عروش الرماد - بين رفاهية السماء وجوع الأرض - بقلم دينا الخليفي | روايتك

اسم الرواية: عروش الرماد
المؤلف / الكاتب: دينا الخليفي
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: بين رفاهية السماء وجوع الأرض

بين رفاهية السماء وجوع الأرض

تحت سماءٍ لا تعرف الصفاء، لم تكن أرڤانتا مدينة واحدة بل جرحًا منقسمًا إلى نصفين، أحدهما يرتفع نحو العلو كأنّه يتحدّى العالم، والآخر يغرق في الأسفل كأنه عوقب على وجوده منذ البداية. في الأعلى، حيث الهواء أنقى والضوء أقلّ بخلًا، قامت مدينة النبلاء، مبنية على طبقاتٍ من الحجر المصقول، شوارعها واسعة، صامتة، كأنها خُلقت لتُرى لا لتُعاش. هناك، كل شيء بدا ثابتًا، متزنًا، كما لو أن الزمن نفسه اختار أن يمرّ بخفّة، أو أن يتوقف احترامًا لمن يسكنها. وفي قلب ذلك العلو، ارتفع القصر. لم يكن مجرد بناء يطلّ على المدينة، بل كيانٌ يراقبها. جدرانه السوداء تشقّ السماء كأنها لا تنتمي للأرض، وأبراجه تقف كحرّاسٍ لا ينامون، يحدّقون في الأفق بلا ملل، كأنهم ينتظرون عدوًا لا يأتي… أو سرًا لا يُكشف. كل طريق في الأعلى يقود إليه، وكل نظرة تنتهي عنده، حتى بدا وكأن المدينة نفسها وُجدت لتخدم وجوده، لا العكس. لكن أسفل هذا الارتفاع حيث لا تصل النظرات بسهولة، ولا يهتم الضوء بما يجري، تمتد مدينة أخرى، مدينة لا تُرى إلا إذا انحنى المرء بما يكفي. هناك، لا تُبنى البيوت بل تُكدّس. الأزقة ضيقة، ملتوية، كأنها تهرب من نفسها، والهواء ثقيل برائحة تعبٍ لا ينتهي. الجدران رطبة، متشققة، تحمل آثار أيدٍ لا تُعد، أيدٍ مرّت ولم تترك وراءها سوى أثرٍ باهت يدل على أنها كانت هنا يومًا ما. الناس في الأسفل لا يرفعون رؤوسهم كثيرًا. ليس لأنهم لا يريدون، بل لأن الأعلى لا يُشبههم. القصر، الذي يبدو من هناك كظلٍ ضخم، لا يمنحهم سوى شعور واحد: أن كل ما فوقهم… لا ينتمي إليهم، لكنه يملكهم بالكامل. بين المدينتين، لا توجد حدود مرسومة، ولا أسوار تفصل بينهما بوضوح، لكن الفرق كان أعمق من أن يُرى. فرق في الهواء، في الخطوات، في الأصوات، وحتى في الصمت. ففي الأعلى، الصمت اختيار. وفي الأسفل الصمت نجاة. وكان القصر، ثابتًا في مكانه، يطلّ على الاثنين معًا، لا يميل لأحد، ولا يرحم أحدًا كأنه خُلِق ليُذكّر الجميع بحقيقةٍ واحدة: أن ما يرتفع لا يفعل ذلك دون أن يُسقِط شيئًا تحته.