رصيف304 - هناء والرصيف المكسور - بقلم hanaa habib - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: رصيف304
المؤلف / الكاتب: hanaa habib
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: هناء والرصيف المكسور

هناء والرصيف المكسور

الأسبوع الأول مرّ سريعًا. محاضرات، وجوه جديدة، ومقاهٍ تبيع القهوة بسعر كتاب كامل في أولاد حميدة. هناء كانت تحاول أن تتأقلم، لكن المدينة لها طريقتها في اختبار الغرباء. اليوم تأخرت. الحافلة رقم 120 لم تأتِ. وقفت تحت شمس الظهيرة مع عشرات غيرها، الكل ينظر في ساعته ويشتم بصمت. لما وصلت الحافلة أخيرًا، كان الباب لا يُغلق من شدة الزحام. دفعها رجل بكتفه وهو يصعد: "تحركي يا آنسة، ما عندنا نهار كامل". دخلت بصعوبة. كانت واقفة بين رجل يفوح منه العرق وامرأة تحمل طفلًا يبكي بلا توقف. الحقيبة تضغط على ظهرها، والبطاقة الجامعية التي كانت تفتخر بها صارت عائقًا وهي تحاول إخراج ثمن التذكرة. نزلت في محطة "درب السلطان" وهي تلهث. أول محاضرة مهمة، والدكتور لا يرحم المتأخرين. ركضت في الأزقة الضيقة. الأرصفة مكسورة، والمحلات تفرش بضاعتها حتى منتصف الطريق. كادت تقع ثلاث مرات. عند إشارة المرور، سيارة فاخرة مرت بسرعة وطارت من تحت عجلاتها مياه آسنة لطخت تنورتها الوحيدة الأنيقة. السائق لم يلتفت حتى. وقفت هناء تنظر إلى البقعة السوداء على قماشها البيج. كانت التنورة هدية أمها قبل السفر: "البسيها في أول يوم مهم". في تلك اللحظة، شعرت بالغربة كاملة. ليست غربة المكان فقط، بل غربة القوانين. هنا لا أحد يعتذر، لا أحد يرى، الكل يركض ولا يهمه من يسقط. وصلت باب القاعة متأخرة عشر دقائق. طرقت الباب. الدكتور الخمسيني نظر إليها من فوق نظارته: "الآنسة بناني؟ قوانين القاعة واضحة. المحاضرة بدأت 2:00، والساعة الآن 2:11". حاولت تبرر: "أستاذ، الحافلة و—" قاطعها: "الحافلة، الطريق، المدينة... كلنا عندنا أعذار. تفضلي المرة الجاية، لكن اليوم انتهى وقتك". أغلق الباب في وجهها. بقيت واقفة في الممر البارد. البقعة على تنورتها، الإهانة في أذنها، والتعب في عظامها. طلاب مروا بجانبها ولم ينتبه أحد. لأول مرة منذ وصولها، سألت نفسها: "وش جابني هنا؟" جلست على الدرج. أخرجت هاتفها لتتصل بأمها، ثم تراجعت. أمها نامت البارحة وهي تحكي للجارات أن بنتها صارت "جامعية في كازا". كيف تقول لها إنها طُردت من أول محاضرة مهمة؟ رن الهاتف. رقم غريب. "آلو، هناء؟ معك ياسين تبع كتاب الوجود والعدم. شفتك من بعيد شكلك مضاربة مع المدينة. كافيتريا الكلية، الطاولة اللي ورا. القهوة عليّ". مسحت دموعها بسرعة. وقفت، عدلت حقيبتها، ونظرت إلى البقعة على التنورة. همست: "تمام يا كازا. جولة بجولة. وأنا نفسي طويل". ومشت. الرصيف ما زال مكسورًا، لكن خطواتها هذه المرة كانت أثبت.