الفصل التاسع: قلوب متصالحة
دموع الصباح:
مع بزوغ الفجر، دخلت مارتا غرفة أرثر لتجده جالساً على حافة السرير، الخنجر الذهبي بين يديه يتأمله بتفكر عميق.
"يا بني... ميجدالين لم تبرح غرفتها منذ الليلة الماضية. ترفض الطعام والشراب، وغلقت الباب دون كلمة."
نهض أرثر مسرعاً، واتجه نحو غرفتها، قلبه يعتصر خوفاً.
"حبيبتي... افتحي الباب أرجوكِ."
لم يجبه صوت.
"يا ميجي... لا تقسِي عليَّ بهذا الصمت."
حاول مرة أخرى، ولكن دون جدوى.
رفع كفه نحو الباب، وتحرك المزلاج بقوة سحرية ناعمة.
وجدها جالسة على حافة السرير، تنحني على وسادة وتخبئ وجهها، كتفيها يرتجفان من البكاء الصامت.
دخل فزاعة حاملاً طبقاً من الفاكهة المقطعة.
"ما هذا المشهد الحزين؟ أين الابتسامات التي تعادل قوة السحر في تأثيرها؟"
أشارت مارتا إليه أن يصمت، لكنه تقدم نحو ميجدالين.
"جربِي هذا التوت الجميل! سيضفي على خديكِ اللون الوردي ستصبحين كالأميرات!"
لم ترفع رأسها.
نظر أرثر إلى مارتا وفزاعة نظرة ملتمسة.
"لتهيئي لنا الفطور يا عمتي... وخذي فزاعة معكِ ليساعدكِ."
بعد خروجهما، جلس أرثر بجانبها على السرير، صوته خافت كنسيم الليل.
"أعلم أن غضبكِ عليَّ مُبرر... لكن لا تحرميني من صوتك."
صمتت.
"حتى لو كرهتِني، فليكن... لكن لا تعذبي نفسكِ بهذا الصمت القاتل."
أخيراً، همست بصوت مكسور:
"كيف تطلب مني أن لا أغضب؟ كيف تتوقع أن أتقبل فكرة فقدانك قطعة تلو الاخرى؟"
" لأنني أفقدها من أجل أن تظلي أنتِ بخير... ومن أجل كل من يستحق الحياة."
رفعت رأسها، عيناها المحمرتان تفيضان بالدموع.
"اصمت! لا تقل شيئاً!"
انطلقت نحو حضنه، وانهمرت دموعها كالنهر الجاري.
"لا أريد عالمًا من دونك... لا أريد فجراً يطلع وأنت لست هنا."
احتضنها بقوة، يداه ترتجفان حولها.
"أعدكِ أنني سأكافح... سأبحث عن بصيص أمل... لأكون بجانبك."
"أتعدني؟ حقاً؟"
همست بين أنفاسها المتقطعة.
"أعدكِ... لأنني حتى وأنا تحت تأثير تعويذة النسيان، لم تستطع روحي أن تنساكِ."
ابتسمت من بين دموعها، ولكمت كتفه برقة.
"أنت أحمق... أحمق يعتقد أن وعوده ستنقذنا."
"لكن هذا الأحمق يذوب عشقاً بكِ."
قال وهو يمسح دموعها بأطراف أصابعه.
من المطبخ، انطلق صوت انفجار خفيف، ثم صرخة فزاعة:
"أسف كان يجب أن أفرق بين الملح والبارود الأبيض قبل أن أضع منهما. "
ضحك الاثنان معاً، وفي تلك اللحظة، عادت الحياة إلى قلبين تاهَا بين الألم والأمل.
بصيرة الكتب:
جلسوا حول مائدة الفطور، وفزاعة يحاول تحويل قطعة الجبن إلى أرنب صغير يرقص على الطاولة، لكن سحره ينقلب عليه فيتحول الجبن إلى سلحفاة تزحف ببطء شديد.
"كان مقصدي أن تكون أرنباً! لماذا أصبحت سلحفاة؟"
قالت مارتا وهي تضحك: "ربما لأنك تحتاج إلى الصبر في سحرك وحكمة."
وقفت ميجدالين فجأة، عيناها تتسعان كما لو أنها تذكرت شيئاً بالغ الأهمية. دون أن تنطق بكلمة، انطلقت مسرعة نحو غرفة المكتبة.
تبادل الجميع نظرات لحيرة، ثم انطلقوا وراءها. وجدوها تبحث بجنون بين رفوف الكتب العتيقة، تلتقط مخطوطة ثم ترميها وتأخذ أخرى.
"ميجي! ما الأمر؟" سأل أرثر وهو يدخل الغرفة مسرعاً.
أمسكت بكتاب ذو غلاف جلدي أسود، وفتحته بيد مرتعشة.
"هنا! في فصل'الاستحواذ والوعي المفقود'!"
"ماذا تقصدين؟" سألت مارتا بقلق.
"سيربانيس استحوذت على جسد فتاة... وهذا يعني أن الفتاة ما زالت حية، لكن وعيها غير موجود!"
قال أرثر: "نعلم هذا يا حبيبتي... لكن كيف سيساعدنا هذا؟"
"لو استطعنا إعادة الفتاة إلى وعيها، سنستطيع طرد سيربانيس من جسدها! ثم نحبس الروح الشريرة في أي وعاء، ونلقي عليها تعويذة التجمد! وقتها لن نحتاج للاختبار الأخير، ولن تضطر ل..." توقفت عن أكمال الجملة.
صمت ثقيل ساد الغرفة.
قال فزاعة: "لكن هذا مستحيل! كيف نعيد وعي الفتاة وهي تحت سيطرة سيربانيس؟"
أجابت ميجدالين بحماس: "الكتاب يقول إن هناك تعويذة قديمة يمكنها استدعاء الوعي المفقود! لكنها تحتاج إلى قوة سحرية هائلة!"
قالت مارتا:"وهل لدينا هذه القوة؟"
"أرثر لديه قوة خالي أرمان الآن! مع قوة فزاعة السحرية، يمكننا المحاولة!"
نظر أرثر إلى ميجدالين بعينين حزينتين. "يا ميجي... حتى لو نجحنا، فسيربانيس ستهرب لا محالة، وستجد جسداً آخر! والأختبارات يجب أن تكتمل لدفن روحها للأبد!"
"لكننا سنكسب وقتاً! سننقذ تلك الفتاة! وقد نجد حلاً آخر!"
احتضنها أرثر. "أعلم أنك تحاولين إنقاذي... لكن لا يمكننا المخاطرة بفشل المهمة كلها."
قالت بصوت مرتجف:"على الأقل جربوا! جربوا من أجل تلك الفتاة المسكينة!"
نظر أرثر إلى مارتا وفزاعة، ثم أومأ برأسه.
"حسناً... سنحاول... لكن لو فشلنا، يجب أن تعديني أن تقبلي بهذا المصير."
أمسكت بيده. "أعدك... لكني سأظل أؤمن بأن هناك معجزة."
من الزاوية، قال فزاعة:" أظن أن السلحفاة هربت بالجبن... هل هذا فأل خير أم شر؟"
ضحك الجميع، لكن في أعينهم بقيت نظرة قلق على ما سيأتي.
نور في الدكان:
أخذ أرثر ميجدالين بيده واتجها نحو دكانه القديم لصناعة المصابيح، الذي كان يحمل اسم "أنوار آرون". فتح الباب الخشبي الثقيل ليجد الغبار يتطاير في أشعة المصابيح الخافتة التي تتسلل من النافذة المتكسرة. كان المكان مهجوراً منذ أسابيع، لكن الذكريات لا تزال حية بين الجدران.
" كم كان هذا المكان يعني لي الكثير... هنا كنت أشعر أنني أنير ظلام الناس ولو قليلاً."
قال أرثر وهو يمر بإصبعه على منضدة العمل المغطاة بالغبار.
فجأة، سمعوا صوتاً طفولياً مبهجاً من الباب: "سيد آرون! لقد عدت!"
كان توماس، ابن الخباز، واقفاً على العتبة بعينين واسعتين وابتسامة تملأ وجهه الصغير.
"توماس! كم اشتقت إليك يا صغيري!" قال أرثر وهو ينحني لاحتضانه.
"اشتقت إليك أيضاً! المصابيح لم تعد تضيء كما كانت!" قال الطفل الصغير وهو يمسك بيد أرثر.
ثم نظر توماس إلى ميجدالين بفضول: "ومن هذه الأميرة الجميلة؟"
ابتسم أرثر: "هذه ميجدالين... قريبتي... وسوف تكون زوجتي في المستقبل القريب."
توماس تقدم نحو ميجدالين ببراءة الأطفال: "أنت جميلة مثل النجوم التي يحكي عنها والدي!"
جلست ميجدالين على ركبتيها لتكون بمستوى نظره: "شكراً لك أيها الفارس الصغير."
احتضنها الطفل الصغير بحنان: "أتمنى أن أجد يوماً ما أميرة جميلة مثلك!"
رفعت ميجدالين رأسها نحو أرثر، عيناها تلمعان بالدموع: "أرأيت؟ أهذا الوجه البريء لا يستحق أن تعيش من أجله؟"
وقف أرثر صامتاً للحظة، يشعر بكلماتها تلامس أعماق روحه. نظر إلى توماس الذي كان يلعب بيد ميجدالين ببراءة، ثم إلى وجهها المشرق بالأمل.
"أنتِ محقة... كل ضحكة بريئة تستحق أن نعيش من أجلها."
همس وهو يضع يده على كتف توماس: "سأصنع لك مصباحاً خاصاً اليوم... مصباحاً لا ينطفئ أبداً."
صاح توماس فرحاً: "مثل قلبك أنت! لا ينطفئ أبداً!"
ضحك الجميع، وفي تلك اللحظة، شعر أرثر أن القوة تعود إلى روحه... قوة مختلفة... قوة تولد من الحب والأمل.
عيون الظلال:
من خلال عين أحد ظلالها الخفية، التي اتخذت شكل غراب أسود على سقف الدكان، شاهدت سيربانيس المشهد بكامله. رأت أرثر يرتدي معطف والده أرمان الذي كان يتوهج ببصمة سحرية قديمة. رأت ميجدالين بجانبه، وتوماس يلعب بينهما.
"لقد عادت ذاكرته... واستيقظت قوة أرمان بداخله!" همست بصوت مليء بالشر والطمع.
عيناها الحمراوان تتقدان شهوة. "هذه القوة التي كنت أبحث عنها... قوة السحرة العليا! يجب أن تكون لي!"
بدأت تخطط بسرعة. "سأضع فخاً له عند جبل الغول... سأجعل الظلال تستعد. عندما يكون منشغلاً بترويض الغول، سأنقض عليه وأستولي على قوته! ولن يقتله أحد غيري."
رفعت يديها وبدأت تهمس تعاويذها. "يا ظلال الليل... استعدوا للمعركة!"
في الدكان، أنهى أرثر صنع مصباح صغير لتوماس. "خذ هذا... سيحميك من الظلام."
قال توماس مبتسماً: "شكراً يا سيد آرون! أنت أفضل صانع مصابيح في العالم!"
خرجوا من الدكان، حيث كان فزاعة ينتظرهم. "هل أنتم مستعدون لمواجهة الغول؟ الطريق إلى الجبال الشمالية طويل وخطير."
أمسكت ميجدالين يد أرثر. "أنا خائفة... شعرت بشيء ما يراقبنا."
قال أرثر: "أنا أيضاً شعرت بوجود من يراقبنا... لكن علينا ان نواجهه."
نظر فزاعة إلى السماء حيث كان الغراب الأسود يحلق. "أظن أننا سنواجه أكثر من مجرد غول اليوم."
"مهما يكن، سنكون مستعدين." قال أرثر وهو يرفع يده، فظهر الخنجر الذهبي متوهجاً.
اتجهوا نحو الجبال، كل خطوة تقربهم من مصير مجهول. أرثر يعلم أن المعركة القادمة ستكون مختلفة... وأن سيربانيس لن تتردد في استخدام أي وسيلة للوصول إلى قوته.
معركة الجبل ونقطة الضعف:
عندما وصلوا إلى سفوح الجبال الشمالية، وجدوا أنفسهم محاطين بظلال سيربانيس التي تموج كالموج الأسود. كانت تتشكل في أشكال مخيفة، تصدر همسات مزعجة تملأ الجو.
"احموا أنفسكم!" صاحت ميجدالين، ورفعت يديها بسرعة، مشكلة حاجزاً من نور ذهبي يحميهم من الهجوم الأولي للظلال.
"كم عددهم؟!" صاح فزاعة وهو يحاول تحويل ظل إلى فراشة دون نجاح.
"أكثر مما توقعنا!" رد أرثر، والخنجر الذهبي في يده يلمع بقوة.
من بين الصخور، ظهر الغول العملاق، بطول عشر أقدام وعضلات كالصخور. "من يتجرأ على إزعاج راحتي؟!"
"يا له من وحش جميل!" قال فزاعة بسخرية. "أعتقد أنه يحتاج إلى حمام لتنظيفه!"
هجم الغول عليهم بغضب، لكن أرثر قفز جانباً بسرعة. "لا نريد إيذاءك! بل نريد التحالف معك!"
"البشر لا يستحقون الثقة!" زأر الغول وهو يحطم صخرة بقبضته.
بدأت معركة هزلية؛ فزاعة يحاول ربط قدم الغول بحبل سحري، لكنه يربط نفسه بدلاً من ذلك. أرثر يحاول التحدث مع الغول لإلهائه بينما يتفادى ضرباته.
"هل جربت طعام البشر من قبل؟" قال أرثر وهو يتدحرج تحت ذراع الغول.
"أنا آكل الصخور فقط!" رد الغول وهو يحاول الإمساك به.
فجأة، قفز فزاعة على ظهر الغول. "إني أمسك به! الآن دورك!"
قال أرثر:"أنا أرثر بن أرمان! وأمرك بأن تكون حليفاً ليّ ومطيعاً لأوامري!"
توقف الغول فجأة، ونظر إلى أرثر بعينين واسعتين. " هل تقصد الملك أرمان... ملك السحرة؟"
"نعم! وأحتاج مساعدتك ضد قوى الظلام."
انحنى الغول مبتسماً. "أقسم لك بالطاعة الولاء مادمت حياً يا سيدي... أنا أسف، لم أعرفك منذ البداية."
صاح فزاعة:"ممتاز! سنسميك غولي! اسم لطيف لغول لطيف مثلك!"
في تلك اللحظة، بدأ حاجز ميجدالين يضعف. "لا أستطيع التحمل أكثر... أرثر."
انزلقت إلى الأرض، وأنفها ينزف دماً. قبل أن تسقط بالكامل، التقطها أرثر في حضنه.
"ميجي! حبيبتي!" صرخ وهو يضغط على يدها.
أغمضت عينيها وفقدت وعيها. وضعها أرثر بلطف في تجويف صخري محمي.
"احمها يا غولي!" أمر أرثر وهو يتحول إلى قائد مختلف.
انطلق هو وفزاعة نحو الظلال، غاضبين كالعاصفة. الخنجر الذهبي يقطع الظلام، وسحر فزاعة يحول الظلال إلى أزهار سوداء.
"لن اسمح لأحد بأن يمس من أحب مرة أخرى!" هتف أرثر وهو يضرب بقوة لم يعرفها من قبل.
بعد دقائق، كانت المعركة قد انتهت. الظلال تبددت، والجبال عادت إلى هدوئها.
ركض أرثر عائداً إلى ميجدالين، قلبه ينبض بالخوف. "يا إلهي... ميجي! استيقظي يا حبيبتي."
من خلال عيون ظلالها، شاهدت سيربانيس كل شيء. رأت خوف أرثر، ورأته يحمل ميجدالين بحنان.
"أخيراً... وجدت نقطة ضعفه." همست وهي تبتسم ابتسامة شريرة.
"الفتاة ستكون مفتاحي للقوة... ستكون وسيلتي لأخذ ما أريد."
خططت لمكيدة جديدة... مكيدة ستغير مصير الجميع.