سجينة في قصر أبي - الفصل العشرون - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: سجينة في قصر أبي
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل العشرون

الفصل العشرون

المشنقة لا تجيدُ العناق: لم تشرق الشمس في ذلك الصباح على مملكة "ديودار" بالدفء المعتاد، بل بزغت شاحبة خلف غيوم رمادية، وكأن السماء تأبى أن تبارك يوم الحساب. في ساحة القصر الكبرى، نُصبت منصة الإعدام الخشبية، صلبة وقاسية كقلب صاحبتها التي ستعتليها. كان الحشد يقف في صمتٍ مطبق؛ فلا وجود لصيحات الفرح، بل هو وجومٌ ثقيل يسود المكان، وجومٌ يليق بنهاية ملكةٍ أرادت أن تصبغ العرش بدم الآخرين. اعتلى الملك ميدار منصة القضاء، مرتدياً وشاحه الأسود، وعيناه اللتان غار فيهما بريق الأيام بدتا كبئرين من الأسى. وبصوتٍ رخيم، حطم السكون الذي كان يخنق الحضور: —لقد قيل إن التيجان تُصان بالعدل، وتُهدم بالدماء. واليوم، لا أحاكم زوجةً أو ملكة، بل أحاكم اليد التي ذبحت البراءة في مخدعها، والروح التي زرعت الفتنة بين الأخ وأخيه. إن جولينا، التي استباحت دماء الملكة رولين وعاثت في الأرض فساداً لتصنع مجداً مزيفاً لولدها، قد حكمت على نفسها قبل أن نحكم عليها نحن. خرجت جولينا من القبو، يجرها الحراس بالسلاسل التي أحدثت صوتاً معدنياً جنائزياً على الحجارة. لم يعد هناك أثر لثياب الحرير أو التيجان المرصعة؛ كانت ترتدي ثوب الإعدام الأبيض، ووجهها الذي طالما كان يفيض بالكبرياء، أصبح الآن قناعاً شاحباً من الهزيمة. لم تطلب الرحمة، بل كانت تنظر للجموع بنظرةٍ منكسرة، تبحث عن ابنها الذي لم يأتِ لوداعها. وعلى الجانب الآخر من القصر، في أعماق الزنزانة المظلمة، كان روجيل يجلس خلف القضبان، يراقب شعاع الضوء الوحيد الذي يتسلل من كوةٍ صغيرة. لم يُحكم عليه بالموت، لكن موته كان من نوعٍ آخر؛ فقد أصدر ميدار حكمه القاطع، بـالسجن مدى الحياة في ظلمات القبو، حتى يواري جسده التراب رفع ميدار يده، وأعلن الحكم الأخير: —أما عن روجيل، الذي ارتضى أن يكون صنيعة الغدر وتدثر برداء الرذيلة، فمصيره هو البقاء في القبو حتى الموت. لن يرى الشمس، ولن يسمع اسمه يُنادى به في القصور، وليكن صمت جدرانه هو رفيقه الوحيد ليتذكر في كل ثانية أن الدلال المسموم انتهى بمقبرةٍ من حجر. في تلك اللحظة، التف حبل المشنقة حول عنق جولينا. نظرت للسماء نظرةً أخيرة، ربما تبحث عن مغفرةٍ لن تأتي، قبل أن يُسحب البساط من تحت قدميها لتتأرجح في الهواء، معلنةً نهاية حقبة من الغدر. في الزنزانة، سمع روجيل صوت قرع الطبول البعيد الذي يعلن تنفيذ الإعدام، فأسند رأسه إلى الحائط البارد وأغمض عينيه، وقال بمرارةٍ تليق بمصيره: —لقد نفذوا الحكم فيكِ يا أمي بالخناق.. أما أنا، فقد تركوني لأختنق بذكرياتي حتى آخر نفس. أيهما يا ترى كان أكثر رحمة؟ انتهى الضجيج في الساحة، وبقي روجيل وحيداً في عتمته، يدرك أن "ديودار" قد غسلت يدها من دمهما، وأن التاريخ لا يكتب أسماء من خانوا العهد إلا بمدادٍ من نسيان. عودة العاصفة إلي أركونيا: بينما كانت المشانق تُنصب في "ديودار" لتنهي فصلاً من الغدر، كانت حدود أركونيا تشهد عودة من نوعٍ آخر. تسللت تيا عبر البوابة الغربية، متشحةً بوشاحٍ بسيط يغطي شعرها، لكنها لم تستطع تغطية تلك اللمعة المشاكسة في عينيها التي لم تطفئها الغربة ولا أهوال الطريق. كان متجر والدها الصغير لـ صناعة السلال يقبع في زاويةٍ هادئة، يفوح منه عطر القش الجاف والخيزران المبلل. كان والدها العجوز، المنهمك وسط أكوام القش، يحاول جاهداً ثني غصنٍ من الخيزران ليربط حافة سلةٍ كبيرة، لكن يده المرتجفة كانت تخونه، والغصن يكاد ينفلت منه في كل مرة. دخلت تيا بخطواتٍ ناعمة كقطة تعبث بصيدها، ثم فجأة، وبأسلوبها المرح الذي لا يعرف الوقار، خطفت غصن الخيزران من يده من الخلف وصاحت بمشاغبة: —يا إلهي! هل تحاول صنع سلة لحمل الخبز أم تحاول نسج قفص لاصطياد التنانين يا أبي؟ لو رأى أحد زبائنك هذه السلة المائلة لظن أنك صنعتها وأنت مغمض العينين! قفز العجوز من مكانه كمن مسته صاعقة، وتطايرت أعواد القش من حوله وهو يتلفت بذعر، لتستقر عيناه على وجهها المبتسم. همس بصوتٍ يرتجف ذهولاً: —تيا؟ هل هذه أنتِ حقاً أم أن كثرة الجلوس وسط هذا القش والتفكير بكِ جعلتني أهذي؟ ضحكت تيا ضحكةً رنانة، وقفزت لتجلس فوق كومة من السلال الجاهزة بلامبالاة، وهي تهز قدميها في الهواء: —وهل هناك شبحٌ يمتلك لسانًا طويلاً كلساني يا عجوزي العنيد؟ نعم، لقد عدتُ لأنني أدركتُ أن سكان أركونيا سيبدأون بحمل بضائعهم في أحضانهم إذا تركتُك تدير هذا المتجر بمفردك! انظر إلى هذه الزاوية، إنها مهترئة تماماً.. يبدو أنك كنت تفكر في 'الخرقاء' ابنتك أكثر مما كنت تفكر في جودة شغلك. ارتمى والدها في حضنها وهو يبكي ويضحك في آنٍ واحد، يشم رائحة ابنته التي ظنها ضاعت للأبد. لكن تيا، رغم غصة الحنين، لم تتخلَّ عن روحها الساخرة. ربتت على كتفه بقوة وقالت وهي تغمز له: —هيا يا أبي، كفَّ عن بل السلال بدموعك، فالخيزران المبلل بالدموع لا يباع بثمنٍ جيد! لقد عدتُ لأقلب لك هذا المتجر رأساً على عقب، ولأرى إن كان حرس القصر لا يزالون يشترون سلالنا ليضعوا فيها رسائلهم السرية التي يظنون أننا لا نعرف عنها شيئاً. استعاد العجوز أنفاسه ونظر إليها بقلق وهو يهمس: —لكن يا تيا.. القصر يغلي كمرجل النار، والبحث عن الأميرة كيمارا لم يتوقف، وسيدريك.. قاطعته تيا وهي تخطف سلة صغيرة وتبدأ في تدويرها على إصبعها ببراعة: —يا أبي! دع القصر لسكانه، ودع سيدريك لذكائه الذي سأجعله يحتار فيه قريباً. الأميرة الآن في مكانٍ يجعل الأسود تخجل من شجاعتها، وهي في حماية فارسٍ لو رآه حرس أركونيا لفروا هاربين قبل أن يسلوا سيوفهم. الآن، أريد وعاءً كبيراً من الحساء وقليلاً من المشاغبة مع جيراننا الذين بالتأكيد قالوا إنني هربتُ مع تاجر غني. بينما كانت تيا تملأ المتجر الصغير بالحياة والضجيج مجددا، لم تكن تعلم أن عين سيدريك الثاقبة كانت بدأت بالفعل تترقب كل غريب يدخل المدينة، وأن "صانعة السلال" المشاكسة أصبحت الآن تحت مجهره دون أن تدري. خيوط العنكبوت: لم تكن تيا لتقضي ليلتها الأولى في أركونيا دون أن تشم رائحة الأخبار التي تُطبخ في الخفاء. فبعد أن تركت والدها غارقاً في دموع الفرح وسط أكوام القش، تسللت في الغسق نحو متجر بياتريس، الخياطة التي تعرف غرزُ إبرتها أسرار القصر أكثر مما تعرفه تقارير الجواسيس. دخلت تيا المتجر وهي تتصنع دور الفتاة العائدة بكسل، وصاحت بنبرتها المرحة المعتادة قبل أن تفتح بياتريس فمها: —يا إلهي يا خاله بياتريس! هل ما زلتِ تخيطين أثواباً لنساء القصر اللواتي يشبهن الببغاوات؟ أم أنكِ انتقلتِ لتصميم الأكفان؟ لأن الوجوه التي رأيتها في السوق توحي بأن أركونيا تقيم جنازة جماعية! تراجعت بياتريس خطوة، وكادت تسقط مقصها من الصدمة، وهمست بصوتٍ خافت: —تيا؟ أيتها المشاغبة مرة اخري.. ألم تقتلكِ الغابة بعد؟ كيف تجرئين على العودة وقد انقلب القصر رأساً على عقب بسبب اختفائكِ مع تلك الفتاة الخرساء؟ قفزت تيا لتجلس على طاولة القماش، وعبثت بشريط حريري وهي تبتسم بمكر: —الغابة؟ لقد كانت الغابة أرحم بي من رؤية أقمشتكِ الباهتة هذه! أخبريني يا عجوز الخياطة، لماذا تبدو الشوارع وكأن سيدريك قد منع الضحك بمرسوم ملكي؟ وما بال الحرس يطوفون وكأنهم يحرسون كنزاً مفقوداً؟ وماذا عن ماري شحب وجه بياتريس، واقتربت من تيا وهي تلتفت حولها بذعر، ثم همست: — لا تذكري أسمها بصوتٍ عالٍ! ماري ليست حره الآن يا تيا.. لقد سحبها سيدريك. يقولون إنها سجينة في الأقبية السفلى، تُحاكم بتهمة الخيانة العظمى وإخفاء أسرار تخص الأميرة كيمارا. القصر يغلي، وسيدريك يقتلع الاعترافات من الجدران قبل البشر!" تجمدت ابتسامة تيا للحظة، وشعرت ببرودة تسري في جسدها، لكنها استعادت قناعها الساخر بسرعة لكي لا تثير الريبة: —ماري في السجن؟ يا لها من نهاية درامية لامرأة كانت تظن أن عطرها سيحميها من رائحة العفن في القبو! يبدو أن سيدريك بدأ يشعر بالملل وقرر ممارسة هوايته المفضلة في تحطيم العظام. لكن أخبريني.. هل اعترفت بشيء؟ أم أنها لا تزال تظن سيأتي فارس على حصان أبيض لينقذها؟ هزت بياتريس رأسها بيأس: —لا أحد يعرف.. لكن سيدريك لم يعد يبتسم، وهذا يعني أنه اقترب من الحقيقة جداً. تيا.. ارحلي من هنا، إذا علموا بوجودكِ ستكونين بجانب ماري قبل أن يرتد إليكِ طرف! نهضت تيا ببطء، وفي عينيها لمعة ذكاء حادة، وقالت وهي تتجه نحو الباب ببرود يحسدها عليه المحاربون: —ارحل؟ لقد عدتُ للتو يا بياتريس، والدراما في أركونيا أصبحت ممتعة جداً بحيث لا يمكن تفويتها. ماري في القبو.. وسيدريك يبحث عن خيط.. يبدو أنني جئتُ في الوقت المناسب تماماً لأضع لمستي الخاصة على هذه السلة المهترئة. خرجت تيا إلى الشارع المظلم، وقد تبدلت خطتها؛ فالحرب لم تعد خلف الحدود في "ديودار" فقط، بل أصبحت الآن تحت أقدامها، وماري قد تكون المفتاح الذي سيقود سيدريك لقلب كيمارا.. أو المقصلة التي ستسقط على رقاب الجميع. صدى الموت بين أركونيا وديودار: في تلك اللحظة، كان الزمن ينقسم إلى نصفين موجعين؛ نصفٌ في "أركونيا" حيث تقبع تيا في غرفتها الضيقة التي تفوح برائحة القش الجاف، ونصفٌ في "ديودار" حيث تقف كيمارا في شرفتها العالية تواجه رياح الشمال الباردة. في أركونيا، كانت تيا تغرس ريشتها في المحبرة بعنف، والدموع تحرق جفنيها لكنها تأبى السقوط. كانت تكتب والشرر يتطاير من كلماتها: "كيمارا.. الهدوء الذي تركناه خلفنا انتحر. لقد صدر الحكم.. ماري ستُعدم في الساحة الكبرى أمام الجميع، لتكون عبرة لمن يجرؤ على إخفاء أثركِ. يجب أنت تأتي وعلى الجانب الآخر، في "ديودار"، كانت كيمارا تمسك بالورقة التي وصلت للتو من أحدي الحراس. كانت يداها ترتجفان بوهنٍ جعل الورقة تئن بين أصابعها. بدأت تقرأ بصوتٍ خافت، مشروخ، يقطر ذعراً من هول ما تراه عيناها: —ماري.. سيعدمون ماري؟ تلك المسكينة التي لم تكن ذنبها سوى أنها أحبتني وحاولت حمايتي من جنون أبي؟ عادت تيا في أركونيا لتكمل بمرارة، وعيناها تلمعان بغضبٍ أطاح بمرحها المعتاد: "آرثر واتباعه استباحوا كل شيء. لقد جعلوا من اسمكِ عاراً يطاردون به كل من تنفس بأسمُك. لم يعد هناك مكان للرحمة في قلب والدكِ، لقد تحجر تماماً،لقد جن جنونه والظلم هنا بات يفوق طاقة البشر. إنهم يقتلون روح أركونيا يا كيمارا، والناس يهمسون باسمكِ في الخفاء كخلاصٍهم الوحيد." سقطت الكلمات أمام اعين كيمارا كأنها خناجر مسمومة. اهتز كيانها، وصوتها الذي استعادته حديثاً بدأ يختنق بالوجع وهي تواصل القراءة: —قتل.. غدر.. دماء بريئة.. كل هذا يحدث وأنا هنا أتحصن خلف جدران ديودار؟ ستموت ماري بسببي.. بسببي أنا! لن اسمح بذلك مطلقاً وفي ذروة الغضب والقهر، كرمشت كيمارا الورقة بقوة جعلت أظافرها تنغرس في راحة يدها، وبصرخة مكتومة استدارت وقذفت الكتلة الورقية بكل ما أوتيت من وجع، لتصطدم مباشرة بصدر رونال، الذي كان يسير بخطى هادئة خلفها ليفاجئها بلمسة حانية، لكنه وجد نفسه أمام بركانٍ ثائر. توقف رونال، ونظر إلى الورقة التي سقطت عند قدميه، ثم إلى كيمارا التي كانت صدرها يعلو ويهبط مسرعاً من فرط الانفعال. انحنى بهدوء، التقط الورقة المتجعدة، وبدأ يفك طياتها بعناية. ومع كل سطر يقرأه، كانت ملامحه تزداد صلابة، وعضلات فكه تتوتر، وعيناه اللتان كانت تشعان حباً لكيمارا، تحولتا إلى جمرتين من نار الحرب. انتهى رونال من القراءة، وصمت لثوانٍ قبل أن يرفع بصره إليها، لكن كيمارا لم تترك له مجالاً للكلام. اندفعت نحوه وأمسكت بقميصه بقوة، وقالت بصوتٍ مختنق بالرجاء: —رونال.. أرجوك! يجب أن أذهب إلى أركونيا الآن! لا يمكنني الانتظار ثانية واحدة بينما المشنقة تُعد لعنق ماري. أريد الذهاب فوراً، سأواجه أبي، سأصرخ في وجهه، سأفعل أي شيء! ولا مجال لمنعي الآن. حاول رونال تهدئتها بوضع يديه على كتفيها: —كيمارا، اهدئي.. الذهاب الآن انتحار. آرثر ينتظر هذه اللحظة، إنه يستخدم ماري كطعم ليجركِ إلى عرينه. هذه خطته لكنها لم تتركه، بل زاد إصرارها وهي تنظر في عينيه بدموعٍ حارقة: —ليكن طعماً! لا يهمني! لن أعيش بقية حياتي وأنا أعلم أن امرأة بريئة ماتت لتغطي هروبي. سأعيش بذنبها اذا حدث لها مكروه، أرجوك يا رونال، استدعِ 'ساجين' فوراً، دعه يجهز الخيول، هو يعرف الطرق المختصرة، وسأذهب معه في سرية تامة. سأتنكر، سأختبئ، لكن يجب أن أكون هناك! هز رونال رأسه بالرفض القاطع: —لن أسمح لكِ بخوض هذه المخاطرة، ولن أرسل ساجين ليدفنكِ هناك. ساجين يحمل ثارا قديما ضد والدك. جثت كيمارا على ركبتيها أمام فارسها، في مشهدٍ حطم كبرياءها وأذاب قلب رونال: — أعلم ذلك، أتوسل إليك يا رونال.. إذا كنت تحبني حقاً، لا تجعلني أعيش ميتة الضمير. دعني أذهب مع ساجين، أعدك أنني سأكون حذرة. لكنني لن أستطيع النظر في المرآة غداً إذا سُكب دم ماري على أرض أركونيا. نظر رونال إلى هذه الأميرة المحطمة، وأدرك أن منعها يعني كسر روحها للأبد. تنهد بعمق، وانحنى ليرفعها عن الأرض، ثم قال بنبرةٍ قاطعة لا تقبل الجدال: —حسناً يا كيمارا.. سأستدعي ساجين، وسنجهز أسرع الخيول. ولكن.. ليس بشرطكِ أنتِ، بل بشرطي أنا. مسحت كيمارا دموعها بلهفة: "أي شرط؟ سأوافق على أي شيء! ثبّت رونال نظراته في عينيها وقال بلهجة مليئة بالغيرة والشجاعة: —لن تذهبي مع ساجين وحدكِ، ولن تخطي خطوة واحدة في أركونيا بدوني. سأذهب معكِ، وسأكون ظلكِ الذي لا يفارقكِ. إذا كنتِ ستواجهين نيران آرثر، فإما أن نحترق معاً أو نطفئها معاً بسيفي. سأكون هناك ليس كأمير لديودار، بل كحارس لقلب كيمارا الذي لن يجرؤ أحد على مسه بسوء. نظرت إليه كيمارا بامتنانٍ لا يوصف، وشعرت لأول مرة أن المعركة التي بدأت بكلمات تيا، ستنتهي بنصل رونال الذي لا ينكسر. موازينُ القضاء: في تلك اللحظة الحرجة، كان العدل يكتب فصوله الأخيرة في مملكتين مختلفتين؛ عدلٌ يقتصّ من الخيانة في قبوٍ مظلم، وظلمٌ يقتصّ من الوفاء فوق منصة إعدامٍ صاخبة. في قبو "ديودار" و المواجهة الأخيرة: ساد صمتٌ جنائزي في الزنزانة السفلية، لم يقطعه إلا وقع أقدام الملك ميدار الثقيلة. كان روجيل يقبع في الزاوية، شعره أشعث وعيناه اللتان طالما لمعتا بالغرور ذابلتان كأوراق الخريف. توقف ميدار أمام القضبان، ونظر إلى ابنه بنظرةٍ مزقت ما تبقى من كبرياء روجيل. قال ميدار بصوتٍ رخيم يملؤه الأسى: —أتيتُ لأرى ما صنعت يداك يا روجيل.. أو بالأحرى، ما صنعت يدا أمك التي جعلت منك مسخاً يرتدي ثياب الملوك. هل تريحك رائحة العفن هنا؟ إنها تشبه تماماً رائحة المؤامرات التي كنتم تحيكونها في غرف النوم. رفع روجيل رأسه ببطء، وضحك ضحكةً منكسرة تقطر مرارة: —يا لجلال الملك! هل جئت لتبصق على حطام ابنك؟ لقد قتلتَ أمي، أليس كذلك؟ هل تظن أن بقائي هنا هو حياة؟ لقد حكمت عليّ بالموت البطيء، فكفّ عن التظاهر بالعدل وأنت الذي أورثتني هذا الضعف بصمتك الطويل. اقترب ميدار من القضبان حتى كاد أنفاسه تلمس وجه روجيل، وقال بحدة: —لم أحكم عليك بالموت لأن الموت رحمة لا تستحقها. ستبدو لك جدران هذا القبو أرحم من نظرات الناس لو خرجت. ستبقى هنا لتسمع صدى اسم 'رونال' وهو يتردد في القصر كملكٍ حقيقي، بينما يُمحى اسمك من سجلات العهد. ستموت هنا يا روجيل، ليس بالسيف، بل بالنسيان.. وهو أقسى أنواع الإعدام. في ساحة "أركونيا": رحلة الموت: وفي تلك اللحظة ذاتها، وتحت سماء "أركونيا" التي كستها سحبٌ سوداء، كانت ماري تُسحب نحو المقصلة. كان صوت السلاسل المعدنية على الحجر يدوّي كطبول الجحيم. الحشود كانت واقفة في صمتٍ مرعب، بينما وقف آرثر في شرفته العالية، يراقب المشهد ببرودٍ يثير القشعريرة، وإلى جانبه سيدريك الذي كانت عيناه تلمعان بانتصارٍ مسموم. كانت ماري تترنح في مشيتها، وجهها شاحب كالثلج، لكنها رفعت رأسها نحو الشرفة، وصرخت بصوتٍ جرح سكون الساحة: —اقتلوني افعلوا بي ما شئتم! فدمي لن يغسل عاركم، وصيحات الموت التي تطلقوها اليوم ستكون هي نفسها التي ستطاردكم في أحلامك. كيمارا قادمة.. والعدل الذي ذبحتموا بيديكم سيعود ليذبح ملككم غدا! أشار آرثر بيده ببرود، فدفعها الحراس بقسوة لتسجد أمام المقصلة. وضع الجلاد النصل اللامع في مكانه، وبدأ يسحب الحبل ببطء مستفز. بين القبو والساحة: تقاطع الأقدار: في القبو، أدار ميدار ظهره لروجيل وقال كلمته الأخيرة: —وداعاً يا من كان ابني.. من اليوم، ليس لك أب، وليس لي ولد يدعى روجيل. صرخ روجيل وهو يضرب القضبان بكل قوته: —ميدار! لا تتركني هنا! اقتلني كما قتلتها! ميدار! وفي أركونيا، ارتفع صوت الجلاد وهو يعلن تنفيذ الحكم، وهوى النصل بسرعةٍ خاطفة.. لكن في تلك اللحظة تحديداً، اخترق صمت الساحة صوت حوافر خيولٍ تركض بجنون، وصوتٌ جهوريّ هزّ الأركان من بعيد: —توقفوا! من يلمس شعرةً منها، سيواجه نصل 'ديودار' قبل أن يرتد إليه طرف! التفتت الرؤوس بذهول؛ ففي نهاية الطريق، كان هناك غبارٌ كثيف ينجلي عن ثلاثة فرسان يتقدمهم فارسٌ يرتدي درعاً يلمع تحت الضوء الشاحب، وإلى جانبه امرأة متشحة بالسواد وعيناها تقدحان ناراً.. لقد وصل رونال وكيمارا وساجين في اللحظة التي يفصل فيها بين الحياة والموت شعرةٌ واحدة.