الفصل السابع عشر
سُم الحقيقة:
ساد صمتٌ خانق في الغرفة، صمتٌ لم تقطعه سوى أنفاس ذلك الغريب المتلاحقة وهو يقف في مواجهة تيا وكيمارا. بعد ان خلع القناع، ورغم أن نصل الخنجر قد سقط، إلا أن نصل الحقيقة كان على وشك الذبح. لم يهرب الغريب، بل نزع القناع عن وجهه ببطء، ليظهر وجهٌ أرهقته غياهب السجون، بخدٍ يحمل ندبةً غائرة وعينين غارقتين في سواد الحزن القديم.
نظر إلى كيمارا التي كانت ترتجف فوق فراشها، وقال بصوتٍ هادئ يقطر وجعاً:
— لا تنظري إليّ وكأنني الوحش الوحيد في هذه الحكاية.. أنا "ساجين"، رجلٌ ماتت روحه في زنازين أركونيا قبل عشرين عاماً، ولم يخرج جسدي إلا ليحمل كفن أخي فقط
رفعت تيا حاجبها بحدة وهي لا تزال تمسك بقطعة ديكور معدنية ثقيلة كأنها سلاح:
— ساجين؟ سجينٌ هارب؟ وما علاقة قصتك البائسة بصديقتي؟ لقد قلتُ لك هي مجرد "كارولين"، توقف عن نسج الأساطير لتبرر جريمتك القذرة!
ضحك ساجين ضحكةً مريرة هزت جدران الغرفة، ثم وجه نظره مباشرة لعين كيمارا وقال بنبرة تملؤها السخرية من القدر: — كارولين؟ لا بل هي كيمارا.. ابنة "آرثر"، اللعين الذي يظن العالم أنه يحمي شرفه، بينما هو يحمي عرشاً بناه على جثث العشاق. هل سألتِ نفسكِ يوماً يا أميرة، لماذا تبدو عيناكِ غريبتين عن قسوة والدك؟ لأنكِ تحملين ملامح "إلينا".. المرأة التي كانت النور الوحيد في ظلام أخي "ارمان".
تجمدت كيمارا في مكانها، واتسعت عيناها بذهول، بينما وضعت تيا يدها على فمها وهي تشعر بهول ما سيُقال. تابع ساجين وهو يقترب خطوة، ونبرته تزداد حدة ومرارة:
— أخي "ارمان" كان فارساً في القصر فارس شجاع، لم يرتكب جرماً سوى أنه أحب الملكة "إلينا" وهي ايضا أحبته ولكنها كانت تحبه قبل زواجها من أرثر كانت وقتها فتاة قرويه باعها ابيها لآرثر رغما عن رغبتها.. كان حباً طاهراً ونقياً قبل أن يلوثه تاج والدكِ بالحقد. عندما علم آرثر بحبهما، لم يواجههما بشرف المحاربين، بل تآمر بخسة الأفاعي. أقام مأدبة "صلح" مزيفة دعا إليها أخي والملكة،اقنعهم انه سيبارك زواجهما وسيتركها له، وبابتسامةٍ باردة وضع السم في كؤوسهما.. قتلهما في نفس اللحظة بدم بارد!
شهقت كيمارا شهقةً مكتومة، وشعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها، بينما أكمل ساجين وصوته يرتجف بالبكاء المكبوت:
— رأيتُ أخي "ارمان" وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بين يديّ في الزنزانة التي ألقوني فيها بتهمة التستر، كان جسده يتحلل من أثر السم وهو يهمس باسم أمكِ حتى الرمق الأخير. آرثر لم يقتلهما فقط، بل محا ذكرهما، وجعلني أتعفن خلف القضبان لسنوات لكي لا أنطق بالحقيقة. والآن.. هل تفهمين لماذا جئتُ؟ لقد أقسمتُ فوق جثة أخي أنني سأحرق قلب آرثر في أعز ما يملك.. سأحرق قلبه فيكِ أنتِ! ولكن عندما جئتُ إلي هنا وتأجرت لأقتلك ماكنتِ اعرف ان الفتاة الريفيه هي هي كيمارا الأميرة الهاربه
انهارت كيمارا على ركبتيها فوق الفراش، وانفجرت في بكاءٍ صامت وصاعق، ثم هزت رأسها بعنف ونطقت بصوتٍ مبحوح: — أقسم لك.. أقسم لك أنني لم أكن أعرف شيئاً عن هذا! لقد عشتُ طوال عمري أظن أن أمي ماتت بمرضٍ مفاجئ وبائي، لم يخبرني أحد بأن والدي.. بأن الملك قد غدر بها. أنا لستُ هو! أنا لا أحمل ذنبه في دماء "ارمان" وأمي! صدقني ساجين
نظرت تيا بذهول إلى كيمارا وهي تسمعها تتحدث بوضوح لأول مرة أمام الغريب، ثم التفتت إلى ساجين وقالت بلهجةٍ فيها مزيج من الشفقة والغضب:
— لقد سمعتَها.. هي ضحيةٌ مثلك تماماً! آرثر سلبك أخاك، وسلبها أمها وحقيقتها، وعاش يخدع الجميع. هل ستكون نذلاً كوالدها وتقتل فتاةً بريئة لتشفي غليلاً لن ينتهي بدمها؟ هل هذا هو العدل الذي تنشده لـ "ارمان"؟
نظر ساجين إلى دموع كيمارا، وبدا وكأن صراعه الداخلي يمزقه، فأنزل رأسه وقال بصوتٍ منكسر:
— لقد كنتُ أظن أن دمكِ سيطفئ النار في صدري.. لكنني أرى في عينيكِ وجع "إلينا" ذاته وهي تنظر لأرمان قبل ان تلفظ انفاسها الأخيرة، وكأنها تطلب مني الرحمة لابنتها.
سألت تيا فجأة وهي تضيق عينيها لتربط خيوط المؤامرة: — مَن الذي استأجرك؟ مَن الذي عرف هويتها وأخرجك من جحرك ونبش في جرحك القديم ليرسلك لتنفيذ هذه المهمة هنا؟
رفع ساجين رأسه ونظر نحو باب الغرفة بحذر وهمس بفحيح مخيف:
— إنها الملكة "جولينا".. هي من أخرجتني من مخبئي ورتبت هربي، وهي من أعطتني الخنجر وأخبرتني أن موتكِ سيحمي القصر ويشفي ثأري القديم. جولينا ليست مجرد امرأة غيورة، إنها أفعى تملك عيوناً في كل مكان، أرادت التخلص منكِ بيدي أنا ليبقى ثوبها أبيضاً.
ثم اقترب من النافذة للرحيل، لكنه توقف ليطلق تحذيره الأخير:
— اسمعيني جيداً يا كيمارا.. وجودكِ في ديودار لم يعد خطراً عليكِ فقط، بل هو انتحار محقق. جولينا لن تتوقف، وإذا فشلتُ أنا، فسترسل من هو أشرس مني ولا يملك قلباً. اهربي.. أو ابقي وواجهي مصير أمكِ و"ارمان"، لأن جدران هذا القصر بدأت تضيق، ورائحة الموت تفوح من كل زاوية.
انزلق ساجين عبر النافذة واختفى في الظلام، تاركاً خلفه حطام فتاة تكتشف أن حياتها كلها كانت كذبة كبيرة، وصديقةً تقف أمام عاصفةٍ لا تعرف كيف تصدها. ارتمت كيمارا في حضن تيا وهي تصرخ في سرها:
—أمي.. لقد قتلها أبي بدم بارد! أي جحيمٍ هذا الذي وُلدتُ فيه؟ لماذا.. لماذا اخبئت عني ماري هذا السر...نعم ماري يا تيا ماري من حررتني من هذا الجحيم وانتِ من ساعدينها في هذا بمراوغتك شكرا لكِ كثيرا تيا
طوفانُ الهوس:
لم تكن "ديودار" بالنسبة لروجيل مجرد قصر، بل كانت ملكية خاصة ينتظر تسلم مفاتيحها، وكذلك كانت كيمارا (كارولين). وبدفعٍ من دلال أمه جولينا التي أقنعته أن رغباته أوامر، قرر روجيل أن الليلة هي ليلة استعادة "جاريتة" المتمردة، فبدأ محاولاته الانتحارية لاقتحام جناحها.
المحاولة الأولى (مواجهة السيادة):
تسلل روجيل عبر الرواق الملكي، وما إن اقترب من المنعطف المؤدي للجناح، حتى وجد الملك ميدار يقف كالجبل، يراجع بعض الأوراق مع حرسه. توقف روجيل فجأة، فنظر إليه ميدار بنظرةٍ حادة جعلت الدماء تجمد في عروقه، وقال بصوتٍ جهوري:
— إلى أين ذاهب في هذا الوقت يا روجيل؟ ظننتُ أن الابن البكر يجب أن يكون قدوة في الانضباط، لا هائماً في ممرات الضيوف كالمراهقين. عُد إلى جناحك فوراً!
انحنى روجيل بغلٍّ مكتوم وانسحب، لكنه لم يستسلم.
المحاولة الثانية (مواجهة المكر):
التف روجيل من الممرات الخلفية المظلمة، وعند باب الحديقة المؤدي للجناح، برزت له الملكة جولينا من بين الظلال كأفعى تراقب بيضها. ارتبك روجيل، لكنها اقتربت منه بابتسامةٍ صفراء وقالت بهمس: — روجيل حبيبي.. لا تكن أحمقاً وتكشف أوراقنا أمام الملك الآن. لقد أرسلتُ من سينهي المهمة ويحفظ كرامتك، فلا تلوث ثوبك بدماء فتاة ريفية. انتظر الصباح.
رد روجيل بعناد:
—لا يا أمي، أريد أن أراها تتوسل إليّ وهي تحت قبضتي، لن أنتظر أحداً! لا اريد لها الموت، اريد لها الانكسار والخضوع لي فقط
ثم تركها ومضى متجاهلاً تحذيرها.
المحاولة الثالثة (مواجهة الجرأة):
وصل روجيل أخيراً إلى باب الغرفة، ودفعه بكل قوته ليقتحم المكان، لكنه تسمر في مكانه. كانت تيا تقف خلف الباب مباشرة، تمسك بمزهرية ثقيلة ونظراتها تفيض بالسخرية
صاح روجيل بذهول:
—أنتِ؟! كيف تسللتِ إلى قصر ميدار؟
ردت تيا بضحكة مستفزة: الخدم في كل مكان يا روجيل، والكلاب الضالة أيضاً يبدو أنها وجدت طريقها للقصور. لن تمر من هنا إلا إذا أردت أن أصنع من رأسك تحفة فنية بهذه المزهرية! ولن يحميك مني احد هنا تعرفني جيدا بأنني لا اهاب احد
المحاولة الرابعة (الانفجار الكبير - مواجهة الحقيقة):
بينما كان روجيل يهمُّ بدفع تيا، شعر بيدٍ تقبض على كتفه بقوةٍ خلعت قلبه من مكانه. التفت ليجد رونال يقف خلفه، وجهه غارق في الظل وعيناه تشتعلان بلهبٍ أزرق مخيف. لم يقل رونال كلمة، بل كان صمته أشد رعباً من أي صراخ.
نظر روجيل إلى أخيه الأصغر بحقدٍ دفين وصرخ:
—ابتعد عني يا رونال! تظن أنك حامي الحمى؟ أنت مجرد ابن زوجة أبي، وأنا البكر.. أنا الملك القادم، وهذه الفتاة لي!
عندها، انفجر بركان رونال الذي كبته لسنوات. وبسرعة البرق، هوت يد رونال "الأصغر" بصفعةٍ مدوية على وجه روجيل، صفعة لم تكن للوجه فقط، بل كانت لغروره ودلاله. ترنح روجيل وسقط أرضاً وهو يمسح الدماء التي تفجرت من شفتيه.
انقض روجيل بجنون على أخيه، وبدأ عراكٌ وحشي. روجيل يضرب بحقد الابن المدلل الذي رُفضت له رغبة لأول مرة، ورونال يضرب بمرارة السنين، يضرب دفاعاً عن كيمارا، ودفاعاً عن ذكرى أمه "رولين" التي قتلتها أم روجيل. تحول الرواق إلى ساحة دماء، صرخات روجيل وتصدي رونال الحازم.
قبض رونال على قميص أخيه ورفعه عن الأرض، وألصقه بالحائط بقوةٍ جعلت العظام تئن، وهمس في أذنه بنبرةٍ تقطر سماً:
— لا يهمني من هو البكر ومن هو الأصغر.. هنا، القوة للحق. لو لمحت طيفك حول هذا الباب مرة أخرى، سأنسى أن دماءنا تشترك في نصفها، وسأجعلك عبرة لكل من يظن أن القصور تحمي الأندال. اذهب لأمك لتمسح لك دماءك، فمكانك في حضنها، وليس في مواجهة الرجال!
ركل رونال أخاه بعيداً، ليتركه حطاماً يلهث ذلاً على الأرض، بينما وقف رونال ويده تنزف، ينظر للباب الموصد وكأنه يقسم لخلفه أن العاصفة لن تمر طالما هو يتنفس.
صوتُ الرّخام:
انقشعت أضواء النهار عن غرفة كيمارا، تاركةً المكان لظلالٍ ثقيلة تتراقص على الجدران، بينما كانت هي غائبة عن الوجود، جسداً بلا روح. كانت جالسةً فوق طرف سريرها، عيناها مصلوبتان على الفراغ، وعقلها يغلي بكلمات ساجين التي كانت تنهش قلبها كأسراب الغربان:
—أبوكِ غدر بأخي وأمكِ.. قتلهما بالسم بدمٍ بارد ليتربع على عرشٍ ملطخ بالخيانة. كانت تشعر بمرارة السم في حلقها، وكأن تاريخها كله لم يكن سوى كذبةٍ كبيرة بطلها رجلٌ ظنته يوماً قدوةً لها.
فجأة، انفتح الباب بهدوءٍ مريب، لكنها لم تلتفت. دخل رونال بخطواتٍ واثقة تحمل وقار الفرسان وهيبة الأمراء. كانت تيا تقف بجانب النافذة، تحاول قراءة ملامح كيمارا المنكسرة، لكن رونال لم يمنحها وقتاً للتساؤل. رفع يده بحركةٍ هادئة ولكنها صارمة، وبإشارةٍ من إصبعه نحو الممر، أمر تيا بالخروج. نظرت تيا بترددٍ بين صديقتها المنهارة وبين الأمير الذي لا يُرد له طلب، ثم انصاعت للأمر وأغلقت الباب خلفها، ليطبق الصمت المهيب على الغرفة.
خطا رونال خطواتٍ وئيدة، حتى صار يقف على مسافةٍ قريبة منها، وظل يراقب شحوب وجهها لثوانٍ، قبل أن يقول بنبرةٍ دافئة يغلفها هدوءٌ بليغ:
— تعرفين يا كارولين...القصر مليء بالأصوات الزائفة والوجوه المقنعة، لكنني اكتشفتُ البارحة أن صوتكِ هو أعذب مقطوعة موسيقية عُزفت في 'ديودار' منذ قرون. أليس من القسوة أن يحرمنا هذا الوجه الرقيق من نبرةٍ تملك كل هذا السحر؟
انتفضت كيمارا وكأن خنجراً من الجليد قد اخترق ظهرها. تلاشت صور ساجين، وحلت محلها عينا رونال اللتان تلمعان بذكاءٍ حاد يحترم ضعفها لكنه يطالب بحقه في المعرفة. سقط القناع الذي نحتته بصبر لشهور، وشعرت بأن عريها أمام الحقيقة صار كاملاً.
تابع رونال بوقار وهو يدور حولها ليواجهها:
— لا داعي للتمثيل الآن، فالجدران في هذا القصر قد تكون صماء، لكنني أملك عيناً ترى ما وراء الصمت. لقد سمعتُ حواركِ مع 'تيا' بوضوحٍ لا يقبل الشك. أنتِ لستِ خرساء، بل أنتِ امرأة أتقنت دور السكون لتعبر من بيننا كطيفٍ لا يُمس.
هنا، انهار كل شيء. وباندفاعٍ يائس، أمسكت كيمارا بطرف كُمّ ثوبه بيدين ترتجفان، ونطقت أخيراً بصوتٍ مبحوح، ممزقٍ بالرعب:
— سيدي الأمير.. أرجوك! أتوسل إليك بوقارك وعظمة شأنك، لا تخبر أحداً. إذا علم الملك ميدار أو روجيل او حتي الملكة جولينا، فلن يتركوني حية حتى الصباح. أرجوك، اترك لي هذا السر، وسأفعل أي شيء تطلبه مني.. سأكون مدينةً لك بحياتي، فقط لا تجعل صوتي سبباً في هلاكي.
نظر إليها رونال بنظرةٍ عميقة، وجلس على مقعدٍ خشبي قريب، ومال بجسده نحوها بجدية:
— أنا لستُ ممن يتاجرون بالأرواح ولا الدماء يا كارولين، لكنني أميرٌ تقع مسؤولية حماية هذه الأرض على عاتقه. والآن، الثمن الذي أطلبه هو الحقيقة.. الحقيقة فقط. لماذا فعلتِ هذا؟ لماذا ارتديتِ ثوب الخرس والفقر ودخلتِ ديودار؟ من أنتِ حقا، وما الذي يجمع فتاة رقيقة مثلكِ بملكٍ غامض شرس مثل آرثر؟ وما هي علاقتكِ بـ سيدريك، ذلك الغراب الذي ينسج خيوطه حولنا؟ والذي يمشي خلف آرثر كظله، وما شأنكِ بمملكة أركونيا التي تفوح منها رائحة المؤامرات؟
تنهد بضيقٍ وتابع، وعيناه تضيقان بحثاً عن إجابة:
— "لقد سمعتُكِ تنطقين بأسماءٍ تهتز لها العروش. هل أنتِ ضحية لمكائدهم؟ أم أنكِ قطعة شطرنج يحركونها لهدم مملكتنا؟ أخبريني كل شيء، وإلا سأعتبر صمتكِ الآن اعترافاً بأنكِ عدو يتستر بخدعة.
نظرت إليه كيمارا بعينين غارقتين في الدموع، وقالت بنبرةٍ يلفها غموضٌ موحش:
— الحقيقة يا سيدي الأمير... هي غابةٌ من الأشواك، كلما حاولتُ الخروج منها جرحتني أكثر. آرثر... لم يرسلني انا من جئتُ إلي هنا هربا منه لأحتمي بكم وانا اعرف جيدا أن الملك ميدار عدوَ له، وسيدريك... هو الظل الذي يطاردني حتى في أحلامي. أما أركونيا...
صمتت للحظة، ثم تابعت بصوتٍ يرتجف:
— أركونيا هي الأرض التي دُفنت فيها براءتي. والدي... كان يظن أنه يحمي العرش، لكنه في الحقيقة كان يحفر قبري وقبر كل من أحبهم. أنا لستُ جاسوسة، أنا مجرد روحٍ هاربة من قدرٍ لا يرحم، وقصةٍ كُتبت بالسم والخيانة قبل أن أولد حتى. إذا كنتَ تريد الحقيقة، فاعلم أنني لا أملك من أمري شيئاً، فأنا أعيش في زنزانةٍ جدرانها من دماء أهلي، وآرثر هو من يملك المفتاح.
انحدرت دمعة ساخنة على وجنتها، بينما ظل رونال صامتاً، يحلل كلماتها الغامضة التي زادت من حيرته بقدر ما كشفت عن معاناتها.
خديعةُ الوداع.. والعودة إلى عرشِ الأفاعي:
خلف الجدران العالية لقلعة فالاريا، حيث الرخام يلمع تحت ضوء الشموع الراقصة، ساد صمتٌ ثقيل لا يقطعه إلا صوت الرياح التي تئن خلف النوافذ الضخمة. كان الملك جيمار يجلس فوق عرشه، متكئاً بظهره بزهوٍ مفرط، يراقب ضيوفه بعينين صقريتين، يظن في قرارة نفسه أنه قد أحكم الحصار على آرثر، وأنه يملك الورقة الرابحة التي ستجعل أركونيا مجرد تابع لتاجه. لم يكن يعلم أن سيدريك، ذلك الغراب الذي لا ينام، قد نبش في القبور والأوراق السرية حتى عرّى خيانة المستشار أوزريك وتواطؤ ماري، وأن هذا الوداع ليس إلا "فخاً" مغلفاً بالكياسة.
تقدم آرثر بخطواتٍ رزينة، ووقع أحذيته فوق الرخام كان يدوّي كطبول الحرب الصامتة. وقف أمام جيمار بملامح جامدة كالجليد، بينما وقف سيدريك خلفه كظله الأسود، يوزع نظراته بين الحضور بمكرٍ يثير الريبة.
قال آرثر بنبرة هادئة ومدروسة، وهو ينظر مباشرة في عيني جيمار بثباتٍ مرعب:
— جلالة الملك جيمار، لقد طالت ضيافتنا في مملكتكم الكريمة، وقد آن الأوان لنعود إلى أركونيا؛ فكما تعلم، العرش لا يحب الغياب الطويل، والذئاب تتربص بنا في كل منعطف، سوف نرحل اليوم ونحن نحمل لك كل الامتنان، فثقتنا بأن الأميرة كيمارا تحت عينك وفي عهدتك الحصينة هي ما يجعلني أغادر وأنا مطمئن البال، وكأنني تركتُ روحي في أيدٍ أمينة.
ابتسم جيمار ابتسامة واسعة، يملؤها الغرور، وردّ بوقار مصطنع وهو يفرك يديه بزهو: — هذا واجب الجار للجار ولن تنسي تحالفنا إيضا يا آرثر. اذهب وأنت مرتاح الخاطر؛ فكيمارا في مأمنٍ لا يطاله الشك طالما هي داخل أسوار 'فالاريا'. لن يمسها سوء، وتحالفنا سيبقى الحجر الصلد الذي تتحطم عليه أطماع الجميع. أركونيا وفالاريا جسد واحد، وما يؤلمك يؤلمني، وما يحفظ تاجك يحفظ تاجي.
هنا، تقدم سيدريك خطوة إلى الأمام، وانحنى بوقارٍ مبالغ فيه حتى كاد وشاحه يلامس الأرض، ثم رفع رأسه ببطء، وبعينين تلمعان بخبثٍ يسبق العاصفة، قال بصوتٍ يقطر دهاءً:
— بالطبع يا جلالة الملك.. جسد واحد وقلب واحد. ولكن، اسمح لي بنصيحةٍ من خادمٍ وفيّ يرى ما لا يراه الآخرون في زوايا القصور المظلمة.. احذر من 'الأفاعي' التي تسكن جدران القصور، فبعض المستشارين قد يظنون أنهم أذكى من ملوكهم، وينسجون مؤامراتٍ يظنونها دفينة تحت ركام الورق. نحن نترك لك 'الأمانة' ونحن نعلم أنك ستدير الأمور بحكمتك المعهودة، ولن تسمح لأي 'تسريب' أو 'خديعة' أن تعكر صفو هذا التحالف المقدس الذي بنيناه.
لاحظ سيدريك بطرف عينه كيف امتقع وجه المستشار أوزريك الواقف في الظلال، لكنه أكمل ببرود:
— فالخيانة يا جلالة الملك، تبدأ دائماً بكلمة تُقال في السر، وتنتهي بملكٍ يكتشف أنه كان يحرس سراباً.
بمجرد خروجهما من بوابة القصر الكبرى، وحين صارا بعيداً عن أعين الحرس في طريقٍ غابةٍ كثيفة، التفت آرثر نحو سيدريك والشرر يتطاير من عينيه، وصاح بصوت خفيض يكاد ينفجر من الغضب: — كيف طاوعك لسانك على شكره بهذا الابتذال؟ يبتزني بسرابٍ وهو يعلم، وأنت تعلم، أن الفتاة أفلتت من يده منذ زمن! جيمار يبيعنا الوهم في أوانٍ من ذهب، ونحن ننحني له ونشكره على طعناته؟ هل صرنا ضعفاء إلى هذا الحد يا سيدريك؟
رد سيدريك وهو يمتطي جواده ببرودٍ قاتل، ويعدل وشاحه الأسود ببطء استفزازي، وكأن العالم لا يحترق من حوله:
— الغضب الصاخب يفسد الطبخة يا مولاي، والصرير العالي للعجلات لا يعني أنها تسير أسرع. لو واجهناه الآن، لحولنا الحليف إلى عدو في لحظة نحتاج فيها لكل سيف. لقد أطعمناه 'وهم' الانتصار لنبقي على التحالف قائماً أمام الممالك الأخرى؛ فنحن نحتاج جيشه وسلاحه الآن لتمهيد الطريق نحو ديودار. دعه يظن أنه الملك الصياد الذي يمسك بخيوطنا، بينما هو في الحقيقة ليس إلا 'طعم' نستخدمه لنغطي به تحركاتنا القادمة. والاميرة كيمارا لم تكن هناك منذ البداية يا مولاي.
صمت سيدريك لبرهة، ثم أضاف بابتسامةٍ باردة جمدت الهواء حولهما:
— لقد رددتُ عليه الصاع صاعين بكلماتٍ لم يفهم معناها إلا الخونة الجالسون حوله. لقد جعلتُ الخوف ينبت في قلب أوزريك دون أن أسفك قطرة دم واحدة. الآن، هو يعلم أننا نعلم خيانته، ولكنه لن يجرؤا على النطق بكلمة واحدة، لأن اعترافه أمام جيمار يعني أنه خدعوا هو أيضاً، ومصيره سيكون المشنقة. لقد جعلتُهم حراساً لنا دون أن يشعروا."
تابع سيدريك وهو يشد لجام جواده بقوة، ونظرته تتجه نحو الأفق البعيد:
— سنعود إلى أركونيا لنطهر القصر من الداخل ونرتب جبهتنا، بينما جيمار سيظل يراقب 'ظلاً' لا وجود له في أقبية قصره. سنتركه يغرق في وهمه حتى يحين الوقت الذي نكشف فيه أوراقنا دفعة واحدة. حينها، سيسقط هو وأوزريك في بئر الخيانة الذي حفروه بأنفسهم.. وبذكاء، سنكون نحن من نضع شروط التحالف الجديد، وسيكون هو مرغماً على السير خلفنا كالتابع الذليل الذي يخشى الفضيحة.
ضرب آرثر جواده وانطلق بسرعة كالبرق، وهو يهمس لنفسه بمرارةٍ ممزوجة بالوعيد: — سنعود يا أركونيا.. سنعود لنغسل عار الخداع بدم كل من تجرأ على العبث بتاجي. وجيمار.. سأجعله يدرك أن الابتسامة التي رسمها على وجهه اليوم كانت توقيعه على صك نهايته. اللعب مع ملك أركونيا ليس نزهة، بل هو رقصة فوق نصل سكين سيقطع عنقه في النهاية.
نافذة الغيرة.. وفخُّ الرذيلة:
في حدائق ديودار الملكية، حيث تفوح رائحة الياسمين الممزوجة ببرودة الشتاء، كانت كيمارا تسير بخطواتٍ تائهة، وكأنها تحاول الهرب من صدى الكلمات التي كبلها بها رونال في غرفتها. لم تكن تعلم أن "الظل" الذي يتبعها ليس ظل شجر الأرز، بل هو الأمير رونال نفسه، الذي انضم إليها بهدوءٍ ينم عن هيبةٍ لا تقتحم الخصوصية بل تفرض الحماية.
سار رونال بجانبها صامتاً لبرهة، يراقب شرودها، ثم قال بنبرةٍ هادئة:
— الحدائق في ديودار تُجبر المرء على كشف ما في قلبه، فهل ما زالت الغابة التي تسكن عينيكِ موحشة يا كارولين؟
لم تجبه كيمارا، بل اكتفت بنظرةٍ غامضة تحمل وطناً من الحزن، بينما كان هو يراقب تفاصيل وجهها بتركيزٍ جعل قلبها يضطرب.
على الجانب الآخر، ومن خلف إحدى النوافذ العالية للقصر التي تطل على الحديقة، كانت هناك عيونٌ لا تعرف السكينة. كانت الملكة جولينا تقف بجانب ابنها روجيل، وهما يراقبان المشهد بمرارةٍ تقطر حِقداً.
قالت جولينا وهي تضغط على يدها حتى ابياضت مفاصلها:
— انظر إليهما! رونال الذي لم تكسر قلبه أي أميرة ، يقف الآن كالحارس أمام خادمةٍ خرساء. هذه الفتاة تملك ثقةً في نظراتها تخنقني، وتُشعرني وكأنها هي الملكة وأنا الجارية.
رد روجيل وهو يبتلع غضبه بصعوبة، وعيناه تلاحقان كيمارا برغبةٍ قذرة:
— إنها تتفنن في كسر غروري يا أماه. ترفضني وتلجأ إليه، وتظن أن صمتها هو حصنها المنيع. أريد أن أرى تلك الثقة وهي تتحطم تحت قدمي.
التفتت جولينا نحو ابنها بابتسامةٍ شيطانية، واقتربت من أذنه لتهمس بخطتها الخسيسة:
— إذن، سنمنحها النهاية التي تليق بطموحها. سأرتب فخاً لا نجاة منه؛ سأرسل في طلبها لتأتي إلى غرفتك الليلة بحجة أنها مأمورة بخدمتك، وسأترك لك الباب مفتوحاً لتفعل بها ما تشاء.. اكسر تمردها، حطم كبرياءها، واجعلها عبرة. اريدها منكسره ذليلا امام الجميع.
اتسعت عينا روجيل بمكر، فتابعت جولينا بفحيح الأفاعي: — وفي اللحظة المناسبة، سأحضر الملك ميدار ومعه رونال بحجة أنني سمعتُ صراخاً، ليروها في وضعٍ يندى له الجبين داخل غرفتك. وحينها، لن يشفع لها صمتها ولا شفاعة رونال؛ سيطردها ميدار أشرّ طردة، وربما تُجلد قبل أن تخرج من أسوار ديودار كـ 'ساقطة'، لا كأفتاة ريفية شريفه
ضحك روجيل ضحكةً مكتومة يملؤها الغل، وهو يتخيل كيمارا منكسرة وباكية بين يديه أمام أعين أخيه:
— هذه المرة، لن ينقذها مني أحد. سأجعل رونال يرى 'ملاكه' وهي تتسول الرحمة في جناحي وفوق فراشي.
انصرف الاثنان من خلف النافذة، تاركين خلفهما مؤامرةً قذرة تُحاك ببراعة، بينما كانت كيمارا لا تزال تسير بجانب رونال، غير مدركة أن النجوم التي ترقبها الليلة ستشهد على أقسى اختبارٍ لكرامتها.