الفصل 6 : التقيُد بقيد الحياة.
لم يتبقَّ سوى عشرين دقيقة على اكتمال القمر، كانت الجزيرة بأكملها غارقة في الفرح والضجيج الجميل؛ الأطفال يركضون بين الخيام، والنساء يضحكن وهن يحملن الفوانيس، والرجال يتبادلون الأحاديث بصوت مرتفع، بينما انعكس ضوء القمر على البحر فجعله يبدو وكأنه صفحة فضية واسعة تمتد بلا نهاية.
عادت ديانا وهي تحمل شيبي بين ذراعيها، ثم بدأت تبحث بعينيها بسرعة عن آنييه وليو وسط الزحام الكبير، لكن الأمر لم يكن سهلًا أبدًا، فالجميع كانوا يتجهون نحو جبل آروجيا. في كل عيد، يصعد أهل الجزيرة إلى هناك ليروا اكتمال القمر بوضوح، وليستخدموا حبل انزلاق آروجيا وسط الاحتفال، ولذلك كان المكان مزدحمًا للغاية، كانت ديانا تتقدم بصعوبة بين الناس وهي تضم شيبي إليها بكلتا يديها حتى لا يضيع، بينما أخذت تتلفت حولها بقلق خفيف. وكانت تعرف جيدًا أن آنييه متحمسة جدًا لهذه الليلة، لذا فمن المحتمل أنها سبقتها إلى القمة بالفعل، وبعد جهد طويل وصلت أخيرًا، ثم بدأت تبحث عنهما مرة أخرى بين التجمعات الكثيرة. دارت بعينيها في كل اتجاه، ثم تنهدت بيأس داخلها وقالت:
«لم يبقَ سوى مكان واحد... بالتأكيد هما عند حبل آروجيا.»
أسرعت فورًا نحو الحبل، وبالفعل وجدتهما هناك، وما إن رأت آنييه حتى اندفعت نحوها مباشرة وضربتها بخفة على كتفها وهي تقول بانزعاج طفولي واضح:
«أنا أبحث عنكما منذ وقت طويل! لماذا ذهبتم وتركتُموني وحدي؟!»
نظرت إليها آنييه بنظرة مستفزة وهي تضحك، ثم قالت بثقة:
«أنتِ من تأخرتِ، ليس ذنبنا.»
وقال ليو وهو يضحك مؤيدًا كلامها:
«أجل، أتفق معها.»
ضيقت ديانا عينيها بغضب مصطنع، ثم بدأت تضربهما بخفة وهي تضحك، بينما شيبي يدور حولهم بحماس وكأنه يشاركهم الشجار المرح، وبعد لحظات قليلة، صعد أحد رجال القرية إلى مكان مرتفع وصرخ بأعلى صوته:
«بقيت دقيقة واحدة على اكتمال القمر!»
وفورًا، بدأ الجميع يعدّون العد التنازلي معًا؛ رجالًا ونساءً وأطفالًا، حتى إن الأصوات اختلطت ببعضها وسط الحماس الكبير، أمسكت ديانا بيد آنييه من جهة، وبيد ليو من الجهة الأخرى، ثم بدأ الثلاثة يعدّون معهم ببراءة وفرح واضح، بينما كان شيبي يقفز حولهم بجنون من شدة الحماس، وحين انتهى العد أخيرًا، انفجرت أصوات الجزيرة كلها بالصراخ والاحتفال:
«عيد اكتمال قمر سعيد!»
وفي اللحظة نفسها، بدأت ديانا وآنييه وليو يدورون حول بعضهم بفرح شديد، يضحكون بلا توقف، بينما كان شيبي يقفز معهم بسعادة وكأنه يفهم تمامًا أهمية هذه الليلة، وكانوا من أوائل من استخدم حبل انزلاق آروجيا. انزلقت ديانا مع والدها، بينما انزلقت آنييه مع أمها، وليو مع والدته، أما شيبي فكان مع ديانا بالطبع، متشبثًا بها طوال الطريق، كان الهواء البارد يصفع وجوههم بقوة وهم ينطلقون بسرعة فوق الجزيرة، بينما الأضواء والفوانيس تتلألأ أسفلهم بطريقة ساحرة، والضحكات تملأ المكان كله، وحين انتهوا، عادوا مباشرة ليكرروا الأمر مرة أخرى... ثم مرة أخرى... ثم مرة أخرى، أكثر من ست مرات لكل واحد منهم، كانوا يركضون في كل مرة نحو الحبل وكأن طاقتهم لا تنتهي أبدًا، ووجوههم ممتلئة بالحماس والفرح. وفي طريقهم إلى الانزلاق للمرة السابعة، رفعت آنييه يدها فجأة وقالت بحماس شديد:
«ما رأيكم أن نسمّي فريقنا، فريق المغامرين الرائعين؟»
صرخ ديانا وليو فورًا دون تردد:
«موافقان!»
أما شيبي فقفز بقوة حولهم وكأنه يوافق هو أيضًا على الاسم، ومع مرور الوقت، جاء موعد العشاء، فتجمع أهل القرية جميعًا فوق الجبل، وأكلوا معًا وسط الأحاديث والضحكات وأضواء النيران الدافئة.وبعدما انتهى الاحتفال، ومع اقتراب الساعة الثالثة فجرًا، بدأ أهل الجزيرة بالنزول تدريجيًا من الجبل، وكل واحد منهم يودع الآخر بابتسامة وإرهاق سعيد، ثم عاد الجميع إلى خيامهم أخيرًا.
دخلت ديانا وآنييه وليو ومعهم شيبي إلى الخيمة، وكان التعب واضحًا عليهم جميعًا بعد ليلة طويلة مليئة بالركض والضحك، جلست الأم قربهم، ثم بدأت تحكي لهم قصة هادئة قبل النوم، بينما كانوا يستمعون إليها بنصف وعي من شدة النعاس، ومع صوت البحر الهادئ في الخارج، وضوء القمر المكتمل الذي كان يتسلل بخفة عبر فتحة الخيمة.. ناموا جميعًا.
في منتصف الليل، استيقظت ديانا عند الساعة السادسة مساءً، بينما كان الجميع غارقين في نومٍ عميق بعد يوم طويل ومتعب، لكنه كان جميلًا ومليئًا بالأحداث. كان هدوء الليل يحيط بالمخيم كله، حتى إن صوت أمواج البحر البعيدة بدا أوضح من المعتاد، نهضت بهدوء شديد وخرجت من الخيمة بحذر، وما إن ابتعدت قليلًا حتى سمعت حركة خلفها. التفتت بسرعة، لتجد شيبي قد استيقظ معها، ابتسمت بخفة، ثم رفعت إصبعها أمام شفتيها وهمست:
«ششش، لا تجعل البقية يستيقظون.»
أومأ شيبي برأسه وكأنه فهمها تمامًا، ثم تبعها بخطوات هادئة، لكنه أخذ ينطحها بين الحين والآخر بخفة، وكأنه يحاول منعها من الذهاب وحدها في هذا الوقت المتأخر. أما ديانا، فكانت شديدة الانشغال بالفكرة التي تدور في رأسها، ولم تتوقف، اتجهت نحو الساحل، وأخذت تمشي بمحاذاة البحر، بينما النسيم البارد يحرك شعرها برفق، وضوء القمر ينعكس فوق المياه الهادئة بطريقة ساحرة. وفي داخلها كانت تقول لنفسها محاولة طمأنة قلبها:
«فقط قليلًا… لن يراني أحد، الجميع نائم.»
واصلت السير حتى وصلت إلى المكان الذي أخذها إليه والدها سابقًا، حيث كانت زهرة فينتامن مخبأة هناك. انحنت تتحسس مكان المقبض بصعوبة، حتى وجدته أخيرًا، ثم بدأت تفتحه بكل قوتها رغم ثقله، لأنها أرادت رؤية الزهرة بشدة، ما إن دخلت إلى الداخل حتى وقفت مبهورة، كانت زهرة فينتامن تتوهج بلون سماوي ناعم، يملأ المكان بإضاءة هادئة تشبه الحلم. انعكس نورها على عيني ديانا فبدتا لامعتين من شدة الانبهار، واضطرت أن تكتم فرحتها حتى لا تصرخ من الحماس، اقتربت منها كثيرًا، ثم همست لها وكأنها تخاطب شخصًا حيًّا:
«أتريدين رؤية القمر المكتمل قليلًا؟ أعتقد أنكِ مدفونة هنا منذ وقت طويل، وتحتاجين أن تريه.»
في الخلف، أصدر شيبي صوتًا متوترًا، وكأنه يحذرها مما ستفعله، لكنه لم يستطع إيقافها. حملت الزهرة بحذر شديد، ثم رفعتها نحو ضوء القمر، وفجأة ازداد توهجها بشكل واضح، أصبحت أوراقها أكثر لمعانًا، وتحول لونها السماوي إلى ضوء أكثر صفاءً، حتى بدت وكأنها مصباح حقيقي يشع وسط الظلام، اتسعت عينا ديانا بسعادة حقيقية، ثم تمتمت بدهشة:
«لم يخبرني أبي أن الزهرة تتوهج عندما أضعها تحت ضوء القمر…»
لكن فرحتها لم تدم طويلًا، فجأة سمعت صوت خطوات خلفها، تجمد جسدها من الخوف، واستدارت بسرعة، لتجد آنييه واقفة خلفها مباشرة، ارتبكت ديانا بسرعة، وأخفت الزهرة وراء ظهرها، بينما صوتها خرج متوترًا ومتقطعًا:
«آنييه، ماذا تفعلين هنا؟!»
ابتسمت آنييه ابتسامة خبيثة لطيفة، ثم أجابت:
«وأنا أيضًا أسألك السؤال نفسه.»
رفعت ديانا حاجبها بانزعاج خفيف:
«لا تقولي إنك كنتِ تتبعينني؟!»
ضحكت آنييه بخفة، ثم اقتربت منها أكثر:
«بلى، رأيتك تخرجين وحدك، ومنذ أن قلتِ إنك ذاهبة مع شيبي إلى البحر وأنا أشك بك.»
توترت ديانا أكثر:
«تشكين في ماذا؟»
اقتربت آنييه بحماس واضح، وعيناها تلمعان فضولًا:
«ماذا تخفين خلف ظهرك؟ هيا دعيني أرى!»
تحركت ديانا بسرعة حتى تمنعها من الرؤية:
«لا شيء، لم آخذ شيئًا!»
لكن آنييه بدأت تدور حولها بسرعة وهي تحاول النظر خلفها:
«شيء يلمع؟ ويتوهج أيضًا؟ ما هذا؟»
ارتفع خوف ديانا فورًا:
«ها؟ لا يوجد شيء! أنتِ تتخيلين فقط!»
لكن آنييه باغتتها فجأة بحركة سريعة، وانتزعت ما كانت تخفيه، الزهرة! ارتجفت ديانا فورًا ومدت يديها نحوها:
«أعيديها بسرعة!»
أما آنييه، فاتسعت عيناها بانبهار شديد وهي تتأمل الضوء المتوهج:
«هذه… زهرة؟! وتتوهج أيضًا؟! كيف هذا؟! أحببتها كثيرًا! من أين حصلتِ عليها؟ لم أرَ شيئًا كهذا في حياتي!»
اقتربت ديانا منها بخوف واضح على الزهرة:
«خذي حذرك ولا تؤذيها! إنها مهمة جدًا، وإذا ذبلت أو ماتت… سنموت!»
نظرت آنييه إليها باستغراب شديد:
«إنها جميلة، لكن ما علاقة هذا بموتنا؟! هل تعرفينها؟»
أجابت ديانا بسرعة وقلق:
«نعم، أبي أخبرني عنها، والآن أعيديها لو سمحتِ!»
لكن آنييه لم تبدُ مهتمة بالخطر بقدر اهتمامها بالحماس الذي ملأها.،اقتربت من ديانا بسرعة وسحبتها من يدها نحو الساحل وهي تضحك:
«المهم الآن، ما رأيك أن نذهب بجولة ليلية على متن قارب أبي؟ وستكون هذه الزهرة مصباحنا!»
اتسعت عينا ديانا بصدمة:
«لا! قلت لك إنها مهمة ويجب أن أعيدها إلى مكانها!»
لكن آنييه نظرت إليها ببراءة مصطنعة:
«أرجوكِ، لن أفعل لها شيئًا، سأكون حذرة على أوراقها!»
عقدت ديانا ذراعيها بصرامة:
«لا، بالطبع لا!»
لكن آنييه هربت راكضة نحو القوارب الموجودة خلف المكان، بينما لحقت بها ديانا بسرعة خوفًا على الزهرة، قفزت آنييه إلى داخل القارب، ووضعت الزهرة بجانبها، بينما دخلت ديانا خلفها فورًا وأخذت الزهرة بلطف بين يديها محاولة حمايتها، وفي لحظة واحدة… فكت آنييه الحبل الذي يربط القارب بالساحل... وبدأ القارب يبتعد، شحب وجه ديانا فورًا وصرخت بخوف:
«ماذا تفعلين؟! يجب أن نعود حالًا! سيقلق الجميع علينا!»
ضحكت آنييه بثقة وهي تمسك المجداف:
«أختك تجيد الإبحار، سنختصر الطريق ونعود إلى القرية بسرعة.»
تنهدت ديانا باستسلام، رغم القلق الذي بدأ يزحف إلى قلبها:
«حسنًا… سأثق بك.»
ابتسمت آنييه ابتسامة واسعة حتى بدت وكأنها تشق وجهها من شدة الفرح:
«نِعم من وثقتِ بها!»
فضحكت ديانا قليلًا دون أن تشعر، لأن رد فعل آنييه ذكرها بنفسها عندما رأت الزهرة لأول مرة، البحر كان هادئًا، والقمر مكتملًا بشكل جميل، بينما القارب يشق المياه ببطء وسط الليل الهادئ… والبداية فقط كانت لطيفة.
أبحر القارب بهدوء فوق سطح البحر، وكانت المياه تلمع تحت ضوء القمر وكأنها مغطاة بطبقة من الفضة السائلة. ظلت ديانا تضم زهرة فينتامن بين يديها بحذر شديد، بينما كانت آنييه تجدف بثقة وحماس، وكأن ما تفعله مجرد مغامرة مسلية لا أكثر، بعد فترة قصيرة، بدأ القارب يقترب من القرية، لكنه لم يصل تمامًا إلى الساحل، بل أخذ يبتعد قليلًا مع حركة المياه، تغيرت ملامح ديانا سريعًا، ونظرت حولها بقلق واضح:
«أأنتِ متأكدة أننا نستطيع الوصول إلى الساحل؟ أشعر أننا نبتعد أكثر.»
ضحكت آنييه ضحكة صغيرة فيها شيء من الإحراج، ثم حكت رأسها بخفة:
«أعتقد أننا ننجرف قليلًا فقط.»
توقفت ديانا عن الحركة، وحدقت فيها بصدمة:
«أنتِ تمزحين… صحيح؟»
أجابتها آنييه ببساطة شديدة، وكأن الأمر لا يستحق الخوف:
«لا، نحن نبتعد فعلًا.»
وضعت ديانا يدها على رأسها من شدة التوتر، بينما دارت آنييه حولها بحماس وهي تشير إلى الزهرة المتوهجة:
«لكن هذه الزهرة السحرية ستحمينا بالتأكيد، أليس كذلك؟»
تنهدت ديانا بانزعاج:
«لا تعمل بهذه الطريقة.»
ومع ذلك، لم تفقد آنييه حماسها أبدًا، بل جلست في مقدمة القارب وهي تبتسم للقمر:
«إذًا لنحكي القصص حتى يتوقف القارب! لدي الكثير من القصص لأخبرك بها! ولو كان ليو هنا لاكتمل فريق المغامرين الرائعين!»
ضحكت ديانا رغم خوفها:
«أنتِ لستِ خائفة حقًا؟»
رفعت آنييه عينيها نحو القمر المضيء، بينما الهواء البحري يحرك شعرها بلطف:
«قليلًا فقط… لكن ما فائدة الخوف يا أختي؟»
هزت ديانا رأسها باستسلام:
«أبي لا يتوقف عن تحذيرك بسبب تهورك، وأنتِ لا تتغيرين أبدًا.»
ضحكت آنييه بخفة:
«هذا طبعي، لا أستطيع تغييره.»
ثم أخذت الزهرة من بين يدي ديانا بحذر شديد، وبدأت تغني بصوت هادئ ولطيف، بينما القارب يواصل انجرافه فوق المياه تحت القمر المكتمل:
يا قاربُ سرْ بنا ليلًا على موجٍ هادئٍ حنون
أنا وأختي نغنّي والنجومُ حولَنا عيون
نضحكُ فوقَ الماءِ ونرسمُ فيهِ شكلَ الطريق
ونحكي قصصًا صغيرةً عن حلمٍ جميلٍ رفيق
جزيرتُنا تبدو قريبًا خلفَ ضوءٍ مستكن
وفيها غابةٌ لطيفةٌ فيها نشعرُ بالأمن
أقولُ لها قصّتي فتبتسمُ وتقولُ لي: تعالي
ونحكي سرًّا صغيرًا لا يعرفُهُ غيرُ خيالي
وفي يدِي زهرةٌ لامعةٌ أضمُّها بكلِّ حنان
أقولُ: ستحمينا دومًا وتُبقينا في أمان
نمشي سويًّا ونغنّي والقمرُ فوقَنا منير
وأختي بقربي دائمًا… فيهدأُ قلبي الصغير
انتهى صوتها أخيرًا، وبقيت الأمواج تتحرك بهدوء حولهما، بينما ابتسمت ديانا بعاطفة حقيقية وعانقت أختها:
«أنتِ أفضل أخت، حتى لو كنتِ متهورة.»
دفعتها آنييه بخفة وهي تضحك:
«بالطبع! أحيانًا أشعر أنني الصغيرة وأنتِ الكبرى!»
جلستا بعدها تضحكان وتحكيان القصص دون أن تنتبها إلى أن القارب كان يبتعد أكثر فأكثر عن المكان الذي تعرفانه، ومع مرور الوقت، أصبحت السماء أكثر ظلمة، والبحر أكثر اتساعًا، حتى التفتت ديانا فجأة بعد انتهاء إحدى قصص آنييه، واتسعت عيناها بصدمة:
«لحظة… أين شيبي؟!»
توقفت آنييه عن الكلام، ثم حكت رأسها بإحراج:
«أظن أنكِ نسيتِه عند الساحل…»
شحب وجه ديانا فورًا:
«ماذا لو واجه خطرًا؟! ماذا لو لم يعرف كيف يعود؟!»
حاولت آنييه تهدئتها بسرعة:
«لا تقلقي، شيبي ذكي، سيعود وحده بالتأكيد.»
لكن قبل أن تكمل كلامها، اهتز القارب فجأة بعنف بعدما اصطدم بشيء ضخم، شهقت ديانا بخوف، بينما قفزت آنييه بحماس شديد:
«وصلنا إلى الوجهة!»
نظرت إليها ديانا بعدم تصديق وضحكت رغم توترها:
«أنتِ أصلًا لم تكوني تعرفين إلى أين نحن ذاهبتان!»
قفزت آنييه من القارب فورًا، ولحقتها ديانا وهي لا تزال تحمل الزهرة بحذر شديد. بدأت الفتاتان بالسير داخل الجزيرة الجديدة، وكان المكان جميلًا بطريقة غريبة؛ الأشجار كثيفة، والأعشاب طويلة، وضوء القمر يتسلل بين الأغصان بطريقة جعلت الجزيرة تبدو ساحرة وغامضة في الوقت نفسه، استمرتا بالمشي لمسافات طويلة، تكتشفان المكان بحماس، حتى بدأت ديانا تشعر بالقلق أخيرًا، توقفت ونظرت حولها بتوتر:
«أشعر أننا ابتعدنا كثيرًا… يجب أن نعود.»
تباطأت خطوات آنييه قليلًا، ثم قالت بتردد:
«أتمنى أنكِ تتذكرين الطريق…»
وفي تلك اللحظة فقط، بدأ الخوف يتسلل إليهما فعلًا. تابعتا السير بسرعة أكبر، تحاولان العودة إلى القارب قبل أن يزداد الأمر سوءًا. كانت الأشجار حولهما كثيفة ومتشابكة، وأصوات الحشرات الليلية تملأ المكان بطريقة جعلت الجزيرة تبدو أكثر غرابة كلما تعمقتا فيها، فجأة، سقطت إحدى أوراق زهرة فينتامن على الأرض! اتسعت عينا ديانا فورًا، وصرخت بذعر وهي تشير إلى الورقة:
«كوني حذرة يا آنييه!»
التفتت آنييه بسرعة وقالت محاولة التخفيف عنها:
«حسنًا، حسنًا!»
لكن بعد لحظات قليلة فقط، تعثرت آنييه بجذر شجرة بارز، فاختل توازنها، وسقطت ورقتان إضافيتان من الزهرة! شهقت ديانا بغضب وخوف في الوقت نفسه، ثم اندفعت نحوها وأخذت الزهرة بسرعة بين يديها:
«انتبهي قليلًا!»
تنهدت آنييه بإحراج، بينما تابعتا السير وسط الظلام المتزايد، لكن فجأة… توقف كل شيء، وصل إليهما صوت غريب من خلفهما، صوت ثقيل ومخيف، كأن شيئًا ضخمًا يتحرك بين الأشجار! التفتتا ببطء، وكان هناك… دب كبير وكأنه بانتظارهن! تجمد الدم في عروق الفتاتين للحظة، قبل أن تصرخا معًا بأعلى صوتيهما، ثم اندفعتا تركضان بأقصى سرعة وسط الغابة.
«من أين ظهر هذاااااا؟!»
كانت خطواتهما المرتبكة ترتطم بالأرض بقوة، والأغصان الحادة تخدش أذرعهما ووجهيهما أثناء الهرب، بينما صوت الدب خلفهما يزداد قربًا ويرعبهما أكثر مع كل ثانية، كانت ديانا تركض وهي تضم الزهرة بقوة إلى صدرها، لكن خوفها وارتباكها جعلاها لا تنتبه إلى أوراق الزهرة التي بدأت تتساقط واحدة تلو الأخرى أثناء ركضها، وفجأة سقطت بقية الأوراق كلها على الأرض! اتسعت عينا ديانا بصدمة مرعبة، وتوقفت للحظة وكأن قلبها توقف معها. همّت بالعودة نحو الأوراق، لكن آنييه صرخت فيها بحدة غير معتادة:
«هل جننتِ؟! اركضي قبل أن يأكلك الدب!»
ارتجف جسد ديانا بالكامل، ثم عادت تركض وهي تكاد تبكي من شدة الخوف! استمرتا بالركض حتى وصلتا أخيرًا إلى شجرة ضخمة وكثيفة، فتسلقتاها بسرعة يائسة، بينما أنفاسهما متقطعة ومرهقة، مر الدب أسفل الشجرة لبعض الوقت، ثم ابتعد أخيرًا دون أن يلاحظ مكانهما، ساد الصمت، لكن ديانا لم تستطع التوقف عن الارتجاف، كانت جالسة فوق الغصن وهي تنظر بصدمة إلى زهرة فينتامن الخالية من أوراقها، وكأنها لا تستوعب ما حدث للتو، ثم انفجرت بالبكاء! ارتجف صوتها بقوة، والدموع تملأ عينيها بلا توقف، بينما كانت تضم الزهرة إلى صدرها وكأنها تحاول إصلاح ما حدث:
«إنها مهمة جدًا… أنتِ لا تفهمين! لقد وعدت أبي أن أحافظ عليها! ماذا لو حدث شيء بسبب هذا؟! ماذا لو ظهر قطيع ذئاب فعلًا؟! أنا خائفة يا آنييه…»
تفاجأت آنييه من انهيارها الحقيقي، واختفت ابتسامتها تمامًا لأول مرة منذ بداية الرحلة، اقتربت منها بحذر، لكنها لم تعرف ماذا تقول، لأنها بدأت تدرك أخيرًا أن الأمر لم يكن لعبة صغيرة كما ظنت، مر وقت طويل وهما فوق الشجرة، حتى بدأت الشمس تشرق ببطء، وتسللت خيوط الضوء بين الأشجار الكثيفة. كانت الساعة قد اقتربت من الثانية، والجزيرة أصبحت أوضح، لكنها لم تبدُ أكثر أمانًا أبدًا. نزلت الفتاتان أخيرًا بعد أن تأكدتا من اختفاء الدب، ثم بدأتا تتجولان مجددًا بحثًا عن الساحل، ولكن كل الطرق بدت متشابهة...كل الأشجار متشابهة، وكل خطوة جعلتهما تشعران بأنهما تائهتان أكثر، وبعد وقت طويل من المشي، دوى فجأة صوت عواء خلفهما، توقفتا فورًا، ثم التفتتا ببطء شديد، وفي اللحظة التي أدركتا فيها مصدر الصوت، انتفضتا من الرعب وبدأتا تركضان بأقصى سرعة! كانت ديانا تبكي وهي تركض بشكل هستيري:
«لا أريد أن أصبح مستذئبة! يا أمي أنقذيني!»
وبدأت آنييه تبكي هي الأخرى من شدة الخوف، ثم التفتتا معًا… وكانت هناك مجموعة كاملة من الذئاب تطاردهما بالفعل! ازدادت سرعتهما أكثر، حتى وصلتا فجأة إلى حافة مرتفعة من الجزيرة، تحتها بحر هائج، وعلى الجهة الأخرى جزء آخر من اليابسة، لذلك لم يكن المكان مفتوحًا على البحر الواسع، لكنه كان مرتفعًا وخطيرًا بما يكفي ليحبسهما تمامًا، تراجعت ديانا خلف آنييه وهي تبكي بقوة، بينما وقفت آنييه أمامها تحاول التظاهر بالشجاعة رغم خوفها الواضح، ثم صرخت في الذئاب:
«ابتعدي أيتها الذئاب الوقحة!»
لكن الذئاب استمرت بالاقتراب ببطء، عيونها مثبتة عليهما بشكل مخيف، تراجعت الفتاتان خطوة بعد خطوة نحو الحافة دون أن تنتبها، ثم… اختفى الأرض من تحت قدمي ديانا فجأة! صرخت بقوة وهي تسقط:
«آنييييه!!!»
التفتت آنييه إليها بصدمة مرعبة! وصرخت بأعلى صوت خرج من حنجرتها:
«دياناااااااااا! لا تموتي!»
لكن قبل أن تتحرك، اندفع أحد الذئاب نحوها وعض ساقها بقوة، صرخت من الألم، وفقدت توازنها في اللحظة نفسها…وسقطت هي أيضًا في البحر!
فتحت ديانا عينيها ببطء شديد، وكأن جسدها كله غارق في ثقلٍ غريب يمنعها حتى من الحركة. كان رأسها يؤلمها قليلًا، ورؤيتها ضبابية في البداية، لكنها بدأت تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا، أول ما رأته كان سقف الخيمة، رمشت عدة مرات باستغراب، ثم التفتت حولها ببطء، لتجد نفسها مستلقية بجانب والدتها النائمة، بينما كانت آنييه بالقرب منها، ملتفة بالغطاء وتبدو غارقة في نومٍ عميق، تجمدت ديانا في مكانها للحظات، ثم جلست قليلًا وهي تنظر حولها بارتباك شديد، وأخذت تبحث بعينيها عن شيبي داخل الخيمة، وفي داخلها كانت الأفكار تتزاحم بلا توقف:
«هل… كان كل ما حدث حلمًا؟ أم ماذا؟»
مدت يدها نحو آنييه، وبدأت تهزها بخفة حتى تستيقظ،تحركت آنييه بتململ، ثم فتحت عينيها بصعوبة وهي لا تزال نصف نائمة، وقالت بصوت متعب مليء بالنعاس:
«ماذا تريدين…؟ ماذا حدث…؟»
نظرت إليها ديانا بدهشة حقيقية، وكأنها تنتظر تأكيدًا ينقذ عقلها من الحيرة:
«ألم نسقط من ذلك المرتفع…؟ أم أنني كنت أحلم فقط؟»
ساد الصمت لثوانٍ، ثم بدأت آنييه تستوعب الكلام تدريجيًا. رفعت يدها تحك رأسها بتعب، وكأنها تحاول جمع ذكرياتها المبعثرة، ثم اتسعت عيناها قليلًا وهي تتذكر أخيرًا:
«بلى… وأنا سقطت معك أيضًا… ظننت أننا متنا فعلًا.»
وفي تلك اللحظة، دخل والدهما إلى الخيمة بسرعة بعدما سمع حديثهما، ان يبدو قلقًا بشكل واضح، حتى إنه اندفع نحوهما فورًا وأخذ يتفقد أيديهما ووجهيهما وكأن خوفه لم يهدأ بعد، ثم سأل بصوت مليء بالتوتر:
«أأنتما بخير؟ هل تشعران بأي ألم؟»
نظرت ديانا وآنييه إلى بعضهما باستغراب، ثم أجابتا معًا:
«لا… لم يحدث لنا شيء، رغم أننا سقطنا.»
تنهد الأب قليلًا وكأنه يحاول استيعاب الأمر، ثم جلس أمامهما وقال بجدية واضحة:
«ما الذي كنتما تفعلانه هناك أصلًا؟ وكيف وصلتما إلى ذلك المكان؟»
توترت الفتاتان فورًا، خفضت آنييه رأسها بخجل، بينما شعرت ديانا بالخوف من الاعتراف، خاصة بعدما حذرهما والدهما مرارًا من التهور، لكن بعد تردد طويل، أخذت ديانا نفسًا عميقًا وبدأت تروي كل ما حدث منذ خروجهما ليلًا… إلا شيئًا واحدًا فقط... لم تخبره أبدًا عن زهرة فينتامن، ولا عن أنها أخذتها من مكانها، ولا عن سقوط أوراقها واختفاء توهجها داخل الجزيرة، استمع الأب إليهما بصمت، ثم زفر بتعب وهو يحك رأسه:
«لقد أخبرتكما أن تكونا حذرتين… وخاصة أنتِ يا آنييه. كررتِ تهورك مرة أخرى.»
خفضت آنييه رأسها أكثر، وبدت نادمة فعلًا هذه المرة، حتى إنها لم تعرف كيف ترد، لكن فجأة، ضحك الأب بخفة، ثم اقترب منها وعانقها بحنان:
«أظن أن هذه صفة فيكِ لن أستطيع تغييرها أبدًا.»
ضحكت آنييه أخيرًا براحة، ثم ضحكت ديانا معها بعدما توقعت أن يتحول الأمر إلى شجار كبير، لكن الأب عاد يتحدث بجدية أشد هذه المرة:
«لكن لا تكررا هذا الأمر مجددًا بعد اليوم. ولا تقتربا من القارب وحدكما أبدًا، ابقيا في الجزيرة فقط.»
تبادلت الفتاتان النظرات باستغراب واضح، فقد بدا تحذيره أقوى من المعتاد، سألته ديانا بدهشة:
«لماذا؟»
وقف الأب ببطء، ثم قال بصوت منخفض لكنه جاد:
«لأنكما ذهبتما إلى جزيرة كوفا… حيث تقع قرى ريموفينتامن.»
شهقت ديانا وآنييه معًا، ووضعتا أيديهما فوق فميهما بصدمة حقيقية! كانت تلك القرى من أكثر الأماكن غرابة ورعبًا في القصص التي يسمعها الناس، ومجرد ذكر اسمها كان كافيًا لإثارة الخوف، قالت ديانا بسرعة وعدم تصديق:
«لكن… كيف عرفتم أننا هناك؟! ظننت أننا سنموت بالتأكيد!»
وأضافت آنييه بسرعة وهي ما تزال مذهولة:
«هذا ما خطر في بالي أيضًا!»
وقبل أن يجيب الأب، دخل شيبي إلى الخيمة من خلفه، وما إن رأته ديانا حتى أسرعت نحوه بسعادة واضحة، ابتسم الأب وهو يشير إليه:
«شيبي عاد راكضًا إليّ، وأخذ يسحبني نحو الساحل، فعرفت أنكما أخذتما القارب.»
اتسعت عينا ديانا بدهشة أكبر:
«لكن كيف عرفتم أننا بالتحديد في ريموفينتامن؟»
رفع الأب حاجبه قليلًا، ثم أجاب:
«لم نجدكما بسهولة. لقد كنتما فاقدتين للوعي لمدة خمسة أيام كاملة… وجدناكما على ساحل جزيرة كوفا بينما كنا نبحث عن القارب.»
ساد الصمت للحظة، خمســة أيام! حتى آنييه نفسها بدت مصدومة، لكنها ضحكت بعدها بخفة محاولة كسر التوتر:
«من الجيد أننا أخذنا شيبي معنا… وإلا لكنا ميتتين الآن.»
ابتسمت ديانا فورًا وعانقت شيبي بقوة:
«أتفق معك تمامًا.»
ضحك الأب أخيرًا، ثم ضم ابنتيه إليه بحنان وهدوء:
«يجب أن تنتبها أكثر… رغم أنني أعلم أنكما على الأرجح لن تعطيا كلامي أهمية كبيرة.»
ضحكت الفتاتان معًا، وامتلأت الخيمة أخيرًا بدفءٍ هادئ بعد كل ما عاشوه من خوف وفوضى، ثم بدأ الأب يروي لهما قصة خفيفة بصوت منخفض، بينما كانت الأم لا تزال نائمة، وضوء القمر يتسلل بهدوء إلى داخل الخيمة، مانحًا المكان سكينة جميلة بعد تلك الليلة المرعبة.
ومع استمرار صوت والدهما الهادئ… غفت ديانا وآنييه مجددًا بين ذراعيه بدفء.
يُتبع،،