“حين يتغيّر ما لا يُرى”
لم يكن التغيير في نِيرَا شيئًا صارخًا يلفت الأنظار.
لم يأتِ كحدثٍ كبير يهزّ العالم، بل جاء بهدوءٍ يشبه الفجر حين يتسلل دون ضجيج.
في البداية، لم يلاحظه أحد… حتى هي نفسها.
لكن شيئًا صغيرًا كان يتحرّك داخلها:
لم تعد تنكسر بنفس الطريقة القديمة.
في المدرسة، بدأت تردّ على المواقف الصعبة بصمتٍ مختلف.
ليس صمت الهروب… بل صمت القوة التي تفهم ولا تنهار.
نظرات كانت تؤلمها سابقًا، صارت تمرّ عليها كأنها ضباب.
ليس لأنها لم تعد تشعر، بل لأنها بدأت تفصل بين ما هي عليه… وما يقوله الآخرون عنها.
في أحد الأيام، حدث موقف بسيط لكنه مهم.
في القسم، طُرح سؤال في الدرس، وتردد الجميع.
كان الصمت معروفًا، ذلك الصمت الذي يهرب فيه الجميع من الخطأ.
لكن هذه المرة، رفعت نِيرَا يدها.
تردد خفيف… ثم قالت الإجابة بصوت واضح.
لم تكن الإجابة مثالية، لكنها كانت صحيحة بما يكفي.
سكت القسم لحظة…
ثم أكملت الأستاذة الدرس وكأن شيئًا عاديًا حدث.
لكن داخل نِيرَا، كان ذلك الحدث ضخمًا.
لم تكن “الإجابة” هي المهم…
بل أنها لم تعد تختبئ.
بعد الحصة، اقتربت الأستاذة أمال بشير شريف منها بهدوء، وقالت:
“اليوم لم تجيبي فقط… اليوم اخترتِ أن تُسمعي نفسك.”
لم ترد نِيرَا.
لكن عينيها كانتا تقولان الكثير.
في طريق العودة، كانت السماء أكثر صفاءً من المعتاد، أو ربما هي التي بدأت تلاحظ التفاصيل من جديد.
مرّت أمام نفس الواجهات الزجاجية التي كانت تتجنبها سابقًا.
لكن هذه المرة، لم تتوقف لتُحاسب نفسها.
نظرت فقط… ثم تابعت.
وفي داخلها، بدأت الحقيقة تتشكّل:
أن التغيير لا يعني أن تختفي الجراح…
بل أن تتعلّم كيف تمشي رغمها.
وفي ذلك المساء، عندما فتحت دفترها، كتبت جملة واحدة:
“أنا لا أعود كما كنت… لكنني أيضًا لم أعد أضعف كما كنت.”
ثم أغلقت الدفتر.
وكان ذلك بداية نسخة جديدة منها…
نسخة لا تصرخ، لكنها لا تنكسر بسهولة.