الريان - يكمل.... - بقلم mouni | روايتك

اسم الرواية: الريان
المؤلف / الكاتب: mouni
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: يكمل....

يكمل....

مرّت ثلاث سنوات منذ تلك الليلة، ثلاث سنوات كاملة دون أن يعود، دون أن يظهر، دون حتى علامة واحدة تثبت أن ما حدث لم يكن مجرد وهم عابر، لكن حور لم تستطع أن تنساه، لم يكن الأمر ذكرى عادية يمكن أن تتلاشى مع الوقت، بل كان كشيء عالق داخلها، يرفض أن يهدأ أو يختفي، حاولت في البداية أن تعيش كما كانت، أن تعود إلى حياتها البسيطة، إلى الأيام التي تمر دون ثقل، إلى الأحاديث العادية والوجوه المألوفة، لكن كل شيء بدا فارغًا بطريقة لم تفهمها، وكأن جزءًا منها تُرك هناك، في تلك اللحظة، في تلك الغرفة، بين وعيها وغموضه. لم تهرب من ذلك الإحساس، بل تبعته، عادت إلى الغابة مرة بعد مرة، لم تعد تدخلها بخوف كما في المرة الأولى، بل بخطوات ثابتة، كأنها تبحث عن شيء تعرف أنه لن يظهر بسهولة، كانت تمشي لساعات بين الأشجار، تراقب الصمت، تنصت لأي تغيير، لأي حركة غير مألوفة، لكن الغابة بقيت كما هي، هادئة، غامضة، وكأنها تخفي سرها عنها عمدًا، ومع ذلك لم تتوقف، لم تعد مجرد فتاة فضولية، بل أصبحت تبحث بوعي، تسأل، تدقق، تلاحق أي خيط قد يقودها إلى تفسير. تحدثت مع كبار السن، استمعت إلى قصص قديمة عن أشياء لا تُرى، عن ظلال تعيش بين العالمين، عن ملوك لم يعد أحد يجرؤ على ذكرهم، بعضهم سخر منها، بعضهم حاول تخويفها، والبعض الآخر التزم الصمت، ذلك الصمت الذي كان أثقل من أي جواب، لكنها لم تعد تخشاه، بل بدأت تفهمه، تفهم أن هناك أشياء لا تُقال… فقط تُعرف. لم تكتفِ بالغابة، خرجت أبعد، زارت أماكن لم تكن تتخيل أنها ستصل إليها، قرى بعيدة، طرق مهجورة، أطلال تحمل آثار زمن منسي، كانت تمشي كثيرًا، تتعب كثيرًا، لكنها لم تتراجع، ومع كل خطوة كانت تتغير، لم تعد تلك الفتاة التي دخلت الغابة بدافع الفضول، أصبحت أهدأ، أكثر وعيًا، أقوى بطريقة لا تُرى، تعلمت كيف تلاحظ التفاصيل الصغيرة، كيف تفرق بين الصدفة والإشارة، وكيف تثق بإحساسها حتى عندما يعجز عقلها عن التفسير. ومع كل هذا، بقي شيء واحد كما هو، لم يتغير، لم يضعف، بل ازداد وضوحًا، ذلك السؤال الذي يلاحقها في كل مكان، من هو؟ ولماذا اختارها؟ ولماذا قال تلك الكلمة تحديدًا… “يا ملكتي”؟ في بعض الليالي، عندما يعود كل شيء إلى سكونه، كانت تجلس قرب نافذتها، تحدق في الظلام وكأنها تنتظر أن يخرج منه، ترفع يدها ببطء وتلمس شفتيها دون وعي، ليس لأنها تتذكر القبلة بحد ذاتها، بل لأنها تتذكر الإحساس الذي تركه، ذلك الدفء الغريب، ذلك الحضور الذي لم يتكرر، ولم تستطع أن تنساه، ولم ترغب في أن تنساه. مرت السنوات، وتغيّرت حور، لم تعد تبحث بدافع الحيرة فقط، بل بدافع يقين خفي لا تعرف مصدره، يقين يقول لها إن ما حدث لم يكن نهاية، وإن ذلك الغياب الطويل… ليس إلا انتظارًا لشيء أكبر لم يأتِ بعد.