“المرآة التي لا ترحم”
في صباحٍ بدا عادياً أكثر من اللازم، دخلت نِيرَا إلى الثانوية بخطوات هادئة، كأنها تحفظ الطريق أكثر مما تعيشه.
كل شيء كان يبدو كما هو: الوجوه نفسها، الضجيج نفسه، وحتى الصمت داخلها كان نفس الصمت القديم… لكن شيئًا ما كان ينتظرها دون أن تدري.
في ساحة المؤسسة، مرّت بجانب مجموعة من التلميذات.
ضحكات قصيرة تكسّرت في الهواء، ثم همسات لم تصلها كاملة، لكنها شعرت بثقلها.
ليست الكلمات وحدها ما يؤلم… أحيانًا طريقة قولها تكفي.
لم تلتفت.
لكن داخلها التفت ألف مرة.
دخلت القسم وجلست في مكانها المعتاد.
السبورة أمامها، لكنها لم تكن ترى الدرس. كانت ترى أفكارًا تتحرك في رأسها بلا ترتيب، كأنها ضجيج لا يُغلق.
في حصة الرياضة، كان كل شيء أكثر وضوحًا مما يجب.
الجري، الحركة، المقارنات غير المعلنة…
كانت تحاول أن تبقى في الخلف، في منطقة “لا أزعج أحدًا ولا يزعجني أحد”، لكن الحياة لا تحب المناطق الآمنة.
سمعت ضحكة خفيفة خلفها، ثم جملة قصيرة لم تكن تحتاج تفسيرًا كثيرًا.
لم تكن الجملة طويلة، لكنها سقطت داخلها كحجر في ماءٍ ساكن.
لم ترد.
لم تتكلم.
فقط أكملت الطريق حتى نهاية الحصة، وكأنها تمشي داخل نفسها لا داخل الملعب.
عند انتهاء اليوم، خرجت نِيرَا من الثانوية وحدها.
الشارع كان مزدحمًا، لكنه كان يشعرها بوحدة أعمق من الهدوء.
مشَت دون وجهة واضحة، فقط تريد أن تهرب من شيء لا تستطيع تسميته.
حتى الهواء كان يبدو أثقل من المعتاد.
توقفت أمام واجهة زجاجية لأحد المحلات.
لم تكن تنوي النظر، لكنها فعلت.
في الزجاج، رأت صورتها…
لم تكن مختلفة عن الحقيقة، لكنها بدت لها غريبة، كأنها لا تعرف هذه الفتاة جيدًا.
وقفت لحظة طويلة.
الناس يمرّون خلفها، الحياة تكمل طريقها، وهي ثابتة أمام انعكاسها.
ثم جاء السؤال، هادئًا لكنه حادّ:
“هل أنا كما يرونني… أم أنني لم أعرف نفسي بعد؟”
لم تجد جوابًا.
لكن هذه المرة، لم تبكِ أيضًا.
كان هناك شيء جديد يتكوّن ببطء داخلها… ليس قوة بعد، وليس ضعفًا… بل بداية فهمٍ مختلف.
أخذت نفسًا عميقًا، وأبعدت نظرها عن الزجاج، ثم تابعت طريقها بصمت.
وفي أعماقها، كان هناك شعور صغير جدًا…
ليس أملًا كاملًا بعد، لكنه يكفي ليقول إن القصة لم تنتهِ هنا.