سجينة في قصر أبي - الفصل الحادي والعشرون والأخير - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: سجينة في قصر أبي
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الحادي والعشرون والأخير

الفصل الحادي والعشرون والأخير

المواجهة الكبرى فوق أشلاء الظلم: في اللحظة التي كان فيها نصل المقصلة يتأهب ليرتوي من دم "ماري" البريء، انشق صمت الساحة عن إعصارٍ من الغبار وحوافر الخيول التي لم تكن تجري، بل كانت تطوي الأرض طياً. لم يكن مجرد وصول، بل كان زلزالاً ضرب أركان "أركونيا" في مقتل. توقف الجلاد بيده المرتجفة، والتفتت رؤوس الحشود بذهول نحو مصدر الصوت، ليروا ثلاثة فرسان يقتحمون الساحة كأنهم ملائكة العذاب. في المقدمة، كان رونال، بشجاعته التي تفوق الوصف، يمتطي جواده كأنه جزءٌ منه، وسيفه المسلول يلمع ببريقٍ أخفى ضوء الشمس الشاحب. وإلى يمينه ساجين، الذي كان يتحرك كظلّ الموت، وعيناه تراقبان كل ثغرة في صفوف الحراس. أما في الوسط، فكانت كيمارا.. لم تعد تلك الفتاة الهاربة المتشحة بالخوف، بل كانت ملكةً توجها الغضب. نزعت وشاحها الأسود لتبدو أمام الجميع بشعرها المتطاير وعينيها اللتين تحملان أرث "أركونيا" المذبوح. صرخ رونال بصوتٍ جهوري هزّ جدران القصر المجاورة: —كفّوا أيديكم! أيها الجلاد، إذا أفلحتَ في إنزال هذا النصل، فأقسم بدمائي أن رأسك ستسقط قبل أن تلمس جسدها! أنا رونال، أمير ديودار وفارسها، وجئتُ لأستعيد حقاً لا يملكه إلا أصحابه!" على الشرفة العالية، وقف الملك آرثر مشدوهاً، وقد تيبست الدماء في عروقه. تحول وجهه من البرود إلى شحوب الموت وهو يرى ابنته التي ظنها تحطمت، تقف شامخة وسط الساحة. وإلى جانبه، كان سيدريك يبتسم بمرارة، مدركاً أن "اللعبة الكبرى" قد وصلت إلى فصلها الذي لم يحسب له حساباً. ترجلت كيمارا عن جوادها بخطواتٍ ثابتة وسط الحرس الذين تراجعوا هيبةً وفزعاً، وصرخت وهي تشير بإصبعها نحو والدها في الأعلى: —انظر إليّ جيداً يا آرثر! انظر إلى 'الابنة' التي أردتَ خنق صوتها! لقد عدتُ لآخذ ما سلبته منا جميعاً.. عدتُ لأمنح ماري الحياة، وأمنحك أنت الحقيقة التي هربتَ منها طويلاً. أركونيا ليست ملكك لتذبحها على مذبح مطامعك، واليوم سيسقط التاج الذي لوثته بدم الأبرياء! تقدم ساجين بخطواتٍ ثابتة، ملامحه التي كانت دائماً غامضة تحولت الآن إلى نصلٍ حاد من الانتقام. وقف وسط الساحة، ورفع صوته الذي اخترق سكون الموت ليفضح السر القديم أمام الجميع: —يا أهل أركونيا! يا حراس القصر الذين تظنون أنكم تخدمون ملكاً عادلاً.. أنتم تخدمون سفاحاً! هل تساءلتم يوماً كيف مات الشاب أرمان او الملكة إلينا؟ هل صدقتم كذبة 'المرض المفاجئ'؟ أنا الشاهد الذي لم يمت! لقد قتلهما آرثر بدمٍ بارد.. سمهما في كؤوس الغدر! لقد كنتُ هناك، ورأيتُ الخيانة في عينيه وهي تلمع خلف ابتسامته الزائفة! هو القاتل، هو اللص، واليوم سيسقط ضجت الساحة بهمسٍ كأمواج البحر الهائج، وفي تلك اللحظة، اخترقت تيا الصفوف بمشاغبتها التي تحولت إلى قوة كاسرة. ركضت نحو كيمارا وساجين، وأمسكت بيديهما بقوة، ورفعت رأسها نحو آرثر بعينين تشتعلان بنارٍ لم يطفئها الزمن، لتفجر مفاجأةً جديدة: —وليس أرمان وإلينا فقط يا أيها الملك الطاغية! هل تتذكر تلك الخادمة المسكينة لوسي التي قُتلت غدراً في أزقة القصر؟ كانت أمي! رجالك ذبحوها بأمرٍ منك عندما علمت بالسر.. عندما شاهدت بؤسك وأنت تضع السم في شراب الشاب البسيط والملكة! قتلتها لتخرس لسانها، لكنك نسيت أن لها ابنة ستكبر لتكون هي الشاهدة على نهايتك اليوم! وفي تلك اللحظة، وبينما كان روجيل في قبو "ديودار" يصرخ وحيداً ضد الجدران الصماء، كانت كيمارا تكتب تاريخاً جديداً تحت سماء "أركونيا". تقدم رونال ليقف بجانبها، مغمداً سيفه نصف إغماد كتحذيرٍ أخير، وقال بنبرةٍ تقطر ثقة: —لقد انتهى زمن الخوف يا آرثر. ديودار لا تحمي لاجئة، بل تحمي ملكة.. ومن أراد استعادتها، فليأتِ ليأخذها من فوق نصل سيفي! ساد صمتٌ رهيب، تعلقت فيه الأنفاس بين الشرفة والساحة، وبين الموت والحياة، بانتظار إشارةٍ واحدة لتشتعل نيران الحرب أو يسقط جبروت الطاغية. ثورةُ الأحرار: لم يكن صوت تيا وساجين مجرد كلمات عابرة، بل كان الشرارة التي أحرقت هشيم الظلم في قلوب الجميع. ساد صمتٌ قصير ومريب، كأنه الشهيق الذي يسبق الصرخة، ثم فجأة، انسلخ الحراس عن أماكنهم، لا ليهجموا على الفرسان، بل ليلقوا رماحهم أرضاً احتجاجاً على ملكٍ بنى عرشه من سمٍّ ودم. انفجرت الساحة بصيحات "ثورة! ثورة!"، وتحولت الحشود التي كانت ترتجف خوفاً إلى سيلٍ هادر يكتسح بوابات الخوف. حاول سيدريك أن يصرخ في الحراس الموالين له بالهجوم، لكن صوته غرق في ضجيج الأحرار، ولم يجد نفسه إلا وجهاً لوجه مع نصل رونال الذي سبقه بلمحة البصر ليضعه تحت رقبته، ضاغطاً ببرودٍ أرعب فرائص الخائن، وهامسًا له: —اللعبة انتهت يا سيدريك.. اليوم، القواعد يكتبها الأحرار بدموعهم وعرقهم، وأمثالك من مهندسي الدسائس لا مكان لهم إلا في حاوية النسيان أو خلف قضبان العدالة التي استهزأت بها طويلاً. وعلى الشرفة العالية، انهار آرثر تماماً؛ لم يعد ملكاً مهاباً، بل بدا كرجلٍ عجوز نخر السوس عظامه من الداخل قبل الخارج. كان ينظر للأسفل ويرى بعينيه حبال المشنقة التي عقدها لغيره وهي تلتف حول عنق مُلكه المتهاوي. اقتحم الشعب أبواب القصر التي سدت لسنوات، ولم يجد هو بداً من التراجع للخلف في ردهات القصر المظلمة، هارباً من وجوه ضحاياه التي تجسدت في كيمارا الثائرة، وتيا المشاكسة، وساجين الحامل لأسرار الموت. بعد أيام من غسيل أركونيا لآلامها وجراحها بماء الحقيقة، أشرقت شمسٌ جديدة ببريقٍ مختلف. لم تكن الساحة الكبرى مكاناً للإعدام أو بث الرعب هذه المرة، بل كانت مهدأً لولادة فجرٍ جديد. نُصبت منصة التتويج في القلب، واحتشد الآلاف من القرى والمدن، لا لرؤية دم يُسفك، بل لرؤية عدلٍ طال انتظاره حتى ظن الناس أنه مجرد أسطورة. تقدمت كيمارا بخطواتٍ موزونة، مرتديةً ثوباً أبيض يجمع بذكاء بين بساطة "كارولين الخادمة" التي كانت تعجن الخبز بيدها، وهيبة "الوريثة الشرعية" التي تستعد لرفع الصولجان. كان ساجين يسير عن يمينها كطودٍ عظيم، حاملاً تاج التتويج الذي استخرجه، وتيا عن يسارها بملابسها الزاهية، تمسح دمعة فرح غلبت كبرياءها ولم تستطع مشاغبتها المعتادة إخفاءها. وخلفهما كان رونال، يراقبها بنظرة فخرٍ وحب عميق، كأنه الفارس الذي سلم قلبه للملكة قبل أن يسلمها نصره وسيفه. وقف ساجين أمام الشعب، ورفع التاج المرصع عالياً حتى عانق ضوء الشمس، وقال بصوتٍ جهوري هزّ القلوب: —باسم دماء أخي أرمان ووالملكة إلينا، وباسم كل من ذاق الظلم في عتمة السجون، وباسم الدموع التي جفت في عيون الأرامل واليتامى.. نُتوج اليوم كيمارا ملكةً على أركونيا. لم نُتوجها لأنها ابنة ملك فحسب، بل لأنها الروح التي لم تكسرها وحشة الغابة، والقلب الذي لم يلوثه سواد الغدر، والابنة التي عادت لتصلح ما أفسده الطغاة! وضعت كيمارا التاج فوق رأسها بهدوءٍ وثقة، ولم يكن بالنسبة لها زينةً، بل كان عهداً غليظاً. نظرت إلى الحشود الممتدة كالبحر وقالت بصوتٍ قوي تردد صداه في كل شبر من أركونيا: —يا أهل أركونيا.. هذا اليوم لا يبدأ عهداً جديداً معي، بل يبدأه معكم وبكم. التاج الذي أرتديه ليس ملكاً لي، بل هو أمانة ثقيلة لرد حقوق من ماتوا ظلماً، ومن عاشوا قهراً، ومن صمتوا خوفاً. من اليوم، لا سجون للكلمة الحرّة، ولا مشانق للأوفياء، ولا فقر يحكمه الجشع. لقد هربتُ يوماً من هذا القصر لأعيش حرة، واليوم عدتُ لأفتح أبواب القصر وأجعلكم جميعاً أحراراً في وطنكم. دوت الهتافات حتى اهتزت الجبال المحيطة بالمملكة، وبدأ الناس يتبادلون التهاني بدموع الفرح. وفي وسط ذلك الضجيج المقدس، اقترب رونال من كيمارا، وأمسك يدها برفق أمام الجميع، وهمس لها (بلمسته الذكية الساخرة): — جلالة الملكة.. يبدو أن الرعية في غاية السعادة، لكن هل هناك متسع في جدول أعمالكِ المزدحم أو في زوايا قصركِ المنيف لفارسٍ جوال اعتاد أن يحرس الخادمات الخرساء الاجنحه الموحشه؟ أم أنني سأضطر لتقديم طلبٍ رسمي عبر حاجِب الملكة؟ ضحكت كيمارا بقلبٍ صافٍ لم تعرفه منذ سنوات، وقالت وهي تضغط على يده بقوة تعادل ميثاقاً: —يا رونال.. القصر لك بواباته، والعرش لك حمايته، وقلب كيمارا لن يغلق بابه أبداً في وجه من علّمها أن الحرية لا تبدأ بالهروب، بل تبدأ بكلمة 'أحبك' وبالوقوف في وجه العاصفة. أنت لم تكن حارسي فقط، بل كنت صوتي حين سُرق مني الكلام. وهكذا، وفيما كان روجيل يذوي في قبو ديودار المظلم يندب حظه، وآرثر يواجه قدره المحتوم في غياهب المحاكمة التاريخية، كانت أركونيا وديودار تتعانقان بعهدٍ من الحب والعدل عناقُ النجاة: لم يكن ما حدث في ساحة "أركونيا" مجرد معجزة، بل كان صفعةً في وجه الموت الذي كاد أن يطبق فكيه على عنق ماري. فبينما كانت خيول رونال وصرخات كيمارا تزلزل الأركان، كانت بياتريس، الخياطة العجوز، تقف خلف صفوف الحرس، وقد شاب شعرها من الرعب وهي ترى شقيقتها تجثو أمام المقصلة. بمجرد أن أعلن رونال سيطرته على الساحة وتراجع الجلاد، اندفعت بياتريس كالسهم، لم يمنعها عمرها ولا رماح الحرس التي كانت تتساقط أرضاً. شقت الزحام وهي تصرخ باسم ماري، حتى وصلت إلى المنصة الخشبية اللعينة. كانت ماري لا تزال جاثية، مغمضة العينين، تنتظر النصل الذي لم يأتِ، وجسدها يرتجف ارتعاش الورقة في العاصفة. ارتمت بياتريس فوقها، محتضنةً إياها بقوة كادت تكسر أضلعها، وأخذت تنزع عنها الحبال بيديها المرتجفتين وهي تبكي وتضحك من الفرح في آن واحد: —ماري! افتحي عينيكِ يا حمقاء! لقد ولى زمن الموت، وانتهى كابوس آرثر! انظري حولكِ، السماء لم تسقط، بل سقط الطاغية! رفعت ماري رأسها ببطء، وعيناها اللتان غلفهما ضباب اليأس بدأتا تستعيدان بريقهما حين رأت وجه بياتريس القريب منها. شهقت شهقةً طويلة وكأنها تستعيد روحاً كانت قد فارقتها، ثم ارتمت في صدر بياتريس وأجهشت بالبكاء، بكاءً مرّاً غسل وجع السجن وظلم القبو. قالت بياتريس وهي تمسح على رأسها وتشدد من عناقها أمام الحشود: —لقد كنتِ تخيطين أثواب النجاة للآخرين يا ماري، ولم تعلمي أن القدر كان يخيط لكِ ثوباً من عمرٍ جديد. القدر الذي أعادكِ من حافة الهاوية لترَيْ بأم عينيكِ كيف تُتوج كيمارا.. ابنتنا التي صرنا من أجلها نعدّ الثواني. ابتعدت ماري قليلاً، والدموع لا تزال تبلل وجنتيها، ونظرت إلى بياتريس بوهنٍ ممزوج بابتسامة باهتة: —بياتريس.. هل أنا أحلم؟ هل حقاً عادت كيمارا؟ لقد ظننتُ أنني سأحمل سرها معي إلى القبر. ضحكت بياتريس بذكاء ومرارة: —بل ستحملين سرها إلى القصر يا ماري! وسأصنع لكِ أجمل ثوب حريري يليق بـ 'وصيفة الملكة الأولى'. أما الآن، فكفي عن الارتجاف، فالمقصلة قد انكسرت، والجلاد يبحث عن مكان يختبئ فيه من غضب الشعب. تعالي معي، فالأميرة.. أقصد الملكة، تنتظر أن ترى وجهكِ لتكتمل فرحتها. سحبتا بعضهما البعض بعيداً عن المنصة المشؤومة، في عناقٍ كان يختصر سنوات من الصمت والخوف، ليعلنا للعالم أن الوفاء قد ينتصر في الدقيقة الأخيرة، وأن الموت نفسه قد يتراجع خجلاً أمام صداقةٍ لم تكسرها سجون آرثر. ميزانُ العدل ونهاية الذئب: ساد صمتٌ مهيب في الساحة الكبرى، صمتٌ لم يقطعه إلا حفيف الرياح ووقع خطوات الملكة كيمارا وهي تتقدم نحو الشرفة التي طالما شهدت مراسيم الموت. وقفت كيمارا، والتاج يلمع فوق رأسها، بعد ايام من عودتها لكن عينيها كانت تحملان بريقاً لم يألفه الناس؛ بريقاً يمزج بين عدل الملكة وقسوة المظلومة التي لم تنسَ جراحها قط. نظرت إلى الحشود الغفيرة وقالت بصوتٍ رخيم، حاد كالنصل، وواضح كالشمس: —يا شعب أركونيا العظيم.. اليوم لا نحتفل بتنصيب ملكة فحسب، بل نحتفل بموت الخوف. لقد بُني هذا القصر على الأسرار، وسُقي بدموع الأبرياء، واليوم نغسل جدرانه بالحقيقة. العدل لا يكتمل إلا بوضع كل روح في مكانها الذي تستحق، واليوم.. يبدأ الحساب. أشار رونال بيده، فسحب الحراس سيدريك، الذي كان يرتجف كالورقة الجافة، ووجهه الذي طالما نضح بالمكر أصبح قناعاً من الرعب الخالص. نظرت إليه كيمارا باحتقارٍ صامت، ثم أعلنت حكمها بنبره لا تخلو من مرارة: —أما أنت يا سيدريك.. يا ثعلب الردهات ومُحرك الخيوط من خلف الستار. تظن أن النفي خارج أركونيا هو عقابك؟ لا.. أنت أضعف من أن ترحل وتواجه العالم بلا حماية. حكمي عليك هو 'النفي الداخلي'. ستقضي ما تبقى من عمرك في غياهب القصر التي أحببتها، لكن ليس في أجنحته الوثيرة، بل في سراديب الخدم التي كنت تزدريها. ستعمل خادماً، تنظف الأوساخ التي تركتها، وتسمع كل يوم هتاف الناس للملكةٍ أردتَ قتلها. ستكون شبحاً في القصر، حياً ولكنك منفيّ من الوجود، تقتات على بقايا طعام الأحرار. وتخدم الشعب إيضاً سحب الحراس سيدريك وهو يصرخ توسلاً، ثم التفتت كيمارا نحو آرثر، الذي كان مقيداً إلى عمودٍ في زاوية الشرفة، ينظر إليها بعينين زائغتين يملؤهما الذعر. طلبت كيمارا من الجميع التراجع، حتى رونال، الذي ظل يراقبها من بعيد بعينين تملاهما الحماية والتقدير، مدركاً أن هذا الثأر يخصها وحدها. اقتربت منه ببطء، وفي يدها خنجرٌ مرصع بالياقوت، هو نفس الخنجر الذي كان ملكاً لـ أرمان الذي سلمه لها ساجين. لم تكن هناك دموع في عينيها، بل كان هناك "بركان" تراكم لسنوات. قالت له بهمسٍ لم يسمعه غيره، ولكنه هزّ كيانه كصعقة: —كنت تقول إن الملك يُعرف بقوته في سفك الدماء.. واليوم، سأجعلك تتذوق طعم القوة التي غرستها في قلبي. غرزت النصل في كتفه الايسر بقوة وقسوة، فصرخ آرثر صرخةً هزت الساحة، لكنها قالت ببرود: —هذه لأجل روح أرمان.. الرجل الذي سممتَ كأسه وغدرتَ به وأنت تبتسم في وجهه. لم تتركه يلتقط أنفاسه، بل طعنته الطعنة الثانية في خاصرته، وهي تضغط على النصل ليتغلغل في لحمه: —وهذه لأجل الملكة إلينا..أمي المرأة التي سرقتَ منها حياتها وحرمتني من حنانها لتشبع نهمك للعرش. تلوى آرثر من الألم، لكن كيمارا كانت كالملاك المنتقم، طعنته الثالثة كانت في يده التي وقعت مراسيم الموت: —وهذه لأجل ماري.. التي قضت أيامها في قبوك المظلم تنتظر نصلك، لأنها فقط اختارت الوفاء على الخيانة. اقتربت من أذنه والدم يقطر من النصل، وغرزت الطعنة الرابعة في صدره ببطءٍ شديد وهي تذكره بكل وجع: —وهذه لأجل تيا.. وأم تيا التي ذبحها رجالك لأنها رأت حقيقتك القبيحة. هل تسمع صرخاتهم الآن يا آرثر؟ هل تشعر ببرودة المعدن وهي تحاكي برودة قلبك؟ وفي الطعنة الأخيرة، الطعنة الخامسة التي استقرت في قلبه مباشرة، نظرت في عينيه وقالت بصوتٍ مشحون بالقهر: — أما هذه.. فهي لأجل كيمارا أنا.. تلك الفتاة التي أجبرتها على الهروب كاللصوص، وأمضت لياليها في الغابات ترتعد خوفاً من ظلك. اذهب إلى الجحيم يا آرثر.. فليس لك في قلبي مكان للأبوة، وليس لك في أركونيا مكان للرحمة. مُت غريباً كما عشت غريباً عن قلوبنا. سقط آرثر جثةً هامدة عند قدميها، وانتهى بموتٍ مخزٍ يليق بطاغية سقطت هيبته قبل جسده. وقفت كيمارا، والدم يلوث نصلها الملكي، واستدارت نحو شعبها، ورفعت الخنجر عالياً ليعلن نهاية حقبة الظلام: — لقد مات الطاغية بيد العدل، واليوم.. تُغلق صفحة الدم لتفتح أركونيا ذراعيها للحياة! دوت الصرخات والهتافات التي لا تنتهي، واقترب رونال منها، مسح بقطعة قماشٍ حريرية الدم عن يدها، ونظر في عينيها وقال بابتسامةٍ واثقة: —لقد فعلتِها يا ملكتي.. لقد اقتلعتِ الشوكة بيدكِ ولم تتركي للغدر أثراً. والآن، دعينا نغسل الساحة بالورد، لنستعد ليومٍ لم يشهده التاريخ من قبل. ميثاقُ التيجان: في قصر "ديودار"، كان الملك ميدار يجلس في قاعة العرش والوجوم يكسو ملامحه، حتى دخل عليه مستشاره الأول وهو يلهث: —مولاي.. لقد وصلت الأنباء من أركونيا! الملك آرثر سقط قتيلاً، وسيدريك انتهى أمره، والملكة المفقودة كيمارا ابنة آرثر قد عادت من العدم لتنتزع العرش من ابيها وسط ثورة شعبية عارمة! لم يفق ميدار من صدمته حتى وصله مبعوث يحمل رسالة مختومة بختم ابنه رونال. قرأ ميدار الرسالة وعيناه لا تكادان تصدقان؛ ابنه يطلب منه الحضور فوراً لمراسم التتويج والصلح. انطلق ميدار في موكب مهيب، والأسئلة تنهش عقله: من هي هذه الملكة التي استطاعت كسر جبروت آرثر؟ عند وصوله إلى ساحة القصر في أركونيا، وجد ميدار مئات الزهور تفرش الأرض. وقف رونال في الصدارة بزيّه العسكري اللامع، وإلى جانبه امرأة متشحة برداء ملكي من الحرير القرمزي، وتاجها المرصع بالياقوت يخطف الأبصار. ترجل ميدار من جواده ببطء، واقترب والدهشة تشل حركته. حدق في وجه الملكة، ثم تراجع خطوة للخلف وهو يفرك عينيه بذهول: —رونال! ما هذا الذي تراه عيناي؟ أهذه كارولين؟ تلك الخادمة الخرساء التي كانت تنظف ممرات قصرنا وتدير شؤون مخدعي؟ هل سخرتم من عقل الملك أم أن السحر قد مسّ أركونيا؟ تقدم رونال بابتسامة واثقة، ووضع يده في يد كيمارا، وقال (بذكاء وفخر): — لا يا أبي، لقد كانت تسكن قصرك كخادمة لكي تنجو برأسها من مقصلة والدها، لكنها كانت تسكن قلبي كملكة منذ اللحظة الأولى. صحح معلوماتك يا ملك ديودار.. هذه ليست كارولين، بل هي الملكة كيمارا ابنة آرثر، التي رفضت أن ترث ظلمه فاختارت أن ترث حب شعبها. لقد كانت صامتة لتسمع غدرهم، واليوم تنطق لتعيد الحق لأصحابه. انحنى ميدار احتراماً، والذهول لا يزال يرتسم على وجهه، فتابعت كيمارا بصوتها الرخيم: — أهلاً بك يا ملك ديودار في أركونيا الحرة. لقد انتهى زمن السم والخوف، واليوم نمد أيدينا بميثاق حب لا ينكسر. التحالف بيننا هو قدر وعمّده العدل. نهاية الثعلب وتكريم الأوفياء: في الوقت الذي كانت فيه أجراس الفرح تُدق، وفي أظلم زاوية من "غرف الخدم"، كان سيدريك ينظر إلى المكنسة في يده بمرارة تذبح كبرياءه. لم يحتمل "الثعلب" إهانة أن يكون خادماً للفقراء، بابتسامة يائسة، صنع من حبل بسيط نهاية لقصته؛ وُجد سيدريك معلقاً في سقف الغرفة، مفضلاً الموت على العيش ذليلاً تحت أقدام الملكة التي حاول كسرها. أما في قاعة العرش، فقد استدعت كيمارا تيا ووالدها سيمونيل. قالت كيمارا بوفاء شديد: —تيا.. كنتِ صوتي حين سُرق مني الكلام. اليوم، أعلنُ تنصيبك 'مستشارة الملكة الأولى'. ستسكنين القصر أنتِ ووالدك سيمونيل في أفضل أجنحة أركونيا، لتبقي بجانبي مستشارة وصديقة، وليرتاح والدكِ من شقاء السلال ليعيش حياة الملوك وفاءً لصدقكِ. ضحكت تيا وهي تمسح دموعها، وقالت (بمزاحها المعهود): —جلالة الملكة.. هل هذا يعني أنني سأرتدي الحرير وأعطيكِ نصائح تزعجكِ كل صباح؟ استعدي، فأركونيا ستعرف الآن معنى المشاغبة الملكية! ميثاق القمر ومراسم الزفاف الأسطوري: انسحبت كيمارا ورونال إلى شرفة القصر المطلة على الممالك المتحدة. لف رونال ذراعه حول خصرها، وسحبها نحو صدره، وهمس بصوت دافئ: —هل تذكرين ليلتنا في قصر ديودار، حين كنتِ ترتعدين خوفاً من ظلي؟ رفعت كيمارا عينيها إليه، وابتسمت ابتسامة أذابت كل جراح الماضي: —كنتُ أخاف من ظلك لأنني لم أكن أعلم أنه سيكون وطني. لقد سرقتَ قلبي وأنا خادمة، واستعدتَ لي ملكي وأنا ابنة طريدة.. أخبرني يا رونال، هل ستتحمل ملكةً كانت يوماً خادمتك الخرساء؟ اقترب رونال وقبّل جبينها بعمق، ثم قال (بذوقه الرفيع): —سأتحمل صمتكِ الصاخب وقلبكِ المتمرد للأبد. الآن، يا ملكة قلبي، لم يعد هناك أسرار ولا هروب. هناك فقط نحن، وما تبقى من العمر لنكتبه معاً بالحب والعدل. ضحكت كيمارا وهمست وهي تغمض عينيها في حضنه: —لقد انتهت القصة يا رونال.. وبدأت الحياة. رونال بحب: —حياةُ العدل والحب فقط يا ملكة قلبي. تمت.... بقلم / هبة نبيل