“الثقة التي تُبنى ولا تُوهب”
الثقة لا تأتي دفعة واحدة.
هي لا تُهدى لأحد، ولا تُشترى، ولا تُستعار من الآخرين…
بل تُبنى مثل بيتٍ صغير، حجرًا فوق حجر، بصبرٍ طويل.
وهكذا بدأت نِيرَا تبنيها.
لم تكن تشعر أنها “أصبحت قوية فجأة”،
بل كانت تلاحظ أشياء صغيرة تغيّرت دون أن تطلب الإذن:
صوتها لم يعد يختبئ في صدرها.
نظرتها لم تعد تهرب بسرعة.
وخطواتها لم تعد مترددة كما كانت.
في المدرسة، لم تعد تختار آخر الصف دائمًا.
جلست يومًا في مكان أقرب قليلًا للواجهة…
خطوة بسيطة، لكنها كانت ثقيلة في داخلها أكثر مما تبدو.
في ذلك اليوم، أثناء الحصة، طُلب من التلاميذ إنجاز نشاط جماعي.
كالعادة، بدأت الفوضى الصغيرة: من يتكلم؟ من يقود؟ من يُهمَّش؟
وفي لحظة صمت قصيرة، قالت نِيرَا بصوت هادئ:
“نقسم العمل، وكل واحد يشارك بشيء بسيط.”
لم يكن اقتراحًا كبيرًا…
لكن الغريب أنه أوقف الفوضى.
نظر البعض إليها باستغراب، ثم بدأوا يتبعون الفكرة تدريجيًا.
لم تكن تصرخ، لم تفرض نفسها…
لكن كلماتها كانت هذه المرة تُسمَع.
بعد الحصة، اقتربت منها إحدى التلميذات التي كانت تلتزم الصمت دائمًا، وقالت بخجل:
“لم أكن أظن أنكِ بهذه القوة في الكلام.”
ابتسمت نِيرَا ابتسامة خفيفة، وقالت:
“أنا أيضًا لم أكن أظن ذلك.”
وهنا فهمت شيئًا مهمًا:
أننا لا نعرف أنفسنا قبل أن نجرب أن نكونها.
في طريق العودة، لم تعد تنظر إلى الأرض.
كانت ترفع عينيها أكثر، ليس بثقة متكبرة…
بل بثقة إنسان بدأ يصالح نفسه.
وفي المساء، جلست مع دفترها كعادتها، وكتبت:
“الثقة ليست أن أكون كاملة… بل أن أستمر رغم خوفي.”
ثم توقفت لحظة، وأضافت سطرًا صغيرًا أسفلها:
“وأنا أبدأ أتعلم ذلك.”
أغلقت الدفتر بهدوء، كأنها تغلق مرحلة قديمة من نفسها.
وفي مكانٍ ما داخلها، كان شيء جديد يولد…
ليس ضجيجًا، بل استقرارًا هادئًا يشبه بداية النضج.