الفصل السادس عشر
خناجرُ الماضي.. وصرخةُ الانتقامِ المؤجل:
كانت غرفة كيمارا غارقاً في عتمةٍ موحشة، لا يكسر ثباتها سوى ضوء قمرٍ شاحب يتسلل من النافذة العالية كأنه شاهدٌ صامت على جريمةٍ تُطبخ في كواليس الظلام. كانت كيمارا غارقة في نومٍ مضطرب، وأنفاسها المتلاحقة تشي بأن روحها تشعر باقتراب الخطر الذي لا يطرق الأبواب.
فجأة، انزلق الباب بصوتٍ خافت لا يكاد يُسمع، ودلف ظلٌّ وشح بالأسود، يفوح منه عطرٌ ملكي مسموم يخنق الأوكسجين في الغرفة.
كانت الملكة جولينا تقف فوق رأس كيمارا، ملامحها التي كانت بالأمس تتصنع الوقار، تحولت الآن إلى قناعٍ من الجنون والغيرة والحقد الدفين. استلت خنجراً قصيراً مرصعاً بالجواهر، نصله يلمع كعين الأفعى التي وجدت فريستها أخيراً. رفعت يدها عالياً، والشرر يتطاير من محجريها، وهمست بفحيحٍ مرعب مزق سكون الليل:
— لقد سرقتِ اهتمام زوجي، وأفسدتِ عقل أبني، وظننتِ أن صمتكِ سيحميكِ من غضبي؟ حان الوقت لتموتي بصمت كما عشتِ بصمت أيتها النكرة، ليرتاح القصر من دنس وجودكِ! حذرتكِ ولكنك حمقاء لم تسمعِ لما اقوله
هبطت اليد بالخنجر بسرعة البرق نحو صدر كيمارا، لكن قبل أن يلامس النصل ثوبها، انقضت يدٌ فولاذية من خلف الستائر، لتمسك بمعصم جولينا بقوةٍ رهيبة جعلت العظام تسمع لها أنيناً تحت وطأة القبضة. استيقظت كيمارا مذعورة، لتجد نفسها وسط مشهدٍ تجمدت فيه الدماء في عروقها.
كان رونال يقف هناك، وعيناه تشعان بنورٍ بارد ومخيف لم تره فيه من قبل، يمسك يد أمه التي تحمل الخنجر، والجمود يكسو ملامحه كأنه تمثالٌ من الغضب الصخري الذي انتظر لسنوات ليتفجر.
قال رونال بصوتٍ هادئ يرتجف بمرارة السنين، وهو يضغط على معصمها حتى كاد الخنجر يسقط:
— وكأن المشهد يعيد نفسه ثانياً.. تلك الليلة التي ظننتِ أن النسيان قد طواها، وأن التراب قد أخفى ملامحها. أرى الآن نفس البريق القاتل في عينيكِ، ونفس الخنجر الذي يشتهي الدماء البريئة ليغسل قذارة قلبك وحقدكِ."
شحب وجه جولينا حتى صار بلون الكفن، وحاولت سحب يدها وهي تصرخ بهمسٍ يملؤه الرعب:
— رونال! أأنت جننت! كيف تتحدث معِ هكذا، ابتعد عني.. أنت لا تفهم شيئاً، هذه الفتاة وباءٌ سيدمرنا جميعاً، أنا أحمي ملكك وتاجك!
لم يرمش لرونال جفن، بل اقترب منها حتى لَفحت أنفاسه الباردة وجهها، وهمس بكلماتٍ كانت تنزف من جرحٍ قديم في أعماقه:
— بل أفهم كل شيء.. وأتذكر كل تفصيلة بدقةٍ تقتلني كل ليلة. رأيتكِ حين كنتُ في الخامسة من عمري، طفلاً صغيراً يختبئ خلف الستار الثقيل في جناح الملك، أرتجف رعباً وأكتم أنفاسي بيدي الصغيرة. رأيتكِ حين دخلتِ غرفة أبي وأمي الحقيقية رولين، وطعنتِها بدمٍ بارد وأنتِ تبتسمين ذات الابتسامة التي تعلو وجهكِ الآن. رأيتُ دمها يملئ سجاد الجناح، ورأيتكِ تسرقين مكانها وتضعين تاجها فوق رأسكِ الملطخ بالغدر والخيانه.
ازدادت قبضة رونال قوة وهو ينظر إلى الخنجر باحتقارٍ لا يوصف، وتابع بلهجةٍ تقطر وعيداً:
— وقتها.. ما كنتُ أملك فعل شيء؛ كنتُ طفلاً عاجزاً لا يفقه سوى البكاء الصامت والهرب إلى الزوايا المظلمة. عشتُ سنواتي وأنا أراكِ ترتدين قناع الأمومة المزيف، وتدعين العفة والوقار امام ابي الذي لا يعلم بفعلتك حتي الآن والذي ٱجزم انه لو عُلم لفصل رأسك عن جسدك بيده، بينما يدكِ لا تزال تفوح منها رائحة الموت. ولكن الآن.. ستجدين من يقف لكِ نداً لند. لن تلمسي شعرةً من هذه الفتاة، ولن أسمح لكِ بتكرار جريمتكِ الغابرة وتدنيس هذا القصر بموتٍ آخر. ولو اقتربتِ من هذه الغرفة مرة اخري اقسم لكِ بأن الدماء الاخري ستكون هي دماؤك
سقط الخنجر من يد جولينا المرتعشة ليرتطم بالأرض بصوتٍ رنان أيقظ صدى الماضي، بينما انهارت هي على ركبتيها أمام نظرات رونال الذي كشف الستار عن أبشع أسرارها. نظر إليها رونال باحتقار أخير وقال:
— اليوم، أنا لستُ ذاك الطفل الخائف الذي يراقب من بعيد، أنا الكابوس الذي صنعته يداكِ، والحقيقة التي ستخنقكِ حتى الرمق الأخير. اخرجي من هنا.. قبل أن أفقد سيطرتي وأجعل هذا الخنجر يذوق طعم دمكِ كما أذقتيه لغيرك.
انصرفت جولينا وهي تترنح كأنها جثة تمشي، تاركةً كيمارا تراقب رونال بذهولٍ ودموعٍ صامتة، وهي تدرك أن هذا الرجل الذي تظنه بارداً وحازم، يحمل في صدره جحيماً من الوجع وسراً يكفي لإحراق "ديودار" ومن فيها.
هدوءٌ بعد العاصفة:
ساد الصمت الغرفة مجدداً، لكنه لم يكن صمتاً مريحاً؛ بل كان مشحوناً برائحة الخيانة وبقايا أنفاس الملكة المسمومة. وقف رونال وسط الغرفة، ظهره لـ كيمارا، وصدره يعلو ويهبط بعنفٍ يحاول كتمه. التفت إليها ببطء، وابتسامته الساخرة المعتادة قد تلاشت تماماً، ليحل محلها وجهٌ أرهقته أشباح الماضي.
اقترب رونال من السرير وجلس على طرفه، ونظر إلى عيني كيمارا المرتعشتين وقال بنبرة هادئة، لكنها تحمل بحّةً غريبة: — لا ترتجفي هكذا.. لقد رحلت الأفعى إلى جحرها، ولن تجرؤ على العودة مرة. أنا أعتذر لأنكِ اضطررتِ لسماع قذارة هذا القصر، لم يكن من المفترض أن تلوث براءتكِ بقصصِ الدماء التي نقتات عليها هنا.
مد يده ليلمس كتفها كنوعٍ من الطمأنة، لكن كيمارا ظلت صامتة كعادتها، بينما كان عقلها يغلي بحوارٍ صاخب وتساؤلاتٍ تنهش روحها. كانت تنظر إلى عينيه الزرقتان العميقتين، وفي داخلها تسأل:
"مَن أنت حقاً؟ ولماذا تظهر دائماً في اللحظة التي يوشك فيها نصل الموت على ملامستي؟ هل أنت مجرد أميرٍ يطارد أسرار زوجة امه، أم أنك تخفي خلف هذا البرود وجهاً أعرفه جيداً؟"
تابع رونال وهو يتفحص ملامحها، وكأنه يقرأ صمتها:
— أعلم أنكِ تتساءلين لماذا أفعل هذا.. ولماذا أخاطر بمواجهة الملكة من أجلكِ. اعتبريها 'تكفيراً عن ذنوب' لا تخصكِ، أو ربما لأنني لا أطيق رؤية الظلم يتكرر أمام عينيّ وأنا أقف متفرجاً مرة أخرى.
في تلك اللحظة، كانت كيمارا تائهه في تفاصيل حركاته، وحدثت نفسها بذهول:
"هذه النبرة.. هذا الثبات.. وهذا الحضور الطاغي الذي يشعرني بالأمان رغم كل الخوف. هل يعقل أن يكون هو؟ هل هو نفسه ذلك الملثم الغامض الذي ظهر من العدم لينقذني من قبضة روجيل قبل يومين؟ ملامحه تحت القناع كانت مخفية، لكن تلك العينين.. أقسم أنني رأيت هذا الوميض القاتل فيهما حين كان يواجه روجيل.
رونال، وكأنه أحس بشكوكها، ابتسم ابتسامة خفيفة ومريرة، ثم قال وهو ينهض:
— نامي الآن يا كارولين، سأبقى خلف الباب، ولن يمر أحد إلا على جثتي. ديودار ليست مكاناً للضعفاء، لكن طالما أنني أتنفس، فلن تكوني ضحيةً لغدرهم مرة أخرى.
أحنت كيمارا رأسها، بينما ظل السؤال يتردد في أعماقها كصدى لا يهدأ:
"إذا كنتَ أنت هو.. فلماذا تخفي عني بطولتك؟ ولماذا تختار أن تكون كابوسهم المنفرد ومنقذي المتخفي في آنٍ واحد؟"
صفعة الشوق:
سارت تيا في أروقة قصر ديودار بخطىً حازمة، والحراس من خلفها لا يدرون أهم يقودونها أم يتبعون سطوتها. توقف الحراس أمام باب الغرفة، حيث كان رونال يقف كطيفٍ غامض. أفسح لها الطريق بنظرةٍ وابتسامه تفحصت جرأتها، ودخلت تيا بسرعةٍ إلى الغرفة.
بسبب استهتار الحراس أو ربما بتدبيرٍ من القدر، لم يُغلق الباب بإحكام؛ بقيت فجوةٌ ضيقة تسمح للصوت والضوء بالتسلل إلى الرواق.
ما إن وقعت عينا تيا على كيمارا (كارولين) الجالسة بانكسارٍ على السرير، حتى ركضت نحوها باندفاعٍ، لكنها توقفت فجأة قبل أن تصل إليها بخطوة. ساد صمتٌ قصير، ثم رفعت تيا يدها بسرعة البرق وهوت بها بصفعةٍ قوية على وجه كيمارا، دوت أصداؤها في الغرفة، ثم جذبتها بقوةٍ نحو حضنها وراحت تضيق الخناق عليها بضمةٍ ممزوجة بالبكاء واللهفة.
في هذه اللحظة، كان رونال قد تراجع خطواته بفضولٍ قاتل عندما سمع صدى الصفعة، ووقف خلف الفجوة الصغيرة للباب الموارب، لتتجمد الدماء في عروقه وهو يسمع "الخرساء" تنطق الآن.
قالت كيمارا بصوتٍ مبحوح يرتجف من الخوف وهي تتشبث بتيا:
— تيا.. كنتُ سأموت رعباً! أوامر سيدريك كانت تخنقني، لم أعد أحتمل فكرة الدخول إلى قصر الملك آرثر. كنتُ أرتعد كلما فكرتُ فيما قد يفعله بي إذا فشلتُ أو إذا كشفوا أمري.
شددت تيا من غمرة حضنها، فتابعت كيمارا بمرارة:
— لقد ضاقت بي السبل، وظننتُ أنني وجدتُ مخرجاً.. لقد قررتُ الهرب ولكن اعترض طريقي روجيل مره اخري وانا احاول الهرب فكان فرصتي في ذلك الوقت. نعم يا تيا، ذلك الأحمق! ظننتُ أن هربي معه سيوفر لي حمايةً أكثر ويُبعدني عن أنظار الجميع، لكنني اكتشفتُ أنني هربتُ من جحيمٍ ارثر ورجاله إلى سجنٍ آخر.
شهقت كيمارا وهي تتذكر ليلة الغدر، وتابعت بصوتٍ مسموع بوضوحٍ لرونال خلف الباب:
— روجيل حاول الاعتداء عليّ، كان وحشاً لا يعرف الرحمة. ولولا تدخل ذلك الملثم.. ثم جاءت الملكة جولينا! أتصدقين يا تيا؟ الملكة دخلت عليّ في هذه الغرفة بخنجرها، كانت تريد نحري بدمٍ بارد لأنها تغار من اهتمام الملك بي. لولا رونال.. لولا تدخله في اللحظة الأخيرة وإمساكه يدها، لكان دمي الآن يغطي هذا الفراش.
خلف الباب، كان رونال يضع يده على الجدار ليشعر بتوازن جسده الذي خذلته صدمة الاكتشاف. اتسعت عيناه وهو يسمع اعترافها الصريح:
—إذن كانت تخطط للهرب مع أخي؟ وتتحدث عن سيدريك وآرثر؟" ولكن ما علاقتها بهذان الرجيلان؟ داخل الغرفة، مسحت تيا دموع كيمارا بخشونة وقالت بحدة:
— هروب مع روجيل؟ أنتِ لستِ فقط غبية، بل فاقدة للعقل تماماً! كيف تضعين رقبتكِ تحت سكين روجيل هرباً من سيدريك؟ اسمعيني جيداً يا كارولين، لسانكِ هذا يجب أن يظل خلف أسنانكِ أمام الجميع هنا إيضا. إذا علموا أنكِ تتحدثين، وأنكِ تخفين كل هذه الخطط، فلن يكتفوا بخنجر جولينا، بل سيبيدوننا معاً.
همست كيمارا وهي ترتجف:
— لكن رونال يا تيا.. لقد أنقذني. هو ليس كالبقية. أشعر بذلك
ضحكت تيا بسخرية مكتومة: — رونال؟ إنه أحد هؤلاء الذئاب، ربما أنقذكِ ليأكلكِ هو لاحقاً على نارٍ هادئة. لا تثقي في أحد، واصمتي كما كنتِ.. فنحن في وكر أفاعي، وأنتِ للتو أخبرتِني أنكِ كنتِ تحاولين القفز في فم إحداها!
انسحب رونال من الرواق بهدوء الأشباح، وعقله يغلي بآلاف الأسئلة. "الخرساء" تتحدث، ولديها علاقة بسيدريك وارثر، وكانت تخطط للهرب مع شقيقه.. لقد وجد رونال لغزاً يفوق كل ألاعيب جولينا، وقرر في سره أن اللُعبة الآن بدأت فعلياً.
خيوطُ الدم والمؤامرةُ:
خلف الأبواب الموصدة لجناح الملك آرثر الخاص في قصر جيمار بمملكة فالاريا، حيث لا يتسلل سوى الدخان المنبعث من الموقد والهمس الذي يقرر مصير الممالك، كان سيدريك يقف أمام الملك، وقد نزع عنه قناع الهدوء المصطنع. وضع سيدريك مجموعة من الأوراق والرسائل المهترئة على الطاولة الرخامية، ونظراته تخترق وجه آرثر الذي كان يبدو كتمثالٍ من الجليد يراقب ذوبان نفوذه.
قال سيدريك بنبرةٍ حادة، يغلفها مكرُ من وضع يده على الكنز:
— لقد نطق الغراب يا جلالة الملك. المستشار أوزريك لم يكن بحاجة لأكثر من 'لمسة' باردة من خنجري حتى يسرد لي تاريخاً من الغدر لم تكن تتخيله. الرسائل التي عثرتُ عليها في مكتبه لم تكن مجرد ورق؛ بل هي حبال مشانق مُعدة بعناية لكل من يظن أنه يملك السلطة.
ضيق آرثر عينيه، ومال بجسده نحو الأوراق وهو يسأل بصوتٍ غليظ:
— وما الذي باح به ذلك العجوز الخرف؟ وماذا تحمل هذه الرسائل غير وعود كاذبة؟
ابتسم سيدريك ابتسامة ساخرة، وفتح إحدى الرسائل وقال وهو يشير إلى الختم المكسور:
— "الأمرُ يتجاوز الوعود يا مولاي. الرسائل تكشف أن جيمار كان يبيعك 'الوهم' وهو يبتسم في وجهك هنا في مملكته؛ لقد أوهمك طوال الوقت أن الأميرة كيمارا في قبضته وتحت رحمته، فقط ليضع الغل في عنقك ويجعل قراراتك رهينة إشارته، بينما هو في الحقيقة لا يملك حتى ظلها. لكن القذارة الحقيقية تكمن في العجوز ماري؛ فهي المهندسة الفعلية لهذا الخداع بالتعاون مع أوزريك. لقد اتفقا على إقناعك بأن كيمارا لديهم إذا سألت، ثم يذهب أوزريك ليُخبر الملك جيمار بأنك 'ابتلعت الطُعم'، لتظل ألعوبة في يده.
ضرب آرثر الطاولة بقبضته صائحاً بحدة:
— إذن جيمار يخدعني في عقر داره؟ وماري تتآمر مع المستشار لتسليم رقبتي؟ أين هي كيمارا إذن؟ هي سبب كل هذا
رد سيدريك ببرودٍ استفزازي: — "هنا تكمن المفاجأة.. أوزريك اعترف بأن الفتاة 'كارولين' ليست مجرد ريفية، وهناك احتمالية قوية سمعتُ همسها في الأروقة بأنها أفلتت من الجميع ووجدت طريقاً إلى ديودار. الرسائل تشير إلى أن هوية كيمارا بدأت تفوح رائحتها هناك، وأن الأمير رونال كان يتراسل مع جهاتٍ في أركونيا لجمع معلومات عن ماضيها. نحن نلعب بالنار يا مولاي؛ إذا كانت الأميرة في أحضان ميدار حقا، فإن الرسالة القادمة ستكون خبر سقوط تاجك.
ساد صمتٌ ثقيل، نظر فيه آرثر إلى النار المشتعلة، ثم همس بمرارة:
— جيمار يبتزني بالسراب، وماري تخونني مع أوزريك.. أريد رأس أوزريك ، وأريد كيمارا، حيةً أو ميتة. لا يهمني كم من الدماء ستسيل في ديودار، المهم أن تُدفن تلك الرسائل مع كل من قرأها. اما ماري لها النصيب الأكبر
خرج سيدريك من الغرفة، ووشاحه يرفرف خلفه كجناح غراب، وهو يردد:
—آرثر يظن أنه يأمر، لكنه لا يعلم أنني أصبحتُ الوحيد الذي يمسك بخيوط اللُعبة.. والحقيقة في يدي هي السيف الذي سيذبح الجميع.
نصلُ الثأرِ القديم:
في سكون الليل الذي يسبق العاصفة، كان جناح كيمارا غارقاً في صمتٍ مريب، وكأن جدران ديودار نفسها تحبس أنفاسها وتتستر على ما سيحدث. فجأة، انسلّ من بين الظلال زائرٌ غامض، حركته خفيفة كوقع أقدام القطط، ومتشحٌ بسوادٍ لا يكسره سوى بريق عينين مليئتين بالكراهية.
استيقظت كيمارا على برودة نصلٍ حاد يلامس عنقها، ويدٍ خشنة تكمم فمها بقوة. انحنى الملثم نحو أذنها وهمس بفحيحٍ يقطر سماً:
— لا يصدر منكِ صوت، وإلا كان هذا النصل آخر ما تشعرين به في هذه الدنيا. جئتُ بتكليفٍ لإنهاء حياتكِ أيتها النكرة، فموتكِ ثمنٌ بخس لراحة الكثيرين الذين يخشون وجودكِ.
ولكن، عندما اقترب ضوء القمر الشاحب من وجهها، وشاهد ملامحها بدقة، ارتجفت يده التي تحمل الخنجر ليس خوفاً، بل من فرط النشوة والغل. اتسعت عيناه خلف القناع وهو يهمس بذهولٍ ممزوج بالحقد: — أنتِ؟ هل يعقل؟ لستِ مجرد جارية أو فتاة ريفية عادية.. أنتِ هي! الأميرة التي ظن الجميع أن الأرض قد ابتلعتها. الآن، لم يعد قتلكِ مجرد 'تكليف' أتقاضى عليه أجراً، بل أصبح شفاءً لغليلٍ قديم. بيني وبين أبيكِ ثأرٌ نبت بالدم ولن يرويه سوى بدمكِ أنتِ.. سأقتلكِ وأنا أبتسم، انتقاماً لكل لحظة ذل عشتها بسبب طغيان ملك أركونيا.
رفع الملثم يده بالخنجر عالياً، والجنون يلمع في عينيه، وفي اللحظة التي أغمضت فيها كيمارا عينيها مستسلمة للموت، انقضت تيا كـ العاصفة الهائجة من خلف الستائر الثقيلة. لم تكن تحتاج لسيفٍ، بل استخدمت سرعة رد فعلها وقوة غضبها، لتمسك بمعصم الملثم وتلوي يده بقوةٍ مذهلة جعلت الخنجر ينزلق من بين أصابعه ويسقط فوق السجادة بصوتٍ مكتوم.
دفعت تيا الملثم بعيداً وهي تقف حائلاً بينه وبين كيمارا، وعيناها تشتعلان بنارٍ لا ترحم. لم يبدُ على وجهها أي ذهول مما سمعته عن "هوية" صديقتها؛ فقد كان في قلبها دائماً يقينٌ غامض بأن كيمارا تخفي خلف صمتها تاجاً.
قالت تيا بنبرةٍ ساخرة ومميتة وهي تبصق كلماتها في وجه الملثم:
— أميرة؟ يبدو أن الخمر الذي احتسيته قبل مجيئك قد أفسد ما تبقى من عقلك الصغير! هذه الفتاة التي تراها لا تملك من الدنيا سوى ثوبها وصداقتي، وهي أبعد ما تكون عن تيجانكم الملطخة بالدماء. أنت لا تبحث عن ثأر، أنت تبحث عن وهم لتبرر به نذالتك.
صاح الملثم وهو يحاول استعادة توازنه: "أنتِ تكذبين! ملامحها هي ملامح أركونيا.. هي ابنة ذلك الملك اللعين زاهق الارواح بالغدر والخسه!
ضحكت تيا ضحكةً باردة وجريئة:
— إذن اذهب وابحث عن ملكك بعيدا عن هنا يا شجاع! هنا لا يوجد سوى 'كارولين'، خادمة في قصر ميدار. وإذا كنت تظن أن الغدر مهنة سهلة، فاسمح لي أن أعلمك أن 'تيا' لا تترك ما يخصها لجرذٍ مثلك يختبئ خلف قناع. انصرف قبل أن أجعل من جسدك زينة لجدران هذا الجناح، وأصرخ ليسمع الحراس نبأ وجود 'قاتل فاشل' في غرف الضيوف!
تراجع الملثم بذهول، فلم يتوقع أن يجد خلف "الخرساء" درعاً بشرياً لا يهاب الموت. أما كيمارا، فقد نظرت لتيا بذهول وامتنان؛ فقد أدركت أن تيا كانت تعرف الحقيقة بقلبها طوال الوقت، لكنها اختارت أن تحميها بإنكارها أمام هذا الوحش.
تراجع الملثم خطوتين إلى الخلف، لكنه لم يهرب عبر النافذة كما توقعت تيا. ورغم أن الخنجر لم يعد في يده، إلا أن كلماته كانت تمسك بخناق المكان. ساد صمتٌ ثقيل، قطعه صوت انفاسه المكتومه خلف القناع، ثم قال بنبرةٍ غارقة في القسوة:
— سأذهب.. لكن ليس قبل أن أترك في عقولكم سماً لا تملكين له ترياقاً. تدافعين عنها وكأنها ملاكٌ بريء؟ اسأليها عن الدماء التي بُني بها عرش أبيها!