءوقهوة التعتراف - بقلم hanaa habib - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رصيف304
المؤلف / الكاتب: hanaa habib
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: هناءوقهوة التعتراف

هناءوقهوة التعتراف

الكافيتريا كانت ضجيجًا كاملاً. صحون، ضحك، نقاشات عن السياسة والكورة والامتحانات اللي ما بدأت. هناء دخلت وهي ما زالت تشم رائحة الإهانة من باب القاعة. ياسين كان في الزاوية اللي وصفها، الطاولة اللي ورا، أمامه كتابين وكوب قهوة ثاني ما لمسه. شعره المنكوش وتيشيرت "Pink Floyd" الباهت يخليانه واضح وسط بدلات الطلاب الرسميين. جلسَت بدون كلام. دفع الكوب ناحيتها: "سادة، على طريقة الضائعين". رفعت حاجبها: "ومن قال إني ضايعة؟" ضحك: "اللي يجي الكلية بتنورة عليها خريطة المجاري، أكيد مضاربة مع كازا". نزلت عينها للبقعة. لأول مرة تضحك من قلبها اليوم. "كازا فازت أول جولة". "مؤقت"، قال وهو يشرب قهوته. "المدينة زي امتحان الفلسفة. الأسئلة تصدمك أول مرة، بعدين تفهمين أن الغرض مش الإجابة، الغرض تعرفين كيف تفكرين تحت الضغط". سكتت هناء. رشفت القهوة المرّة. حرقِتها ذكرتها أنها صاحية، وأن اللي صار صار فعلاً. "طردني"، قالت أخيرًا. "الدكتور سكر الباب في وجهي قدام الكل. تنورتي تلوثت، تأخرت، وحسيت إني قروية غبية وسط ناس فاهمين اللعبة". ياسين حط الكتاب اللي في يده. *"سيكولوجية الجماهير"*. "تعرفين وش المشترك بينك وبين نيتشه؟" "لا تقول الفلسفة تكفى". "لا"، ابتسم. "كلاكما انطرد من مكان أول مرة. هو من الجامعة، وانتي من المحاضرة. الفرق أنه رجع كتب كتبًا، وانتي لسه قدامك القهوة تبرد". مرت بنت لابسة نظارة ووقفت عند طاولتهم: "ياسين، محاضرة العربي تكنسلت. الدكتور مسافر". هز رأسه: "شفتي؟ حتى الدكاترة يتأخرون. بس الفرق أن لهم أعذار رسمية". بعد ما مشت البنت، طلع من شنطته منديل قماش قديم. "خدي. عطتني إياه أمي الله يرحمها. كانت تقول: البقع ما تعيب، اللي يعيب أنك تلبسينها وتكملين كأنك مكسورة". هناء مسكت المنديل. كان نظيف، ومطروز في طرفه حرف "ف". "فاطمة؟" "إيه. كانت تقول أن القوي هو اللي يرقّع نفسه ويكمل". بللت هناء طرف المنديل بمويه من كاستها، ومسحت البقعة بهدوء. ما راحت كاملة، لكنها صارت باهتة. زي وجعها. "ليش تساعدني؟" سألت وهي ترفع عينها له. "لأني كنت أنتي قبل سنتين"، قال ببساطة. "جيت من سطات، أول أسبوع نمت في المحطة لأن السكن الجامعي تأخر. وانطردت من ثلاث محاضرات. لو ما لقاني واحد وضّح لي أن كازا تختبرك أول، بعدين تصاحبك... كنت رجعت". ساد صمت مريح. صوت فيروز كان طالع خافت من سماعات الكافيتريا. نفس الأغنية اللي تسمعها عند جارتها في أولاد حميدة. "طيب"، قالت هناء وهي توقف، "جولة ثانية مع كازا. بس هالمرة بلبس بنطلون". ياسين رفع كوبه: "نخب الرصيف المكسور. علمنا نمشي عدل". ضحكت، ورجعت المنديل له. "خليه معك"، قال. "يمكن تحتاجينه. المدينة لسه ما خلصت اختباراتها". طلعت من الكافيتريا. القهوة ضبطت مزاجها، والبقعة صارت قصة، وياسين صار أول صاحب لها في الحرب. الرصيف ما زال مكسور. بس هناء، لأول مرة، كانت تعرف فين تحط رجلها.