هناء و الصباح الذي لا يشبه غيره
---
*إهداء*
إلى كل "هناء"
جاءت من هامش الخريطة،
وحملت قلبها بين كتبها،
ووقفت على رصيف مكسور... فجعلته بداية الطريق.
إلى كل "ياسين"
الذي آمن أن الحب ليس قصيدة، بل كتف،
وأن الرجولة أن تعود... حتى لو أتعبتك العودة.
إلى "هاجر" و"مي فاطنة" وكل يد امتدت في العتمة،
لتقول: لستِ وحدك.
إلى أمهاتنا،
اللواتي يخبزن الخوف دعاءً،
ويرسلننا للمدن البعيدة... وقلوبهن معنا في كل حافلة.
وإلى الدار البيضاء،
المدينة التي لا تنام، ولا ترحم، ولا تنسى...
لكنها تنحني أخيرًا،
أمام من قرر ألا ينكسر.
*وإليكِ يا أنتِ، يا أنتَ...*
إن كنت تقرأ هذا وقلبك على رصيف مكسور:
تذكّر أن الأرصفة لا تُصنع لنمشي عليها فقط،
بل لنُعلّم أقدامنا كيف تصنع طريقها الخاص.
*_هناء وصلت.
وأنت... دورك*
كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف حين فتحت هناء عينيها، لا على صوت المنبه، بل على ضوء الشمس المتسلل من بين ستائر غرفتها الباهتة. لم تكن من أولئك الذين يستيقظون بدقة الآلات، بل كانت تستيقظ حين يقرر قلبها أن اليوم يستحق أن يُعاش.
وقفت أمام المرآة. شعرها الأسود مبعثر كأفكارها قبل القهوة، وعيناها تحملان ذلك البريق العنيد الذي لا ينطفئ حتى في أصعب الأيام. مررت أصابعها على سطح المرآة البارد وهمست لنفسها: "يوم جديد، يا هناء. لا تخربيه".
هناء لا تؤمن بالخطط الكبيرة. تؤمن بالتفاصيل الصغيرة: رائحة الخبز من فرن الحي في أولاد حميدة، صوت فيروز يخرج خافتًا من راديو الجارة، كوب الشاي بالنعناع الذي لا تشربه إلا وهي واقفة عند النافذة.
نزلت إلى الشارع. كان الحي يستيقظ على مهل. أبو أحمد يفتح دكانه وهو يتمتم بأذكار الصباح، والأطفال يركضون بحقائبهم المدرسية كأنهم متأخرون عن سباق. لمحها جارها العجوز وابتسم: "صباحك رضا يا بنتي". ردت عليه بابتسامة تعرف أنها تداوي: "وصباحك خير يا حاج".
لكن هناء هذا الصباح كانت مختلفة. في حقيبتها ورقة مطوية تحمل خبرًا كانت تنتظره منذ شهور. لم تخبر أحدًا. أرادت أن تمشي قليلًا مع الخبر قبل أن يصير ملكًا للعالم.
جلست على مقعد الحافلة المتهالك. أخرجت الورقة، قرأت السطر الأول مرة أخرى: *"نبارك لك قبولك..."*. أغمضت عينيها. لم تصرخ، لم تبكِ. فقط ابتسمت ابتسامة هادئة، كأنها كانت تعرف طوال الوقت أن هذا سيحدث.
الحافلة تحركت. والمدينة كلها تحركت معها. وهناء، لأول مرة، شعرت أن الصباح يشبهها تمامًا: بسيط، عنيد، ومليء بالاحتمالات.