“حين تتكلم الرحمة”
في اليوم التالي، دخلت نِيرَا إلى القسم وهي تحمل ثقل الأمس في صدرها، كأنها لم تغادره أصلًا.
كانت تحاول أن تبدو عادية، لكن العادي أحيانًا يكون أصعب تمثيل.
جلست في مكانها، وفتحت دفترها الصغير، ثم أغلقتُه بسرعة.
حتى الكلمات لم تعد تجد طريقها بسهولة.
دخلت الأستاذة إلى القسم.
كانت لأستاذة أمال ، هادئة الملامح، لكن في صوتها شيء من الحزم الممزوج بالدفء.
بدأت الدرس كالمعتاد، لكن عينيها هذه المرة توقفتا قليلًا عند نِيرَا.
ليست نظرة فضول، ولا شفقة… بل ملاحظة صامتة كأنها ترى ما لا يُقال.
بعد انتهاء الحصة، نادت الأستاذة بهدوء:
“نِيرَا، تبقي قليلًا لو سمحتِ.”
تجمد الوقت للحظة.
لم تكن نِيرَا تحب هذا النوع من النداء، دائمًا يتبعه سؤال أو موقف لا تعرف كيف تتعامل معه.
اقتربت بخطوات بطيئة.
الأستاذة لم ترفع صوتها، ولم تسأل أسئلة جارحة.
فقط قالت بهدوء:
“أراكِ أحيانًا حاضرة بجسدك فقط… لكن فكرك بعيد جدًا. هل هناك ما يثقل قلبك؟”
سؤال بسيط… لكنه أصاب مكانًا دقيقًا داخلها.
صمتت نِيرَا.
كيف يمكنها أن تشرح شيئًا لا يُقال بسهولة؟
لكن الأستاذة لم تضغط عليها، وأضافت بصوت دافئ:
“أنتِ لستِ كما ترين نفسك في لحظات الألم. الإنسان لا يُختصر في نظرة الآخرين.”
هذه الجملة لم تكن صاخبة… لكنها دخلت قلبها بهدوء غريب.
لم تبكِ نِيرَا، لكنها شعرت بشيء يتحرك داخلها لأول مرة منذ فترة طويلة.
ليس حلًّا، وليس نهاية للألم… لكن كأن هناك يدًا خفيفة أزاحت جزءًا من الظلام.
خرجت من القسم بعد دقائق، والهواء خارجًا لم يكن مختلفًا…
لكنها هي كانت مختلفة قليلًا.
في طريق العودة، لم تنظر إلى الأرض كما تفعل دائمًا.
رفعت عينيها للحظة، وكأنها تتذكر شيئًا بسيطًا:
أن هناك من يراها… ليس بعين الحكم، بل بعين الفهم.
وفي قلبها، بدأت فكرة صغيرة تتشكل:
ربما… لم تُكتب نهايتها بعد.