طعنة من نفس الدم 3
أدريان كان على الأرض.
لم يقم. لم يجرؤ. بقي على ركبتيه والأرض الحجرية الباردة تمتص دفء جسده، ورأسه ينحني ببطء، حركة واحدة ضعيفة مكسورة، ليس من أدب بل من استسلام رجل يعرف أنه لم يعد يملك خياراً في هذه القاعة ولا خارجها.
وبلع ريقه.
صوت واحد مكتوم في حلقه، لكنه ملأ الصمت كما يملأ حجر صغير بئراً هادئة.
ثم فتح فمه.
"سيدي…"
قالها بصوت متشقق كصوت من لم يشرب منذ أيام.
"أختي… ليانا…"
توقف. أخذ نفساً لم يكن كاملاً. وتابع كمن يقفز من شاهق ويعرف أنه قفز.
"أخبرتني… أنها شربت… من دمعة ساحرة ميرفالين."
الصمت الذي جاء بعد هذه الجملة لم يكن كالصمت الذي قبلها.
كان أثقل. وأشد وطأة. وفيه شيء ينكسر لا يُرى.
زالكار لم يتحرك للحظات عدة. وقف فوق أدريان والسيف في يده، لكن شيئاً ما تجمّد في ملامحه تجمّداً مختلفاً عن برودته المعتادة. هذه لم تكن برودة السلطة. هذه كانت صدمة تحاول أن تخفي نفسها خلف غضب يتصاعد كالبركان الذي يجمع حممه قبل أن يثور.
"كيف؟"
قالها بصوت منخفض.
ثم رفعه قليلاً.
"كيف؟"
ثم أطلقه كاملاً، بنبرة ملأت القاعة من أعلى قبة إلى أسفل حجر.
"كيف لخادمة وثقنا بها… وثقنا بها… أن تأخذ شيئاً من ممتلكاتي؟"
يده التي تمسك السيف شُدّت حتى ابيضّت مفاصله.
"سأقتلك. وسأقتلها. وسأقتل كل من كان يعلم ويصمت في هذا القصر."
"لا!"
صرخها أدريان بصوت لم يكن يعرف أن بداخله مثله، صرخة رجل على حافة النهاية يمسك آخر خيط يملكه بكلتا يديه المرتجفتين.
"لا سيدي لا… أسمع… أسمع مني أرجوك…"
لكن زالكار أدار وجهه نحو الحراس بعيون تحترق.
"أمسكوه."
انقضّ الحارسان على أدريان وأمسكاه من كتفيه ورفعاه عن الأرض، قبضتاهما تغوصان في لحمه كالكماشة. ورفع زالكار السيف. حركة واحدة سلسة ارتفع فيها الفولاذ نحو الأعلى، والضوء الخافت في القاعة انعكس على شفرته انعكاساً أخيراً.
"مولاي." ساحر أكبر زالمير.
صوت واحد. هادئ. مدروس. قاطع كالشفرة نفسها.
زالكار لم يلتفت. لكن يده توقفت.
شيء في صوت زالمير يوقف الأيدي دائماً.
"السيف لن يهرب." قال الساحر. "لكن الحقيقة... قد تهرب."
زالكار أدار رأسه نحوه ببطء. في عينيه سؤال لم يخرج بعد.
زالمير لم يتحرك من مكانه. وقف كما يقف الجبل، لا لأنه لا يستطيع أن يتحرك، بل لأنه لا يحتاج.
"مضت عليّ أقمار لا تُعدّ في خدمة هذا العرش." قال، بصوت لا يرتفع ولا ينخفض، صوت من اعتاد أن تُسمع كلماته في المرة الأولى. "ورأيت ملوكاً يقتلون من يجب أن يُسمعوا. ورأيت عروشاً تنهار بسبب سرٍّ واحد مات مع صاحبه."
توقف.
"من يموت وهو يحمل سراً... يأخذه إلى حيث لا تصل سيوفنا ولا سحرنا."
صمت ثقيل جثم على القاعة.
زالكار نظر إليه طويلاً. طويلاً جداً. كأنه يزن كل كلمة وضعها الساحر أمامه.
ثم أدار وجهه نحو أدريان.
والسيف في يده انخفض. لا من رحمة. بل من شيء أشد خطورة من الرحمة.
ابتسم أدريان.
ابتسامة لم يخترها. ابتسامة الخوف حين يرى فجأة باباً لم يكن يعلم بوجوده. ارتفعت زوايا فمه في حركة لا إرادية بينما رأسه يتحرك من تلقاء نفسه، أعلى وأسفل، أعلى وأسفل، كرجل ينجو من الغرق ويرى الشاطئ لأول مرة.
"نعم… نعم… هو على حق… لدي… لدي…"
نظر إليه زالكار.
نظرة واحدة طويلة صارمة كأنه يقيس شيئاً لا تراه العيون.
ثم أنزل السيف ببطء. لم يضعه. أبقاه في يده. لكنه أنزله.
وتكلّم.
"هِيْ."
قالها بنبرة فيها من الثقل ما يجعل كلمة واحدة تساوي جملة كاملة.