عروش الرماد - طعنة من نفس الدم 4 - بقلم دينا الخليفي | روايتك

اسم الرواية: عروش الرماد
المؤلف / الكاتب: دينا الخليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: طعنة من نفس الدم 4

طعنة من نفس الدم 4

"قل ما بها أختك." صمت. صمت أدريان صمتاً كاملاً هذه المرة. لم تتحرك شفتاه. لم يتحرك شيء فيه. "هِيْ!" وضرب زالكار يده على ذراع العرش ضربة واحدة أصدت في القاعة كما يُصدّ الطبل في ساحة الحرب، والصدى ارتدّ من الجدران الحجرية ولم يهدأ بسرعة. "تكلّم!" أدريان ارتجف. وفتح فمه. وحاول مرة أخرى كمن يتسلّق جداراً ملساً بأصابع مكسورة. "أختي ليانا يا سيدي… هي… هي…" ولم يكمل. قام زالكار من عرشه ببطء شديد، بطء من لا يستعجل لأنه يعرف أن ما سيأتي لن يهرب. وحين قام كان كأن شيئاً ضخماً أكبر من جسده انتصب في تلك القاعة، كأن السقف نفسه انخفض خطوة حين وقف. يده امتدت نحو السيف المعلّق على جانب العرش وأمسكه، وسحبه من غمده بحركة واحدة سلسة هادئة، كحركة من فعل هذا آلاف المرات حتى صار جزءاً من تنفسه. خطوة. خطوتان. وقف فوق أدريان الذي كان ينظر إليه الآن، لا لأنه أراد، بل لأن الخوف أجبر عينيه على الرفع حين اقترب الخطر. ثم جاءت الضربة. ليس طعناً. بل ضربة بعرض السيف على جانبه، حادة وسريعة ومحسوبة بدقة، بدقة من يعرف تماماً كيف يُسقط رجلاً دون أن يقتله. أسقطته على الأرض الحجرية الباردة كما تسقط الدمى حين تُترك، بصوت طرشة مكتومة امتصّتها الجدران. وانحنى زالكار فوقه. ببطء. والسيف في يده قريب من وجهه، قريب بما يكفي ليرى أدريان في شفرته انعكاس وجهه الشاحب المرتجف. "إذا لم تتكلم الآن…" قالها بصوت منخفض هادئ، أشد إرعاباً من أي صراخ في العالم. "فستخرج من هنا بدون رأس." توقف. وتركه يستوعب الكلمات. "هل فهمت؟" أدريان كان على الأرض. لم يقم. لم يجرؤ. بقي على ركبتيه والأرض الحجرية الباردة تمتص دفء جسده، ورأسه ينحني ببطء، حركة واحدة ضعيفة مكسورة، ليس من أدب بل من استسلام رجل يعرف أنه لم يعد يملك خياراً في هذه القاعة ولا خارجها. وبلع ريقه. صوت واحد مكتوم في حلقه، لكنه ملأ الصمت كما يملأ حجر صغير بئراً هادئة. ثم فتح فمه. "سيدي…" قالها بصوت متشقق كصوت من لم يشرب منذ أيام. "أختي… ليانا…" توقف. أخذ نفساً لم يكن كاملاً. وتابع كمن يقفز من شاهق ويعرف أنه قفز. "أخبرتني… أنها شربت… من دمعة ساحرة ميرفالين." الصمت الذي جاء بعد هذه الجملة لم يكن كالصمت الذي قبلها. كان أثقل. وأشد وطأة. وفيه شيء ينكسر لا يُرى. زالكار لم يتحرك للحظات عدة. وقف فوق أدريان والسيف في يده، لكن شيئاً ما تجمّد في ملامحه تجمّداً مختلفاً عن برودته المعتادة. هذه لم تكن برودة السلطة. هذه كانت صدمة تحاول أن تخفي نفسها خلف غضب يتصاعد كالبركان الذي يجمع حممه قبل أن يثور. "كيف؟" قالها بصوت منخفض. ثم رفعه قليلاً. "كيف؟" ثم أطلقه كاملاً، بنبرة ملأت القاعة من أعلى قبة إلى أسفل حجر. "كيف لخادمة وثقنا بها… وثقنا بها… أن تأخذ شيئاً من ممتلكاتي؟" يده التي تمسك السيف شُدّت حتى ابيضّت مفاصله. "سأقتلك. وسأقتلها. وسأقتل كل من كان يعلم ويصمت في هذا القصر." "لا!" صرخها أدريان بصوت لم يكن يعرف أن بداخله مثله، صرخة رجل على حافة النهاية يمسك آخر خيط يملكه بكلتا يديه المرتجفتين. "لا سيدي لا… أسمع… أسمع مني أرجوك…" لكن زالكار أدار وجهه نحو الحراس بعيون تحترق. "أمسكوه." انقضّ الحارسان على أدريان وأمسكاه من كتفيه ورفعاه عن الأرض، قبضتاهما تغوصان في لحمه كالكماشة. ورفع زالكار السيف. حركة واحدة سلسة ارتفع فيها الفولاذ نحو الأعلى، والضوء الخافت في القاعة انعكس على شفرته انعكاساً أخيراً.