الفصل التاسع
••𝓣𝓱𝓮 𝔀𝓻𝓲𝓽𝓮𝓻 𝓐𝓻𝓲𝓭𝓳••
꧁꧂
꧁꧂
꧁꧂
كانت خطواتها تتلاحق على عجل، كأن خيطًا خفيًا يشدّها نحو ذلك الموضع الذي توهّمت أنه سيمنحها مفاتيح الإجابة عن تساؤلاتها المتراكمة.....أو هكذا خُيّل إليها على الأقل. التفتت بخفة، وانسابت بين دهاليز شارع ضيّق، حتى ما لبثت بعد لحظات خاطفة من الركض أن انفسحت أمامها ساحة فسيحة بأرضية صخرية عتيقة، يتوسّطها تمثال ذهبي لحاكم مالنور، وخلفه، كان ذلك المبنى يرقد في صمت، كأنما يحتضن بين جدرانه أسرار عصور سحيقة لم يعد لها صدى.
جدرانه العريضة بلون بنيّ شاحب، وأعمدته السامقة ترتفع كغابة من الرخام، تحفّ المدخل بزخارف دقيقة مشبعة بماء الذهب، تتلألأ بخفوت تحت ضوء النهار. أمّا بابه، المصنوع من خشب داكن موغل في القدم، فكان يلمع بوقار تحت أشعة الشمس… لكل خدشٍ فيه حكاية، ولكل مسمار شهادة على زمنٍ اندثر ولم يبقَ منه سوى الأثر.
اندفعت نحو الدرجات الثلاث التي تفصلها عن ذلك الباب...ذلك الحاجز الذي يقف بينها وبين انكشاف الحقيقة. صعدت بخفة ممزوجة بلهفة، ثم دفعت الباب فانفتح أمامها، لتلج عالمًا آخر.
كانت المكتبة أشبه بفسحة من الخيال، عالمًا مكتظًا بالسكون. رفوف شاهقة من خشب بني داكن تصطف على الجانبين، تتكدّس عليها الكتب في نظام صارم، وكأنها جنود مصطفّون في حضرة الأبد. الصمت هناك لم يكن مجرد غياب للصوت، بل حضور ثقيل، كأنه يقف على عتبة الزمن نفسه.
لمحت نايريس صديق طفولتها "هنري"، الذي طالما شاركته أيامًا طويلة بين هذه الرفوف، يقلبان صفحات الكتب، نصفها معًا، والنصف الآخر أكمله هو بعد أن سخر نفسه للعمل في هذا المكان. كان واقفًا أمام أحد الرفوف، غارقًا في عالمه، لا ينتبه لشيء سواه.
اقتربت منه بخطوات وئيدة، حتى وقفت خلفه مباشرة، ثم رفعت يديها برفق وأغمضت عينيه، وقالت بنبرة يغلّفها مرح خافت /احزر من تقف هنا ؟
ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه، وقال /ومن عساها تكون غيركِ أنتِ؟
ضحكت بخفوت، وأنزلت يديها، وشبكتهما خلف ظهرها. أما هو، فقد استدار ليواجهها. كان شعره البني مصففًا بعناية، يضفي عليه مسحة من جاذبية آسرة، وبشرته الحنطية تنبض بالحياة، حاجباه كثيفان، وعيناه… عيناه بلون عصيّ على الوصف، كأنهما احتفظتا بآخر أنفاس الغروب...زرقة مشبعة بدفء خفي، لون يحمل زرقة الشفق وسر الشمس الأخير قبل الرحيل
أغلق الكتاب الذي كان بين يديه، وقال وهو يحدّق فيها بنظرة متفحّصة /إذن، ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟
للحظة، شعرت بثقل الفكرة التي جاءت من أجلها، وترددت. كيف يمكن لعقلٍ سليم أن يتقبل ما ستقوله؟ حتى هي نفسها لم تستطع أن تمنحه تفسيرًا منطقيًا. لكن هنري… كان دائمًا أكثر من يؤمن بما وراء المألوف، ولن يكون تصديق ما ستقوله أمرًا عسيرًا.
قالت، وقد بدا التردد واضحًا في نبرتها /أود أن أسألك...هل رأيت يومًا شيئًا يتحرّك تحت قدميك؟ كان...
وقبل أن تُتم عبارتها، تغيّرت ملامحه على نحو مفاجئ؛ انقبضت ملامحه بتوتر ظاهر، وتقدّم نحوها بسرعة، ثم وضع كفّه على فمها، وهمس بصوت خافت متوتر/اششش...المكان ليس مناسبا !
اتسعت عينا نايريس في دهشة ، لكنها أومأت برأسها موافقة. استدار هنري، وأعاد الكتاب إلى الرف ثم قال بنبرة حاسمة /اتبعيني.
سارت خلفه بحذر، تراقب حركاته القلقة، بينما كان يلتفت يمينًا ويسارًا، كأن عيونًا خفية تتربص بهما. اشتدّ الغموض في صدرها، وتدافعت الأسئلة في ذهنها ....ما الذي يحدث هنا؟ ولماذا كل هذا التوتر؟
واصلا السير حتى بلغا درجًا يقود إلى ظلمة حالكة. نزلا ببطء، ثم أخرج هنري مفتاحًا من جيبه، وفتح بابًا صغيرًا، أمسك بيد نايريس وأدخلها معه على عجل، ثم أغلق الباب خلفهما بحذر شديد.
تنفست نايريس باضطراب، وقد امتزج انزعاجها بالتوتر، وقالت بنبرة مشوبة بالارتباك/هل ستخبرني الآن ما الذي يحدث؟ ولماذا منعتني من التحدث؟
نظر إليها هنري بجدية غير مألوفة، وقال بصوت منخفض/أنتِ تتساءلين عن شيء لم يره أحد قط...تحديدًا في مالينور.
عقدت حاجبيها، وقالت بعدم فهم/وما الذي يعنيه ذلك؟
أجابها، وقد اشتد صوته قليلًا/يعني أنكِ ستبدين كمجنونة إن سمعكِ الآخرون...وستصبحين متمردة إن بلغ كلامكِ مسامع الملك وحاشيته.
رفعت يديها إلى شعرها، ومرّرت أصابعها بين خصلاته بقلق، وقالت بنبرة متوترة/لا زلت لا أفهم شيئًا لماذا سأكون متمردة؟
تنهد هنري، ثم قال ببطء، كأنه ينتقي كلماته بحذر/لأن الجميع لا يعلم .لقد لُقّنتم أمرًا واحدًا فقط: الطاعة ولا شيء غيرها...دون ان تسألوا عن الظل
اتسعت عيناها بدهشة وتمتمت/الظل؟
أومأ برأسه، وقال بصوت أثقل/نعم...الظل. ذلك الشيء الذي جُرّد منه أهل مالينور جميعهم. لا أعلم إن كان نتيجة للعنة أم لتعويذة، لكنني أعلم شيئًا واحدًا...من يبحث عن ظله، يختفي. فجأة بدون سابق انذار...
هزّت رأسها بعدم تصديق، وقالت بنبرة يغلبها الإنكار/أظن أن هذا هو الجنون بعينه.
نظر إليها بتركيز عميق، وقال ببطء/لكن أنتِ رأيته وهذا يعني أنكِ أنتِ... المختارة.
تراجعت خطوة، وقد ارتسم الذهول على ملامحها، وقالت بصوت يكاد يكون همسًا/المختارة؟
ساد الصمت.... صمت كثيف كأنه يضغط على الأنفاس. كانت الأسئلة تتدفق إلى عقلها بلا انقطاع، تتصادم، تتشظى، وتترك خلفها حيرة لا قرار لها. كل هذا الغموض بدأ يكشف عن وجه خفي لمالينور...وجه لم تكن تتخيل وجوده.
أكانت لعنة… أم سرًا أعمق مما يُحتمل؟