طعنة من نفس دم 2
قاعة العرش ابتلعت الصمت كما تبتلع المقابر أصوات الحياة.
زالكار لم يتحرك، لكن شيئاً ما تبدّل في الهواء الراكد، كأن الجماجم المصطفة حول العرش أمسكت أنفاساً لم تعد تملكها منذ زمن بعيد. القاعة كلها أحسّت بما لم يُقَل بعد، وهذا وحده كان كافياً لتجميد كل من فيها في مكانه.
رفع إصبعاً واحداً. لم يرفع صوته. لم يحتج إلى ذلك قط.
"أدخله."
كلمتان فقط، لكنهما سقطتا في الصمت كحجرين في بئر عميقة لا قاع لها، وصداهما امتد في الجدران الحجرية طويلاً.
الحارس انحنى وتراجع نحو الباب مشياً للخلف، لأن الأدب في هذا القصر يعني ألا تدير ظهرك للعرش حتى وأنت تهرب منه.
زالكار أعاد يده ببطء إلى ذراع العرش، أصابعه تمسّ النحت القديم المصنوع من عظم لا يعرف أحد من أي ميت جاء. كان يلمسه كما يلمس الجزّار سكينه قبل العمل، لا من شوق، بل من عادة لا تحتاج إلى تفكير.
التفت نحو ميرفال ببطء من يملك الوقت كله.
"أخو ليانا…"
قالها كأنه يتذوّق طعم الكلمات قبل أن يقرر ماذا يفعل بها.
"يأتي إلى قصري بقدمين اثنتين، ويدّعي أنه يعرف مكان الطفل."
صمت. ثم نظر نحو الجمجمة الأقرب إليه على يمين العرش كأنه يستشيرها في أمر قديم.
"رجل خرج من نفس الدم الذي أجّج كل هذا الخراب…"
ثم أعاد عينيه نحو الباب المفتوح، وفيهما لا دهشة ولا فضول، بل شيء أكثر برودة من الاثنين. شيء يشبه الصبر الذي لا يعرف الرحمة لأنه لا يحتاج إليها أصلاً.
"إما أن هذا الرجل يحمل شيئاً حقيقياً يستحق أن أسمعه…"
توقف، وزاوية فمه تحركت بما لا يشبه الابتسامة ولا يشبه الازدراء، بل يقع في المكان الرهيب بينهما.
"وإما أنه اختار أغبى طريقة ممكنة ليموت."
ميرفال لم يردّ. كان يعرف أن هذه اللحظات لا تحتاج إلى كلام، بل إلى شهود صامتين يحفظون ما يجري ولا يعلّقون عليه.
زالكار استند إلى ظهر العرش، وفي حركته شيء يشبه استعداد الثعبان، لا للهجوم، بل لمجرد الانتظار. لأن الثعبان يعرف أن الفريسة ستأتي إليه في النهاية مهما طال الوقت.
"كنت سأسحقه كما تُسحق كل الحشرات التي تقترب من هذا العرش بلا دعوة ولا دم يبرر وجودها."
قالها بنبرة من يتذكر قراراً قديماً وبسيطاً، ثم اكتشف أن الأمور تعقّدت.
"لكن حشرة تعرف مكان ما أبحث عنه…"
لم يكمل. لأن ما تبقّى من الجملة كان أثقل من أي كلام.
القاعة بقيت صامتة. الحراس لم يتنفسوا بعمق. ميرفال حبس شيئاً في صدره لم يجرؤ على إخراجه.
والباب بقي مفتوحاً على العتمة في الخارج.
ينتظر أدريان.
الباب فُتح.
لكنه لم يُفتح كما تُفتح الأبواب للضيوف أو للرجال الذين يحملون كرامتهم معهم. فُتح بعنف هادئ، كما تُفتح الأقفاص حين يريد أحدهم أن يُري الحاضرين ما بداخلها لا أن يُحرر ما فيها.
ودخل أدريان.
أو بالأصح، جُرَّ.
الحارسان أمسكاه من ذراعيه بقبضتين لا تعرفان الرفق ولا تسألان عنه. كانا يحملانه أكثر مما يسيران به، كما يُمسك الجزّار خروفه قبل أن تلمسه السكين، بلا اعتبار لما يحس ولا اكتراث لما يفكر. قدماه كانتا تخطّان الأرض الحجرية السوداء البرّاقة بصوت احتكاك خافت، كأن الأرض نفسها تشرب صوته وتبتلعه قبل أن يصل إلى آذان أحد.
القاعة كانت واسعة بما يكفي لأن يشعر فيها أي رجل بأنه ذرة في فضاء لا نهاية له. الأعمدة الحجرية الضخمة كانت تصطف على الجانبين كشهود صامتين منذ آلاف السنين، تعلوها تماثيل محفورة لوجوه لا أحد يعرف لمن كانت، لكنها جميعها تنظر نحو الأسفل، نحو كل من يمشي تحتها كأنها تُذكّره بحجمه الحقيقي.
والضوء. الضوء الذي يدخل من الشقوق العالية في الجدران كان يصل إلى منتصف القاعة ثم يموت، يتوقف، كأن العتمة حول العرش اتفقت معه ألا يتجاوز حدوداً معينة. وفي تلك العتمة، على عرش منحوت من حجر أسود لا يعكس أي ضوء، كان زالكار جالساً.
لم يتحرك حين دخل أدريان.
لم يرفع رأسه. لم يغير وضعية جلسته. كان ينظر إليه منذ اللحظة التي فُتح فيها الباب، بعينين هادئتين كهدوء البحر قبل العاصفة بلحظات، هدوء لا يطمئنك بل يُقلقك لأنك لا تعرف ماذا يخبئ تحته.
حين وصل الحارسان به إلى المسافة المحددة، توقفا. وأطلقاه.
وبقي أدريان واقفاً، أو ما يشبه الوقوف. كانت ركبتاه تريدان الانهيار لكن الخوف نفسه كان يُمسكه، ذلك الخوف الذي يُجمّد الجسد ويشلّه في آنٍ واحد. عيناه كانتا في الأرض، لا من أدب، بل لأن رفعهما نحو العرش كان سيكلفه شيئاً لا يستطيع دفعه الآن.
الصمت امتد.
وزالكار تركه يمتد، لأنه يعرف أن الصمت في هذه القاعة سلاح مثله مثل السيف، بل أحياناً أشد مضاءً.
ثم تحركت شفتاه.
ببطء. بلا استعجال. كمن يفتح باباً يعرف أن ما وراءه لن يهرب.
"أهلاً…"
توقف. كأنه يتذوق الكلمة.
"أهلاً."
كررها. وفي التكرار شيء أشد إيجاعاً من الإهانة الصريحة.
"بالحشرة… في وسط قصري الكبير."
أطال النظر إليه من رأسه إلى قدميه، بعيني من يفحص سلعة رخيصة وجدها على قارعة الطريق، لا دهشة فيهما ولا فضول حقيقي، بل ذلك الاحتقار الهادئ الذي لا يحتاج إلى كلام ليُعلن نفسه.
"سمعت…"
قالها وهو ينحني قليلاً إلى الأمام على العرش، وكأن ثقل كل السلطة التي يجلس عليها تحرّك معه.
"أن لديك ما يسعدني."
صمت لحظة. ثم قالها بنبرة تختلف عن كل ما سبقها، أثقل، وأبطأ، وفيها شيء يشبه الجوع لكنه أبرد من الجوع بكثير، كجوع تعلّم أن يصبر لأنه يعرف أنه سيأكل في النهاية.
"طفل نوراني."
"هل هذا صحيح؟"
أدريان لم يتكلم.
شفتاه تحركتا، لكن ما خرج لم يكن كلاماً. كان تمتمة مكسورة لا تُسمع، كصوت رجل يحاول أن يتذكر كيف تعمل رئتاه، كيف تتشكل الكلمات، كيف يُقال شيء في مكان ابتلع كل شيء بداخله.
عيناه ما زالتا في الأرض.
وزالكار نظر إليه لحظة طويلة بهدوء من لا يتفاجأ بشيء لأنه رأى كل شيء من قبل. ثم ارتفع صوته فجأة، لا صراخاً مجنوناً، بل بنبرة تملأ القاعة من أول حجر إلى آخره كما يملأ الرعد السماء حين يقرر أن يتكلم.
"هِيْ! تكلّم!"
ارتجف أدريان ارتجاجاً واضحاً.
"أم تريد أن أسحقك وأقطع رأسك؟"
ثم أسند ظهره إلى العرش ببطء، ونظر حوله نحو الحراس والمستشارين الواقفين على الجانبين، وعلى شفتيه ابتسامة باردة كشفرة سكين في يوم شتاء.
"عيد التطهير قريب…"
وضحك. ضحكة قصيرة جافة لا دفء فيها.
"هههه."
وضحك معه كل من في القاعة في ثانية واحدة، ضحكة متشابهة مصطنعة كضحكة من يعرف أن الضحك هنا ليس اختياراً بل واجباً، وأن من لا يضحك حين يضحك الملك قد يكون التالي على الأرض.
أدريان حاول. حاول أن يجمع ما تناثر منه، أن يلمّ الكلمات التي تفرّقت في حلقه.
"مولاي… أختي ليانا… أممم…"
وسكت.
كأن الجملة رفضت أن تكتمل.
نظر إليه زالكار، والضحكة اختفت من وجهه كأن يداً غير مرئية محتها في لحظة واحدة. وعاد ذلك الهدوء الأثقل من أي صوت.
"هي؟"
قالها بنبرة فيها فضول مصطنع، كفضول من يعرف الإجابة لكنه يريد أن يسمعها تُقال.
"قل ما بها أختك."
صمت.
صمت أدريان صمتاً كاملاً هذه المرة. لم تتحرك شفتاه. لم يتحرك شيء فيه.
"هِيْ!"
وضرب زالكار يده على ذراع العرش ضربة واحدة أصدت في القاعة كما يُصدّ الطبل في ساحة الحرب، والصدى ارتدّ من الجدران الحجرية ولم يهدأ بسرعة.
"تكلّم!"
أدريان ارتجف. وفتح فمه. وحاول مرة أخرى كمن يتسلّق جداراً ملساً بأصابع مكسورة.
"أختي ليانا يا سيدي… هي… هي…"
ولم يكمل.
قام زالكار.
قام من عرشه ببطء شديد، بطء من لا يستعجل لأنه يعرف أن ما سيأتي لن يهرب. وحين قام كان كأن شيئاً ضخماً أكبر من جسده انتصب في تلك القاعة، كأن السقف نفسه انخفض خطوة حين وقف. يده امتدت نحو السيف المعلّق على جانب العرش وأمسكته، وسحبه من غمده بحركة واحدة سلسة هادئة، كحركة من فعل هذا آلاف المرات حتى صار جزءاً من تنفسه.
خطوة. خطوتان.
وقف فوق أدريان الذي كان ينظر إليه الآن، لا لأنه أراد، بل لأن الخوف أجبر عينيه على الرفع حين اقترب الخطر.
ثم جاءت الضربة.
ليس طعناً. بل ضربة بعرض السيف على جانبه، حادة وسريعة ومحسوبة بدقة، بدقة من يعرف تماماً كيف يُسقط رجلاً دون أن يقتله. أسقطته على الأرض الحجرية الباردة كما تسقط الدمى حين تُترك، بصوت طرشة مكتومة امتصّتها الجدران.
وانحنى زالكار فوقه.
ببطء.
والسيف في يده قريب من وجهه، قريب بما يكفي ليرى أدريان في شفرته انعكاس وجهه الشاحب المرتجف.
"إذا لم تتكلم الآن…"
قالها بصوت منخفض هادئ، أشد إرعاباً من أي صراخ في العالم.
"فستخرج من هنا بدون رأس."
توقف. وتركه يستوعب الكلمات.
"هل فهمت؟"