سجينة في قصر أبي - الفصل الثامن عشر - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: سجينة في قصر أبي
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثامن عشر

الفصل الثامن عشر

ما وراء الصمت: مع تعاقب الأيام في قصر ديودار، لم تعد تلك اللقاءات بين رونال وكارولين (كيمارا) مجرد مصادفات تفرضها أروقة القصر الباردة، بل استحالت ميناءً سرياً ترسو فيه سفن أرواحهما المتعبة. ورغم أن رونال بات يوقن تمام اليقين أن "كارولين" تخفي خلف صمتها لسانًا فصيحًا، إلا أنه بفروسية نادرة، لم يحاول انتزاع الحقيقة منها عنوة. لقد قرر أن يمنحها أثمن ما يملكه أمير في عالم المكايد، الأمان. في إحدى الليالي، حيث كان الضباب يلف حدائق القصر ككفنٍ من الحرير، التقيا عند النافورة القديمة المهجورة. كانت كيمارا تنظر إلى الماء وكأنها تبحث عن وجهها القديم، غارقة في صمتها الذي لم يعد يزعج رونال، بل بات يفهمه كأنه لغة قائمة بذاتها. وقف رونال على مسافة تحترم خصوصيتها، وقال بصوته الرخيم الذي يحمل وقار الجبال: — لا زلتِ تطاردين الأطياف في الماء يا كارولين؟ أحياناً، يكون الهروب إلى الداخل أصعب من الهرب عبر الحدود. لقد قضيتِ وقتاً طويلاً في تمثيل دور 'العدم'، حتى خلتُ أنكِ بدأتِ تصدقين أنكِ مجرد خادمة عابرة في هذا القصر الكئيب.. لكن عينيكِ تكذبان هذا الرداء في كل مرة تلتقيان بعيني. التفتت إليه كيمارا، وكانت عيناها تلمعان ببريقٍ غامض تحت ضوء القمر، ونطقت بصوتها الذي بات يخرج بطلاقة أكبر أمام رونال وحده: — أحياناً يا سيدي، يكون الصمت هو الثوب الوحيد الذي لا يمزقه الغدر. كارولين التي تراها الآن هي مجرد قشرة احتميتُ بها من عالمٍ لا يرحم. أما ما تحتها... فهو حطامٌ أخشى أن يجرّك معه إلى القاع إذا حاولتَ انتشاله. خطا رونال خطوة واحدة نحوها، وبابتسامةٍ هادئة تحمل مكرًا محببًا وذكياً امسك يدها الاثنان برفق و قال: — وأنا سبّاحٌ ماهر في بحور المتاعب، والتحطم ليس غريباً على من يعيش في قصرٍ تسكنه أطماع جولينا وجموح روجيل. لقد لاحظتُ نظراتكِ مؤخراً؛ نظرات امرأةٍ تنتمي للتيجان لا للقدور والمكانس. تلك القوة التي تحاولين وأدها هي ما يجعلني أنتظر كل يوم لأسمع منكِ كلمة واحدة.. كلمة تشعرني أنني لستُ الوحيد الذي يرتدي قناعاً هنا. تنهدت كيمارا بعمق، وشعرت بأن أسوار قلبها تتداعى أمام هذا الأمير الذي لا يشبه روجيل في دناءته، ولا جولينا في قسوتها. اقتربت قليلاً وقالت بنبرة يغلفها الغموض: — أنت تراهن على سرٍ قد يؤذيك يا رونال. لماذا تصر على مرافقة فتاة لا تملك حتى اسماً حقيقياً تخبرك به دون أن يرتجف قلبها؟ لمعت عينا رونال بإصرارٍ وقور، وردّ بلهجةٍ قاطعة: — لأن هذا السر يملك كبرياءً تفتقر إليه تيجان الممالك التي أعرفها. ولأنني، ولأول مرة منذ سنوات، أشعر أنني لا أتحدث إلى 'وظيفة' أو 'رتبة'، بل إلى إنسانة حقيقية. لا يهم ما هو اسمكِ الحقيقي الآن، ما يهمني هو أنني وجدتُ في 'كارولين' الصديق الذي يفهمني دون أن أضطر لشرح ثقل تاجي. صمتت كيمارا لبرهة، ثم قالت بصوتٍ خافت: — وماذا لو اكتشفتَ أن صداقتي هي مغامرةٌ محفوفة بالمخاطر؟ ضحك رونال ضحكةً منخفضة وجذابة، وقال وهو يهمّ بالانصراف ليتركها مع أفكارها: — إذن سأحرص على أن أكون رفيقكِ الأكثر أناقة في تلك المغامرة. اذهبي لترتاحي الآن يا كارولين، واعلمي أنني سأظل هنا، ليس لأكشف سركِ قبل أوانه، بل لأكون الجدار الذي تتحطم عليه محاولات روجيل للعبث بهدوئكِ مرة اخري.اعدك بأنني سأبقي بجانبكِ دائما عودةُ الغربان وأركونيا تستقبلُ نذيرَ الشؤم: 4 ايام من السفر المضني، وتحت وطأة سماءٍ ملبدة بغيومٍ رصاصية، برزت أسوار أركونيا العظيمة من خلف الأفق كعملاقٍ من حجرٍ أسود يربض فوق هضبة الخيانة. لم تكن القافلة الملكية تحمل بهجة الفاتحين، ولا صخب العائدين بالغنائم؛ بل كانت تسير بإيقاعٍ جنائزيّ رتيب، لا يقطعه إلا صليل السيوف ووقع حوافر الخيول التي أنهكها الطريق. كان آرثر في مقدمة الركب، ممتطياً جواده بجمود تمثالٍ من رخام، عيناه الغائرتان لم تغلقا لثانية واحدة طوال الرحلة، وكأنه يخشى أن تغافله أشباح "فالاريا" في منامه. أما سيدريك، فقد كان يتبع الملك كظله الأسود، يلف نفسه بوشاحه القاتم، وعيناه تراقبان غبار الطريق بمكرٍ شديد، وكأنه يقرأ في ذرات التراب ملامح الرؤوس التي قرر أن يقطفها فور وصوله. عندما اجتازت الخيول البوابة العملاقة، ساد صمتٌ مريب في شوارع المدينة. لم يخرج العامة للهتاف، بل كانوا يختلسون النظر من خلف الشقوق والنوافذ الموصدة؛ فالجميع في أركونيا يعلم أن الملك لا يعود من رحلةٍ مفاجئة وبهذا الهدوء إلا ويتبعه عصفور "سيدريك" الذي لا يغرد إلا قبل هطول دماء المشانق. ترجل آرثر عن جواده في ساحة القصر الكبرى بجمودٍ مخيف، فنفض الغبار عن ثيابه بحركةٍ عصبية، بينما تقدم الحرس بوجل، واصطفوا برؤوسٍ منكسة. ظل سيدريك فوق جواده لثوانٍ إضافية، يمسح الشرفات العالية بنظراته الفاحصة، باحثاً عن الوجوه التي ارتبكت برؤيته، والعيون التي اختبأت خلف الستائر. قال آرثر بصوتٍ أجش، والشرر يتطاير من عينيه المتعبتين: — رائحة أركونيا لم تتغير يا سيدريك.. لا تزال تفوح منها رائحة المؤامرات التي تختبئ خلف بخور القصور. أشعر وكأن الجدران نفسها تهمس بأسرارٍ يحاول الجميع دفنها. رد سيدريك وهو يترجل ببرودٍ قاتل، ويعدل قفازاته الجلدية ببطءٍ مستفز: — البيوت القديمة يا مولاي تحتاج دائماً إلى 'رياحٍ' عاتية لتطهرها من الغبار.. وأحياناً نحتاج لهدم بعض الأعمدة المسوسة لكي لا ينهار السقف فوق رؤوسنا جميعاً. جيمار ظن أنه أبعدنا عن الساحة ليلعب من خلفنا، لكنه أحمق؛ فهو لا يعلم أننا عدنا لنغير قواعد اللعبة من الداخل، وبأيدينا نحن. في تلك اللحظة، فتحت الأبواب الضخمة، وظهرت ماري بوقارٍ مهزوز، تحاول رسم ابتسامة الترحيب على وجهها الذي غشاه شحوب الموت، بخطواتٍ متعثرة وعرقٍ يتصبب من جبينها رغم برودة الجو. همس سيدريك لآرثر وهو يبتسم ابتسامةً خفية وجذابة، لا تبشر بخير أبداً: — انظر إليها يا مولاي.. ترتدي حرير الولاء، بينما قلوبها يرتجف كأوراق الشجر في عاصفة الخريف. لا تمنحها غضبك الآن، فالغضب اعترافٌ بالألم. امنحها صمتك.. فالصمت هو الزنزانة الضيقة التي سنحبسها فيها حتى تنهار حصونها من تلقاء نفسها وتبدأ بالاعتراف. تقدمت ماري ببطء، وحاولت جاهدة أن تبدو طبيعية وهي تقول بانحناءة بسيطه: — أهلاً بعودتك يا جلالة الملك.. لقد أظلمت أركونيا في غيابك، وكنا نعد الساعات لرجوعك سالماً. نظر إليها آرثر نظرةً باردة كادت تجمد الدماء في عروقها، نظرة اخترقت قناع براءتها المزيف، ثم مرّ من جانبها دون أن ينطق بحرف واحد، وكأنها مجرد حجرٍ صم في طريقه. بقي سيدريك واقفاً أمامها تماماً، سدّ عليها الطريق بجسده الممشوق، ثم انحنى برأسه قليلاً ليرى الرعب في بؤبؤ عينيها، وقال بفحيحٍ هادئ يقطر سماً: — مظلمة؟ لا تقلقي يا ماري.. لقد عدنا ومعنا 'مشاعل' كافية لإضاءة كل الزوايا المظلمة في هذا القصر.. حتى تلك الغرف السرية التي ظننتم أن أبوابها لن تفتح أبداً. استعدي، فليل أركونيا سيكون طويلاً جداً هذه المرة. تركها سيدريك تتجرع رعبها ولحق بالملك، بينما بقيت ماري واقداً في مكانها، تشعر وكأن نصل مقصلة سيدريك قد لامس رقبتها بالفعل. صرخةٌ في الخفاء: خلف أبواب قاعة العرش الموصدة، كان الملك ميدار يقف أمام النافذة الضخمة، يتأمل مملكته بصمتٍ يثقله التعب. لم يكن يعلم أن العاصفة لا تأتي دائماً من خلف الحدود، بل قد تولد في الغرف المجاورة. قاطع خلوته دخول تيا المفاجئ؛ كانت أنفاسها متلاحقة، ووجهها شاحب كمن عاد من القبر، وعيناها تفيضان برعبٍ لم يستطع كبريائها إخفاءه. سقطت تيا عند قدميه، وهي تنتحب بصوتٍ خافت وتتوسل اليه: — جلالة الملك.. أرجوك، أنقذها! كارولين في خطر.. إنهم ينسجون لها كفناً من العار وهي لا تزال حية! عقد ميدار حاجبيه بصرامة، واقترب منها قائلاً بصوتٍ آمر: — تحدثي يا تيا، ما الذي دهاكِ؟ ومن الذي يجرؤ على المساس بمن في عهدة القصر وحمايتي؟ أغمضت تيا عينيها، ليعود بها الذاكرة إلى تلك اللحظة المشؤومة قبل ساعات.. (فلاش باك) كانت تيا تسير في الردهة العلوية المؤدية إلى جناح الملكة، تحمل بعض الأقمشة الحريرية، حين تناهى إلى مسامعها فحيح كلماتٍ لم تكن مخصصة لآذان الغرباء. توقفت خلف عمودٍ رخامي ضخم، وحبست أنفاسها وهي ترى جولينا تقف بجانب روجيل، والغل يكسو ملامحها. سمعت جولينا تقول بنبرةٍ تقطر سماً: — لقد تم الأمر يا روجيل. سأرسل في طلبها الليلة بحجة أمر لخدمتك، سيكون وجهتها غرفتك. افعل بها ما تشاء، اكسر ذلك الكبرياء الذي يختبئ خلف صمتها، وحين يرتفع صراخها، سأكون أنا والملك ورونال عند الباب.. لنشهد على سقوط 'الخادمة العفيفة' في وحل الرذيلة. ضحك روجيل ضحكةً مكتومة، وشرارة الرغبة الدنيئة تلمع في عينيه: — سأجعل رونال يرى 'ملاكه' وهي تتوسل إليّ، وسيكون طردها من ديودار بالجلد هو أقل ما ينتظرها. (العودة إلى الحاضر) فتحت تيا عينيها، والدموع تنهمر على وجنتيها، وقالت بشهيقٍ مرير: — سمعتهم يا مولاي.. الملكة والامير روجيل يخططون لاستدراجها لغرفته ليلاً، ليوهموك بأنها هي من ذهبت إليه، ليتم طردها وإذلالها أمام الجميع. إنهم يقتلون روحها يا سيدي قبل جسدها! تجمد ميدار في مكانه، وشعر ببرودةٍ تسري في عروقه. لم يكن يتخيل أن دناءة ابنه وزوجته قد تصل إلى حد تدنيس شرف القصر من أجل غيرة عمياء و حقدٍ دفين على فتاةٍ لا تملك سوى صمتها. احتقن وجهه بالغضب، وقبض بيده على سيفه حتى كادت عظام يده تبرز. قال ميدار بنبرةٍ هادئة، لكنها الهدوء الذي يسبق الإعصار: — هكذا إذن؟ جولينا تريد مسرحيةً لتسلية القصر؟ وروجيل يريد أن يثبت رجولته بالغدر؟ التفت إلى تيا وأمسك بكتفها بلطف ليطمئنها: — اذهبي الآن يا تيا.. لا تنبسي ببنت شفة لـ 'كارولين' أو لأي شخصٍ آخر. دعي الفخ يُنصب كما أرادوا، ودعيهم يظنون أننا غافلون. ولكن، قولي لـ رونال أن يأتيني فوراً دون أن يراه أحد. إذا أرادت جولينا مسرحية، فسأكون أنا المخرج، وسأجعل الستار يسقط على رؤوسهم جميعاً. خرجت تيا وهي ترتجف، بينما بقي ميدار في القاعة، وعيناه تلمعان بتوعدٍ مرعب؛ فقد قرر أن الليلة لن تكون ليلة انكسار كيمارا، بل ليلة سقوط الأقنعة عن وجوه الأفاعي التي سكنت قصره طويلاً. استدعاءُ الموت والمواجهة: خلف الأبواب الضخمة لمكتب الملك آرثر، ساد صمتٌ خانق لا يقطعه إلا طقطقة النيران في الموقد، والتي كانت تعكس وهج الغضب المكتوم في عيني الملك. لم يخلع آرثر ثياب سفره بعد؛ فدرعه الملطخ بغبار الطريق كان يعطيه هيئة محاربٍ لا ملكٍ يستعد للنوم. وبجانبه، كان سيدريك يتكئ بظهره على خزانة الكتب العتيقة، يداعب طرف خنجره ببرودٍ يقشعر له البدن، وعيناه تراقب بذكاءٍ خبيث الباب الذي سيشهد سقوط قناعٍ طالما خدع البلاط. قال آرثر بنبرةٍ خفيضة، لكنها تحمل ثقل الجبال: — ماري... دعيها تأتي الآن. أريد أن أرى كيف ستصمد ملامحها 'الوفية' أمام الحقيقة التي أحملها في جعبتي من رحلة الخداع في فالاريا. بعد دقائق معدوده، انفتح الباب ببطء، ودخلت ماري وهي تحاول لملمة شتات نفسها، ترتدي ثوباً من الحرير الفاخر وتضع على وجهها قناع الهدوء المصطنع. انحنت بوقارٍ مبالغ فيه، وقالت بصوتٍ حاولت أن تجعله رقيقاً كالحرير: — طلبتني يا جلالة الملك؟ حمدًا لله على عودتك المظفرة.. الجميع هنا، وأنا أولهم، كنا بانتظار طلتك ليعود الأمان إلى القصر. لم يرد آرثر بكلمة، بل ظل يحدق فيها بنظرةٍ اخترقت كل طبقات زيفها، حتى شعرت ماري أن الهواء ينسحب من الغرفة. كسر سيدريك الصمت بضحكةٍ خافتة، ناعمة، وخطيرة كفحيح الأفعى: —الأمان؟ بل قولي انكِ كنتِ 'مشغولة' للغاية يا ماري. مشغولة بالرسائل التي تُكتب في أنصاف الليالي، وبالاتفاقات التي تُبرم خلف الستائر مع أوزريك.. وبالوعود التي قُدمت للملك جيمار لبيع ما لا تملكون. تجمدت الدماء في عروق ماري، والتفتت نحو سيدريك بذعر، لكنها حاولت المناورة بآخر ما تملك من كبرياء زائف: — لا أفهم عما تتحدث عنه سيد سيدريك.. أنت دائماً ترى المؤامرات في كل زاوية. أنا مجرد سيدة عجوز في خدمة هذا البلاط، لا شأن لي بصراعات الملوك ولا بأطماعهم ضرب آرثر الطاولة بقبضته الحديدية ضربةً زلزلت أركان الغرفة، وصرخ بوجهها: — كفى هراءً! هل تظنين أنني غبي؟ أم أنكِ استهنتِ بظلّي الذي لا ينام؟ لقد انتهت المسرحية التي بدأت من هنا وانتهت بفضح امركِ انتِ واوزريك في فالاريا. كنتِ تظنين أنكِ بعيدة عن أعيننا، وأن سيدريك لن يشم رائحة خيانتكِ الفواحة من على بعد أميال؟ لقد كنتِ اليد التي مهدت لأوزريك طعن ظهري، واللسان الذي وشى بأسراري لجيمار مقابل وعودٍ بمنصبٍ أو ذهبٍ زائل. اليس كذلك انهارت ماري وسقطت على ركبتيها، والدموع تفر من عينيها ليس ندماً، بل ذعراً من المصير الذي قرأته في عيني آرثر الجامدتين. وقالت بنبرةٍ مرتعشة: — مولاي.. أرجوك! لم أكن وحدي.. أوزريك هو من أغواني، هو من قال إن الملك جيمار سيضمن لي البقاء بأمان في أركونيا.. تقدم آرثر منها بخطواتٍ ثقيلة، وانحنى ليمسك ذقنها بقوة أجبرتها على النظر إليه، وقال بصرامة: — أوزريك وضع الخطة، وأنتِ كنتِ الشريك الصامت الذي باركها. أخبريني الآن، وبكل تفصيل، ما الذي سلمه أوزريك لجواسيس جيمار قبل وصولنا بيوم؟ وما هي الورقة التي يظن جيمار أنه يملكها ليضغط بها عليّ؟ هل هي كيمارا ابنتي؟ تدخل سيدريك ببرود، وهو يقترب منها ويلامس طرف خنجره كتفها بتهديد مبطن: — تكلمي يا عزيزتي ماري، فالوقت في هذا القصر أصبح رفاهية لا تملكينها. هل بعتِ 'الأميرة كيمارا' فعلاً لهم؟ أم أنكِ كنتِ تخططين لشيءٍ أقذر من ذلك مع أوزريك؟ تذكري.. الصدق قد يمنحكِ موتاً رحيماً، أما الكذب.. فأساليبنا فيه تجعل الموت أمنية بعيدة المنال. شهقت ماري برعب، وأدركت أن ليلتها لن تنتهي بالاعتذار، بل باعترافٍ سينتزعه سيدريك قطعةً قطعة، وأن العرش الآن مقصلتها. ليلةُ السقوط.. حينَ يرتدُّ السّمُّ على الطباخ: خيم سكونٌ جنائزي على أروقة قصر ديودار، بينما كانت الملكة جولينا تراقب من خلف شقوق باب جناحها بابتسامةٍ شيطانية ولدت من رحم الحقد. لقد تم إرسال الرسالة المزيفة لـ كارولين (كيمارا)، تأمرها بالتوجه فوراً لغرفة الأمير روجيل. كانت جولينا تمسد كفوفها بزهو؛ فالفخ قد نُصب، والضحية في طريقها إلى الذبح المعنوي الذي سيجعل رونال يخجل من الدفاع عنها مجدداً. داخل غرفته، كان روجيل ينتظر بلهفةٍ قذرة. وفور سماعه وقع خطواتٍ خفيفة، ثم طرقاً خجولاً، قفز وجذب القادمة إلى الداخل بعنف، وهو يهمس بفحيحٍ مقزز: — أخيراً وقعتِ في قبضي يا جليلة الشأن.. الليلة سأعلمكِ أن صمتكِ لا يحميكِ، وأن رونال ليس إلا وهماً سيتبرأ منكِ حين يراكِ في فراشي! ارتفع صراخٌ مدوٍ (مفتعل)، وفي تلك اللحظة بالذات، ظهرت جولينا في الرواق وهي تنادي بصوتٍ مسرحي: — يا إلهي! ما هذا الضجيج في جناح ابني روجيل؟ أدركونا! جلالة الملك! رونال! هناك من يدنس حرمة القصر! انفتحت الأبواب على مصراعيها بفعل ركلةٍ قوية من الملك ميدار. وقف روجيل وهو يمسك بكتفي الفتاة، لكن الصدمة جعلت قلبه يتوقف. لم تكن الفتاة "كارولين"، بل كانت "تيا" التي كانت تبكي بانهيارٍ مخطط له بإتقان. عندما نزعت الوشاح عن وجهها (فلاش باك: مؤامرةُ الصمت) قبل ساعة من العاصفة، كان ميدار ورونال وتيا في خلوةٍ رسمية في مكتب الملك. كان رونال يتحدث بهدوءٍ مريب، واضعاً يده على كتف تيا: — يا أبي، جولينا وروجيل يخططان لإيقاع كارولين في فخٍ دنيء الليلة اليس كذلك.اذن.. ستُحل تيا محلها لنكشف وجههما الحقيقي أمامك وأمام الحرس. أريدك فقط أن تتبع صوت صراخ جولينا لترى 'براءتها' المزعومة. (العودة إلى الحاضر) ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، قطعه زئير الملك ميدار وهو ينظر إلى جولينا وابنه باحتقار: — إذن يا جولينا.. أردتِ لفت انتباهي لرذيلةٍ أنتِ من صنعتِ خيوطها؟ وتيا هي الضحية بدلاً من كارولين؟ هنا، تقدمت تيا وهي تمسح دموعها، وقالت بصوتٍ مرتجف ولكنه مسموع للجميع: — يا جلالة الملك.. الأمر أبشع من مجرد فخ شرف. الملكة جولينا لم تكتفِ بالخديعة، بل استأجرت قاتلاً مأجوراً لإنهاء حياة كارولين منذ ايام قليله! لقد سمعتها بأذني وهي تضع سعراً لرأسها، ولا أعرف من هو ذاك الوحش الذي باع ضميره لها، لكنني أعرف أن الموت كان يطارد كارولين في كل زاوية بأمر من الملكة!" التحمت الصدمة على وجه ميدار، لكن رونال خطى خطوة إلى الأمام، وتغيرت نبرة صوته إلى فحيحٍ مرعب، ونظرته لم تكن موجهة لروجيل، بل كانت تخترق روح جولينا. قال بصوتٍ هز جدران الغرفة: — يا أبي، تيا محقة.. جولينا متلهفه على القتل. هل تعلم لماذا؟ لأنها قبل أيام، تسللت لغرفة كارولين وبيدها خنجر لتطعنها بنفسها وهي نائمة! لولا يقظتي ومنعي لنصلها، لكانت كارولين الآن جثة هامدة! شهقت جولينا برعب وحاولت التراجع، لكن رونال لم يتوقف. اقترب منها وعيناه تفيضان ببريقٍ أسود كالجحيم، وصرخ بالصدمة التي زلزلت كيان القصر: — ولماذا نعجب من محاولتها طعن خادمة أو استئجار قتلة؟ وهي التي طعنت أمي.. الملكة السابقة رولين ، بدمٍ بارد وأمام عيني! سقطت الساعقة على روجيل، وتراجع ميدار للخلف وكأن الصاعقة ضربت صدره، وتمتم بصوتٍ واهن: — ماذا تقول يا رونال؟ أمك ماتت بطعنة قاتلٍ مأجور تسلل للقصر وهرب.. هكذا صرخت جولينا وقتها! انفجر رونال بمرارةٍ مكبوتة منذ عشرين عاماً: — كذبت وعلينا جميعاً! لم يكن هناك لص، ولم يكن هناك مأجور غريب! كنتُ في الخامسة من عمري، مختبئاً تحت السرير في جناح أمي أريد مفاجأتها باللعب، فرأيتُ جولينا وهي تدخل وتطعنها في صدرها ببرودٍ شيطاني! ثم بدأت تصرخ وتدعي وجود لص هارب لتغطي على جريمتها بدموع التماسيح! لقد رأيتُ الخنجر في يدها، ورأيتُ نظرة الغل في عينيها وهي تراقب أمي تنزف حتى الموت! التفت روجيل نحو أمه بذهولٍ تام، وقال بصوتٍ مهزوز: — أمي.. هل كنتِ أنتِ 'اللص'؟ هل كبرتُ وأنا أظن أن غريباً قتلها بينما القاتلة كانت تطعمني بيديها الملطخة بالدماء؟ جولينا، التي فقدت القدرة على الوقوف، انهارت على ركبتيها وهي تحاول النطق، لكن الكلمات تيبست في حلقها أمام نظرة ميدار التي تحولت من الصدمة إلى رغبةٍ جامحة في الفتك. اقترب منها ميدار وجذبها من وشاحها الملكي وزأر: — عشرون عاماً وأنا أشارك الفراش مع سفاحة؟ تقتلين رفيقة عمري، ثم تحاولين الليلة طعن فتاة بريئة في كرامتها واستئجار قاتل؟ التفت ميدار إلى الحرس، وصوته يرتجف من فرط القهر: —يُساق روجيل إلى أحلك زنزانة، فمن رضي بدناءة أمه لا يستحق ضوء الشمس مجددا. أما جولينا.. فتُساق إلى الساحة غداً، ليس كملكة، بل كقاتلة ليراها الشعب قبل أن تُعلق مشنقتها. الليلة لم تسقط الأقنعة فقط.. الليلة سقطت ديودار كلها في حدادٍ على ملكةٍ ظننا أن الغرباء قتلوها، بينما كان العدو ينام في أحضاننا. نفذوا الأمر لا اطيق النظر اليهم اكثر من ذلك.