هناء و المدينة التي لا تنام
الورقة ما زالت في يد هناء، لكن الحافلة وصلت المحطة الأخيرة. نزلت وخطواتها أخف من المعتاد، كأن خبر القبول نزع عن كتفيها ثقلًا لم تكن تعترف بوجوده.
الدار البيضاء لا تشبه أولاد حميدة. هنا الضجيج له قانون، والوجوه تركض قبل الأقدام. وقفت هناء أمام باب الجامعة الكبير. طلاب يدخلون ويخرجون، ضحكات، نقاشات، كتب تحت الإبط. كانت تحلم بهذا المشهد من ثلاث سنوات.
دخلت مكتب التسجيل. الموظفة رفعت حاجبها وهي تتفحص الأوراق: "هناء بناني؟ من أولاد حميدة؟"
هزت هناء رأسها.
الموظفة ابتسمت نصف ابتسامة: "قليل اللي يجون من هناك ويكملون للآخر. أتمنى تكوني منهم".
الكلمة وخزتها، لكنها بلعتها مع رشفة ماء. استلمت بطاقتها الجامعية. اسمها مطبوع بالأسود: *هناء بناني - كلية الآداب*. مررت إصبعها على الحروف كأنها تتأكد أنها حقيقية.
في الساحة، جلست تحت شجرة وحيدة. أخرجت هاتفها. عشر مكالمات فائتة من أمها. اتصلت.
"يما، قبلوني".
صرخة أمها اخترقت السماعة ووصلت قلب كل طالب قريب: "قلت لك بنتي قدها! الله يرضي عليك يا هناء".
أغلقت الخط. دموعها نزلت هذه المرة. ليست دموع فرح فقط، بل دموع خوف أيضًا. المدينة كبيرة، والجامعة أكبر، وهي بنت الحي البسيط الذي يعرف كل سكانه بعضهم.
مر بجانبها شاب يحمل كومة كتب كادت توقعه. اصطدم بكتفها وتبعثرت الكتب.
"آسف... والله ما انتبهت".
انحنت هناء تساعده. رفع رأسه: "أنا ياسين، سنة ثانية فلسفة. وانتي؟"
"هناء. أول يوم".
ضحك: "أول يوم أصعب يوم. بعدها تتعودين على الضياع".
أعطاها كتابًا وقع عند قدمها. *"الوجود والعدم"*.
قالت وهي تبتسم: "بداية مبشرة".
رد وهو يلم أغراضه: "لو احتجتي شيء، اسألي عن ياسين. كل الضائعين يعرفوني".
مشى وتركها مع الكتاب ومع سؤال جديد: هل الضياع شرط من شروط الوصول؟
هزت رأسها، وضعت البطاقة الجامعية في جيبها، ومشت نحو أول محاضرة في حياتها.
المدينة لا تنام. وهناء قررت أنها لن تنام أيضًا، ليس قبل
ان تترك اترها هنا