سجينة في قصر أبي - الفصل التاسع عشر - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: سجينة في قصر أبي
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع عشر

الفصل التاسع عشر

رماد الأقنعة: ساد القصر صمتٌ أثقل من الجبال بعد أن سُحبت جولينا وروجيل إلى غياهب السجون، تاركين وراءهما رائحة الغدر التي فاحت لعشرين عاماً. لم تكن جدران "ديودار" باردة كما كانت من قبل، بل بدت وكأنها تتنفس الصعداء بعد ان انزاح كابوسٍ طويل. وفي القاعة الكبرى، بقي الملك ميدار واقفاً كالتمثال المنكسر، عيناه شاخصتان نحو الفراغ، يحاول استيعاب أن رفيقة فراشه كانت هي ذاتها القاتلة التي سلبته نور عينه "رولين" زوجته الاولي وحب عمره؛ كان الملك يبدو وكأن العمر قد قفز به عقوداً في ليلة واحدة، محطماً تحت ثقل الحقيقة المرة. خارج القصر، وفي كوخٍ صغير ملحق بالجناح الخلفي حيث كانت تختبئ كيمارا تحت حراسة مشددة من رجال رونال المخلصين، انفتح الباب ببطء. دخل رونال، ولم يكن ذلك الأمير الوقور الذي واجه والده منذ قليل؛ كان جسده يرتجف بوهنٍ خفي، وعيناه تحملان حزن العالم بأسره، وكأن كل الدموع التي حبسها طوال عشرين عاماً قد تجمعت في لحظه واحدة. وقفت كيمارا فور رؤيته، رأت في ملامحه انكساراً لم تعهده، ورغم صمتها، تقدمت نحوه بخطواتٍ هادئة تشبه وقع الندى. لم تنطق باسمه، ولم تسأل عما حدث، بل اكتفت بالنظر إليه بعينين تفيضان بالامتنان والأسى، مدركةً أن هذا الرجل قد هدم عالمه المستقر ليبني لها وللحقيقة صرحاً جديداً. قال رونال بصوتٍ خافت، وكأنه يخرج من بئرٍ سحيق: —لقد انتهى الأمر يا كارولين.. القاتلة التي طاردت أمي وطاردتكِ، باتت الآن خلف القضبان تنتظر القصاص. عشرون عاماً وأنا أحمل هذا الخنجر في قلبي، واليوم فقط.. شعرتُ أن نصله قد خرج. خطا خطوة نحوها، وبابتسامةٍ هادئة تحمل مكرًا محببًا وذكياً رغم الألم، أمسك يدها الاثنان برفق وقال بنبرة قاطعة: —أنا سباح ماهر في بحور المتاعب كما أخبرتكِ سابقاً، والتحطم ليس غريباً على من عاش وسط هذه الأطماع. لقد خاطرثُ بكل شيء لأجل هذه اللحظة، لأجلكِ أنتِ.. ولأجل تلك القوة التي رأيتها في عينيكِ منذ اليوم الأول. اقتربت منه كيمارا أكثر، ولأول مرة، مدت يدها لتلمس كتفه برفق، وكأنها تمسح عنه غبار سنوات اليتم. شعرت برجفة جسده، فأدركت أن هذا الأمير القوي قد خاطر بملكه وسمعة عائلته من أجل حمايتها. نظرت في عينيه وقالت بصوتٍ نقي، خالٍ من أي اصطناع: —أنت لم تخرج الخنجر من قلبك وحده يا رونال.. أنت أنقذت أرواحاً كثيرة كانت ستموت بصمت تحت وطأة هذا الظلم. شكراً لأنك كنت الجدار الذي احتميتُ به حين خذلني الجميع، وشكراً لأنك آمنتَ بي حين كنتُ مجرد 'عدم' في نظر الآخرين. ابتسم رونال ابتسامةً شاحبة لكنها حقيقية، وأمسك يدها التي على كتفه برفق، وشدد على قبضته وهو يقول بوعدٍ أبدي: —لقد وعدتكِ أن أكون الجدار الذي تتحطم عليه محاولاتهم، واليوم أعدكِ بما هو أكثر.. ديودار لن تكون لكِ سجناً بعد الآن، سأبقى بجانبكِ دائماً، وسأحرص على أن أكون رفيقكِ الأكثر أناقة في أي مغامرة قادمة. واعلمي أنني لن أسمح لأي يدٍ أن تمسك بطرف ردائكِ بسوء مرة أخرى. في تلك اللحظة، رنّ صوت أجراس القصر معلناً بزوغ فجر جديد، فجرٌ لم يعد فيه مكان للأفاعي، لكنه يحمل في طياته تحدياتٍ كبرى؛ فميدار ملك محطم، وروجيل أميرٌ خائن، وأركونيا لا تزال تجهل أن ابنتها المفقودة تقف الآن في حماية "الفارس الأبيض" الذي رفض الصمت. مِقصلةُ العقل: في أقبية أركونيا، حيث الجدران تنضح برطوبةٍ تشبه عرق الخائفين، ساد صمتٌ لم يقطعه سوى صوت وقع خطوات سيدريك الرتيبة. كان يجلس بمواجهة ماري المنكسرة، واضعاً رِجلاً فوق أخرى بوضعيةٍ مسترخية توحي بأنه في قاعة احتفالات وليس في زنزانة. كان يمسك بقطعة من الحرير الأبيض، يمررها بين أصابعه ببطء، وعيناه تراقب بؤبؤ عين ماري الذي كان يتسع مع كل حركة يقوم بها. كسر سيدريك الصمت بنبرةٍ ناعمة، يغلفها مكرٌ محبب ووشحة من السخرية: —تعلمين يا ماري، الصمت أحياناً يكون اعترافاً صارخاً بحد ذاته. أن تجلسي أمامي وتلفي نفسكِ بهذا الرداء من الإنكار، لا يفعل شيئاً سوى تأكيد ظنوني. لقد مرّ شهرٌ واحد فقط منذ اختفت كيمارا، وشهرٌ واحد كان كافياً لكي تنكشف خيوط اللعبة التي ظننتم أنكم أجدتم نسجها خلف ظهورنا في فالاريا. رفعت ماري رأسها بصعوبة، وحاولت رسم ملامح البراءة رغم أنفاسها المتلاحقة: —أنا لم أفعل شيئاً يسيء للملك يا سيد سيدريك.. أوزريك لا يزال في فالاريا يدير شؤوناً دبلوماسية معقدة، والبحث عن الأميرة كيمارا هو شغلنا الشاغل منذ تلك الليلة المشؤومة. كيف تتهمنا بالخيانة ونحن من فقدنا النوم بحثاً عنها؟ ابتسم سيدريك ابتسامةً باردة جعلت القشعريرة تسري في جسد ماري، ثم أخرج من جيبه لفافة ورقٍ صغيرة مطوية بعناية، وقال بلهجةٍ تقطر سماً: —أمور دبلوماسية؟ إذن، هل من ضمن البروتوكولات الدبلوماسية تلك الرسائل السرية التي كنتِ ترسلينها لـ أوزريك عبر الحمام الزاجل في أنصاف الليالي؟ الرسائل التي لم تتحدث عن معاهدات أو تجارة، بل عن 'فتاةٍ مريبة' شوهدت تعبر الحدود.. وعن ضرورة التأكد من الأخبار قبل أن تصل لآرثر؟ تجمدت الدماء في عروق ماري، وحاولت الإنكار بلسانٍ ثقيل، لكن سيدريك نهض ببطء، وخطواته كانت تصدر صوتاً معدنياً على الأرض الحجرية. دار حول كرسيها كذئب يشم رائحة الدم في فريسته، ثم انحنى خلف أذنها وهمس بفحيحٍ مرعب: — لا تستهيني بذكائي يا ماري، فأنا أقرأ ما بين السطور قبل أن يجف الحبر. لقد اختفت تلك الفتاة التي تُدعي كارولين في الليلة التي كان من المفترض أن تدخل فيها القصر، وفي ذات اللحظة، اختفت تيا إيضا قبل أن تطأ أقدامهما عتبة القصر مرة ثانية. أخبريني يا ماري، وبكل صدق لأن حياتكِ معلقة على حرف واحد.. هل 'كارولين' الخرساء التي هربت قبل دخول القصر هي ذاتها الأميرة كيمارا؟ هل أوزريك هو من مهد لهما طريق الهروب ليتخلص من الوريثة الشرعية ويخفيها عن عيني الملك؟ شهقت ماري برعب، وحاولت التراجع بجسدها الملتصق بالكرسي وهي تشعر بأن جدران الغرفة تضيق عليها، وقالت بصوتٍ مرتعش يكاد لا يُسمع: —أنا.. أنا لا أعرف! كارولين وتيا هربتا فجأة، ظننا أنهما خافتا من الحرس أو من حياة القصر الصارمة.. أقسم لك أن أوزريك لم يخبرني بوجود صلة بين تلك الخرساء وبين الأميرة! أنا مجرد وصيفة تنفذ الأوامر! هنا، نفذ صبر سيدريك تماماً. تحولت ملامحه الجذابة في لحظة إلى قناعٍ من الموت والغل. قبض بيده القوية على فكها، وضغط بإبهامه على عظمة وجنتها حتى كادت تتحطم، وأجبرها على النظر مباشرة في عينيه اللتين اشتعلتا ببريقٍ شيطاني: —لقد انتهى وقت المداعبة والأسئلة المهذبة يا ماري! بؤبؤ عينيكِ يرتجف رعباً كلما نطقتُ باسم 'كارولين'، وصمتكِ الآن يكاد يصرخ بالحقيقة التي تحاولين دفنها. أنتِ وأوزريك تتاجران بدم الملك، وتلعبان بأرواحنا كأنها أحجار شطرنج. إذا لم يخرج الاعتراف من لسانكِ الآن، وإذا لم تؤكدي لي أن كارولين هي كيمارا التي هربت قبل وصولها إلينا، فسأنتزع الحقيقة من حنجرتكِ مع روحكِ. زاد من ضغط يده وهو يهمس بوعيدٍ قاطع: —سأذهب أنا بنفسي وأحضر تلك 'الخرساء' من أي جحر اختبأت فيه، سأقلب الممالك المجاورة حجراً حجراً حتى أجدها. وحينها، سأحرص على أن يكون أوزريك أول من يشاهد جثتكِ معلقة على أبواب أركونيا قبل أن نصل إليه في فالاريا ونسحقه هو الآخر. انطقي.. هل كارولين هي نفسها كيمارا؟ بكت ماري بنحيبٍ مرير، وشعرت بأن الموت يلامس وجهها بيد سيدريك. لم تستطع النطق بالاسم صراحة خوفاً من بطش آرثر لو وجد كيمارا، لكن انهيارها التام كان الجواب الذي يبحث عنه سيدريك. اعتدل سيدريك في وقفته فجأة، ونفض قفازه الجلدي ببرودٍ قاتل، ونظر إليها باحتقارٍ شديد وكأنها حشرة ضارة: — ابقوا هذه السيدة في ضيافة الظلام الدامس.. امنعوا عنها النوم والطعام، فالعقول المنهكة تميل للبوح بأسرارها لتشتري لحظة راحة. أما أوزريك، فسأترك الملك آرثر يقرر كيف سيقتلع قلبه في فالاريا، بينما أذهب أنا لأقتفي أثر 'الفتاة الخرساء' التي ظننتم أنكم أبعدتموها عن طريقنا خرج سيدريك من القبو وهو يعدل ياقته، وفي ممره الطويل نحو جناح الملك، كان عقله يرسم مسارات الهروب المحتملة: —شهرٌ واحد.. وفتاة خرساء هربت قبل دخول القصر.. تيا وكارولين"، همس لنفسه بظلامٍ محبب وابتسامة مكرة، "يبدو أن ابنة الملك كانت بين أيدينا، وأوزريك سمح لها بالإفلات ليستخدمها ورقة ضغط هو وملكه. لكنه نسي أن الغربان ترى كل شيء من الأعلى. حوار خلفَ القضبان: ساد سجن "ديودار" السفلي صمتٌ خانق، لا يقطعه إلا صوت تقطير الماء على الأرضية الحجرية الباردة. كان روجيل يقبع في زنزانته، يلفه ظلامٌ يشبه السواد الذي حلّ في قلبه. لم تكن الصدمة من الأصفاد، بل من تلك الحقيقة التي سقطت فوق رأسه كالصاعقة؛ أمه، الملكة التي كان يظنها رمزاً للوقار، هي "اللص" الذي قتل الملكة رولين، وهي العقل المدبر لكل هذا الدنس. فجأة، اخترق السكون صوتٌ مألوف، لكنه كان مشروخاً بالذعر والحقد. كان صوت جولينا القادم من الزنزانة المجاورة، صوتٌ خفيض لكنه يصل إليه بوضوحٍ مرعب: —روجيل.. هل تسمعني يا بُني؟ لا تستسلم لهذا الضعف.. ميدار شاخ وعقله تآكل، ورونال ليس إلا طفلاً يحاول الانتقام لماضٍ لم يره. كل ما فعلته كان لأجلك، لتمشي أنت على سجاد من حرير، لا على دماء الخادمات. تلك الفتاة كارولين كانت لعنة، وكان يجب محوها..صدقني. ظل روجيل صامتاً، جسده يرتجف ويداه تقبضان على القضبان الحديدية بقوة جعلت مفاصله تبيضّ. كانت كلمات أمه تنهش ما تبقى من كبريائه، وكأن كل كلمة منها تطعنه بخنجر مسموم. تابعت جولينا بفحيحٍ محموم: —لماذا الصمت؟ أنا أمك! لولا طعنتي لـ"لرولين" تلك قبل عشرين عاماً، لما كنتَ أنت اليوم ولياً للعهد. السلطة لا تُنال بالصلاة يا روجيل، بل تُنتزع بالدم. رونال كشفنا، لكن اللعبة لم تنتهِ بعد، فما زال لديّ... — اصمتي! دوى صراخ روجيل في الرواق المظلم، صرخةٌ خرجت من أعماق روحه المحطمة، اهتزت لها جدران السجن. وقف روجيل ووجهه ملتصق بالحديد، وعيناه تفيضان بمرارةٍ لم يعرفها قط، وبدأ يتحدث بنبرةٍ تقطر قهراً وعتاباً: —أي سلطة تتحدثين عنها وأنتِ جعلتِ من حياتي كذبةً كبرى؟ كنتُ أنظر إليكِ كملكة، فإذا بكِ مجرد سفاحة تختبئ خلف أثواب الحرير! لقد أطعمتِني بيدين ملطختين بدم امرأةٍ بريئة، وجعلتِني أحتقر رونال وأنا لا أعلم أنني ابن المرأة التي يتمت أمَّه! ساد صمتٌ قصير من جانب جولينا، لكن روجيل لم يتوقف، بل استمر ينهرها بصوتٍ يملؤه الاحتقار: —كنتِ تزرعين الغل في قلبي تجاه أخي، بينما الغل الحقيقي كان ينبض في صدركِ أنتِ. استأجرتِ القتلة، وخططتِ لتدنيس شرف فتاة لا تملك إلا صمتها، وكل ذلك باسم حمايتي؟ أنتِ لم تحمِني يا أمي، أنتِ ذبحتِ شرفي قبل أن يلمس رونال شعرةً مني. بسبكِ سأقضي ما تبقى من عمري في هذا القبو، وبسببكِ سأرى نظرة الاحتقار في عيني والدي كلما تذكر أنني قطعةٌ منكِ! ثم أضاف بصوتٍ يملؤه الندم اللاذع: —لقد دللتِني حتى ملأتِ قلبي برغبة تملك كل شيء.. جعلتِ مني شخصاً تافهاً كل ما يهمه هو جمع الخادمات والفتيات الضعيفات وفعل كل شيء مشين! بينما كان رونال يحارب بشجاعةٍ على الحدود ويواجه الموت كل لحظه، كنتُ أنا نائماً في بحرٍ من الرذيلة.. كل هذا القبح، كل هذا العار، كان بسببكِ أنتِ! لقد أهديتِني قصراً من ذهب، لكنكِ بنيتِه فوق مستنقع من الأوساخ. حاولت جولينا أن تنطق: —لكن يا بني، الملوك.. قاطعها بحدةٍ وصرامة: —الملوك لا يقتلون غدراً في غرف النوم! الملوك لا يستأجرون القتلة المأجورين لقتل خادمات! لقد سقط القناع يا جولينا، ولم يتبقَ خلفه إلا وجهٌ قبيح للغدر. لا تناديني بابنكِ بعد الآن، فمن يقتل ليس له حقٌ في الأمومة. اذهبي إلى مشنقتكِ وأنتِ تعلمين أنكِ لم تقتلي رولين فقط، بل قتلتِني أنا أيضاً قبل أن أولد! لن ٱسامحك اذهبي للجحيم ارتد روجيل إلى زاوية زنزانته، ووضع رأسه بين يديه وهو ينتحب بصمت، بينما ظلت جولينا خلف الجدار تحاول مناداته، لكن صوتها تلاشى أمام جدار الكراهية الذي بناه ابنها في لحظة الحقيقة. جسر الحنين : في زاويةٍ هادئة من الجناح الملحق بقصر "ديودار"، حيث بدأت خيوط الشمس الأولى تداعب الستائر الحريرية، كانت تيا تحزم أغراضها القليلة في صرةٍ قماشية. لم تكن حركاتها مضطربة هذه المرة، بل كانت هادئة، يملؤها ذلك النوع من الإصرار الذي يسبق الرحيل. التفتت لتجد كيمارا تقف عند مدخل الغرفة، تراقبها بعينين تفيضان بالتساؤل والقلق الصامت. توقفت تيا عن حزم امنتعاتها، وأخذت نفساً عميقاً وهي تمسح كفيها بطرف ثوبها، ثم قالت بنبرةٍ دافئة مشوبة بالحنين: —كارولين.. أقصد أيتها الأميرة كيمارا، لا تنظري إليّ وكأنني أرتكبُ حماقة. لقد مضى شهرٌ كامل منذ غادرنا أركونيا في تلك الليلة التي تشبه الكابوس. شهرٌ وأنا لا يغمض لي جفنٌ كلما تذكرت والدي؛ إنه وحيدٌ هناك، يعافر الحياة بظهره المنحني ويده المرتجفه في ذلك المتجر الصغير. لقد قضيتُ وقتاً طويلاً بعيدة عنه، وهو الآن لا يحتاج فقط إلى من يساعده في حمل الأثقال أو تنظيم العمل، بل يحتاج إلى ابنةٍ تخبره بأنها لا تزال تتنفس، وأن غيابها لم يكن موتاً. خطت تيا نحو كيمارا وأمسكت يديها بقوة، وتابعت بابتسامةٍ هادئة تحاول تبديد الغيوم من وجه صديقتها: —لا تقلقي عليّ، فأنا ابنة الأسواق وأعرف كيف أتوارى عن الأنظار حين يتطلب الأمر. ثم إن قلبي بات مطمئناً عليكِ الآن كما لم يكن من قبل. لستِ تلك الفتاة التائهة التي كانت تختبئ خلفي من وقع أقدام الحراس؛ أنتِ الآن في أيدٍ أمينة، في كنف الملك ميدار، وتحت حماية الأمير رونال.. ذلك الرجل الذي يبدو وكأنه نذر حياته ليكون درعكِ وحقيقتكِ. وجودكِ في حمايته جعلني أتنفس الصعداء، وأدرك أنني أستطيع الرحيل والعودة لوالدي وأنا أعلم أنكِ لن تضيعي مرة أخرى. غير ذلك فأنتِ أميرة تعرف جيداً حياة الملوك سكتت تيا قليلاً، ثم أضافت بلمحة من مكرها المعهود وغمزةٍ خفيفة لتلطيف الأجواء: — بالإضافة إلى ذلك إيضاً، أريد أن أكون عينيكِ التي لا تنام في أركونيا. سأذهب لأعيش بين الناس العاديين، أجس نبض المملكة، وأسمع ما يتداوله الناس في المقاهي والأسواق عما يدور خلف أسوار القصر. سأكون هناك، أراقب من بعيد، لكي أعرف كيف تمهد لكِ الأقدار طريق العودة. أريد أن أطمئن أن أركونيا لا تزال تليق بكِ حين تقررين استعادة تاجكِ. شددت تيا على يد كيمارا وأكملت بصوتٍ يملؤه الوفاء: — سأعتني بوالدي، وسأنتظر اليوم الذي تشرق فيه شمسكِ على مملكتنا من جديد. وإلى ذلك الحين، أعديني ألا تنسي أنكِ تلك الفتاة القوية التي عبرت الغابات بقلبٍ لا يرتجف. ابقي قوية لأجلي، ولأجل الذكريات التي جمعتنا، ودعي رونال يتولى مهمة حراسة الأميرة، أما أنا.. فسأتولى مهمة حراسة الحقيقة في قلوب الناس هناك. ساشتاق إليكِ أومأت كيمارا برأسها، والدموع تترقرق في عينيها؛ فقد أدركت أن تيا ليست مجرد رفيقة هروب، بل هي الروح التي تمنحها الشجاعة لمواجهة ما هو قادم. عانقتها تيا عناقاً طويلاً، وكأنها تودع فيها كل الخوف الذي تشاركتاه، لتبدأ رحلة العودة إلى الديار بقلبٍ مخلص. اعترافٌ تحت ضوء القمر: مرت الأيام في "ديودار" كأنها نسيجٌ ناعم من الهدوء الحذر، وفي كل غروب كانت الحواجز بين رونال وكيمارا تتلاشى، لتحل محلها خيوطٌ غير مرئية من المودة العميقة. لم يعد رونال يرى فيها مجرد "كارولين الخرساء" التي أنقذها من براثن الغابة، بل رأى روحاً متمردة، ذكية، وعميقة كبحرٍ هادئ يخبئ خلفه عواصف من الكبرياء الملكي. أما هي، فقد وجدت في هذا الفارس الجسور حصناً لم يكن مجرد جدران وأسوار، بل قلباً ينبض بالنبل، حتى وجد كلاهما نفسه وقد سقطاَ في فخٍّ لم يخططا له.. سهم الحب الذي لا يخطئ هدفه مهما كانت الدروع متينة. في ليلةٍ مقمرة، فوق شرفة القصر العالية حيث تهمس الرياح بأسرار الجبال، وقفا معاً يرقبان الأفق. كان الصمت بينهما ثقيلاً هذه المرة، كأنه غيمة تنتظر الصاعقة لتبدأ العاصفة. التفت رونال نحوها، وكان ضوء القمر ينعكس على نصل سيفه وعلى بريق عينيه الواثقتين، وقال بصوتٍ يملؤه الحنان المثقل بالتساؤل: —تعلمين يا كارولين.. أو أياً كان الاسم الذي تخبئه تلك العيون، لقد اعتدتُ على صمتكِ، لكن قلبي بدأ يترجم نظراتكِ إلى حواراتٍ لا تنتهي. أشعر أن خلف هذا السكون جبلاً من الأسرار، وأن هذا الصمت ليس عجزاً في حنجرتكِ، بل هو اختيارٌ لروحٍ تخشى أن يفتضح أمرها. لقد حاربتُ الموت لأجلكِ، وأعتقد أن لي الحق الآن أن أعرف.. من هي الفتاة التي جعلت فارس ديودار ينسى كيف يغمد سيفه بعيداً عن شرفتها؟ هل أنتِ حقاً من تدعين، أم أن القدر ألقى بي في طريق ملاكٍ هارب من السماء؟ نظرت إليه كيمارا، وشعرت أن الصمت لم يعد درعاً بل أصبح خنقاً يمزق صدرها. أخذت نفساً عميقاً، ولأول مرة، لم تمد يدها للورقة والقلم، بل نظرت في عينيه مباشرة، وقررت أن تمنحه أعلى درجات الثقة.. صوتها. قالت بنبرةٍ متهدجة، رخيمة، تحمل وقاراً ملكياً فطرياً: —أنا كيمارا.. ابنة الملك آرثر، ووريثة عرش أركونيا التي يظن الجميع أنها فُقدت في زحام الغدر. تجمد رونال في مكانه، ورغم توقعه لحقيقة كبرى، إلا أن رنين صوتها ووقع الاسم كان لهما أثر الزلزال. تراجعت كيمارا خطوة، والدموع تترقرق في عينيها، وتابعت بمرارةٍ: —لقد هربتُ يا رونال.. لم أهرب من غزوٍ خارجي أو وحوشٍ كاسرة، بل هربتُ من أبي. نعم، الملك آرثر الذي يرتعد الجميع عند ذكر اسمه، كان بالنسبة لي هو الوحش الأكبر. قصر أركونيا لم يكن بيتاً، بل كان سِجناً بناه والدي بقضبان من ذهب، وأسوارٍ من الأوامر التي لا تقبل النقاش. هو لا يرى فيّ ابنةً، بل يرى فيّ امتداداً لسلطته، أداةً يحركها في صفقاته السياسية القذرة. لقد أراد أن يسلبني حتى حقي في اختيار قدري، وأراد أن يبيعني في سوق المصالح كما تُباع الجياد الأصيلة.. أرادني جثة بلا روح تحمل تاجاً بلا معنى. اقتربت منه مرة أخرى، وصوتها يزداد قوة وثباتاً، بينما تلمع عيناها بوميض التمرد: —لقد اخترتُ أن أكون 'كارولين الخرساء' في نظر العالم، على أن أكون 'الأميرة الأسيرة' في نظر أبي. هربتُ لأعيش حرة، لأتنفس هواءً لا يشوبه غدر القصور وتكبر الملك الذي لا يرحم. أردتُ أن أثبت لنفسي أنني أستطيع العيش بكرامتي، بعيداً عن صراخه وتحكماته التي كانت تخنق أنفاسي كل صباح. لقد اشتريتُ حريتي بصمتي، وفضلتُ أن أكون خادمةً تجيد العمل بيديها، على أن أكون ملكةً مسلوبة الإرادة، ترتدي تاجاً يزن أكثر من قدرتها على الاحتمال في سجن آرثر. أرأيت؟ أنا لستُ الملاك الذي ظننته.. أنا مجرد هاربة من بطش أب لا يعرف للرحمة سبيلاً. صمتت كيمارا وهي تراقب رد فعله، ثم أضافت بابتسامةٍ ساخرة وموجعة تنم عن ذكاءٍ حاد: —والآن يا رونال.. بعد أن عرفتَ أنك لا تحمي مجرد لاجئة غامضة، بل تحمي تمرد ابنةٍ على ملك أركونيا العظيم.. هل ستظل تنظر إليّ بنفس الطريقة؟ أم أنك ستحسبها بعقل القائد العسكري، وتدرك أن إعادتي لذاك القبر المرمر قد تمنح مملكتك سلاماً مع والدي؟ هل ستضحي بـ كارولين الخادمة من أجل هدوء حدودك؟ لم ينطق رونال بكلمة في البداية، بل اقترب منها ببطءٍ شديد حتى لم يعد يفصلهما سوى أنفاسهما المضطربة. أمسك وجهها بين يديه بقداسةٍ نادرة، وكأنه يمسك بكنزٍ لا يقدر بثمن، ونظر في عينيها بعمقٍ جعل قلبها يرتجف، ثم قال بصوتٍ يملؤه الحب واليقين الذي لا يتزعزع: —لقد أحببتُ كارولين التي واجهت القدر بصلابة، وسأعشق كيمارا التي هزمت جبروت الملك بتمردها. صدقيني يا كيمارا، لو خُيرت بين سلام العالم كله وبين رؤية دمعة خوفٍ واحدة في عينيكِ، لاخترتُ الحرب لأجلكِ. إذا كان آرثر هو والدكِ بالدم، فاعلمي أنني سأكون لكِ العالم أجمع بالوفاء. أنتِ لستِ أداةً، ولن تكوني يوماً وسيلة لمصلحة ما دمتُ أتنفس. أنتِ النور الذي أضاء لي خفايا روحي، والنبض الذي أعاد لسيفي معناه. انحنى رونال قليلاً حتى همس في اذنيها بهمسٍ يذيب الحجر: —وإذا كان هو قد بنى لكِ سجناً من ذهب، فاعلمي أن صدري هو موطنكِ الحر، وقلبي هو عرشكِ الحقيقي. لن تلمسكِ يدٌ سوى يدي بالسكينة، ولن تطأ قدمكِ أرضاً لا ترغبين بها. لو وقف آرثر وجيوشه خلف هذه الأبواب يطالبون بدميتهم، سأكون أنا وسيفي الجسور أول من يردعهم عن انتزاع حريتكِ. أنتِ الآن كيمارا ديودار.. وأميرة قلبي التي لا تُسلم أبداً. في تلك اللحظة، وتحت ضوء القمر الشاهد على أغرب قصص الحب الوفاء، تلاشت كل المخاوف، وذاب العناد في عناقٍ طويل أعاد ترتيب ذرات الكون حولهما. أدركت كيمارا أن الحرية التي بحثت عنها لم تكن في الهروب فقط، بل كانت في العثور على قلبٍ كقلب رونال، يرى فيها الروح قبل أن يرى فيها التاج، ويقدس الإنسانة قبل أن يخشى الملك.