صاحب المسافة - العودة - بقلم ميساء - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صاحب المسافة
المؤلف / الكاتب: ميساء
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: العودة

العودة

لم يكن الغياب نهاية القصة كما ظننت… بل كان بداية شكل آخر منها. عاد بعد فترة من الصمت. ليس عودة مفاجئة، بل كأن شيئًا فيه تغيّر خلال الغياب، أو هكذا بدا على الأقل في البداية. لم يكن أسلوبه كما كان من قبل. هناك شيء خافت في طريقته، أقل حدّة، أكثر هدوءًا، كأنه يحاول أن يعيد بناء المسافة بيننا بشكل مختلف هذه المرة. كان كلامه ألين. نبرته أقل ضغطًا، وأقل سيطرة. وكأنه اكتشف متأخرًا أن القسوة لا تُبقي أحدًا قريبًا. في لحظة ما، قال ما يشبه الاعتراف… اعتذارًا غير مكتمل، لكنه واضح في معناه: أن ما كان بيننا في السابق لم يكن متوازنًا، وأنه ربما تجاوز حدودًا لم يكن يجب أن يتجاوزها. لم يكن اعتذارًا مثاليًا، ولا جملة واحدة تغلق كل شيء. لكنه كان كافيًا ليحرّك شيئًا داخليًا لم يمت بالكامل بعد. مع الوقت، بدأ يتغير أكثر. لم يعد يفرض حضوره كما كان يفعل سابقًا. لم يعد يسأل بنفس الطريقة، ولا يضغط بنفس الأسلوب. كان أقرب إلى شخص يحاول أن “يكسبني” من جديد، لا أن يسيطر عليّ. يظهر اهتمامًا أكبر، صبرًا أطول، وكلمات تحمل نبرة مختلفة: أقل أمرًا، وأكثر محاولة للفهم. صار أحنّ في تعبيره، وألطف في تواصله. حتى حضوره نفسه أصبح أقل ثقلًا، كأنه تعلّم كيف يكون قريبًا دون أن يضغط. وأنا… كنت أراقب هذا التغيّر بحذر لا يظهر في الخارج. جزء مني كان يريد أن يصدق أن هذا هو الشكل الحقيقي له. أن النسخة القديمة كانت مجرد مرحلة، وأن هذه النسخة الجديدة هي الحقيقة. وجزء آخر كان لا يزال يتذكر جيدًا… كيف تبدأ بعض العلاقات بالقسوة، ثم تتعلم فجأة أن ترتدي وجهًا آخر عندما تخاف أن تخسر. لم أعد أندفع كما في البداية. كنت أقترب وأتراجع في نفس الوقت، كأن داخلي لا يريد أن ينسى، ولا يريد أن يعيد التجربة بالكامل أيضًا. لكن الحقيقة أن شيئًا ما كان قد تغيّر بيننا. لم يعد هو كما كان… ولم أعد أنا كما كنت أيضًا. وهذا ما جعل العودة مختلفة. ليست عودة إلى البداية، بل إلى نسخة جديدة من نفس القصة… لا أحد يعرف إن كانت أكثر أمانًا، أم أكثر تعقيدًا. بعد تلك العودة، بدأت العلاقة تأخذ شكلًا مختلفًا. لم تعد قائمة على الانقطاع والاختفاء كما في السابق، بل أصبحت أكثر انتظامًا، أقرب إلى يوميات ثابتة لا تتغير كثيرًا، لكنها في العمق كانت تحمل توترًا هادئًا لا يُقال. كان يتواجد بشكل أكبر، بشكل يومي تقريبًا. حديث أطول، اهتمام أوضح، وطريقة مختلفة في الاقتراب، كأنه يحاول أن يعوّض ما كان ينقص في السابق دون أن يطلب مني أن أنسى ما حدث. لم يعد يضغط كما كان يفعل من قبل. صار أكثر صبرًا، أكثر استماعًا، وأكثر محاولة لإظهار صورة مختلفة عنه. حتى وعوده تغيّرت. لم تعد مجرد كلمات عابرة، بل بدأت تأخذ شكل خطط: مستقبل، انتقال، حياة أخرى في مكان بعيد، وكأن المسافة بيننا يمكن أن تُلغى بمجرد قرار. وكان يتحدث عن ذلك بثقة جديدة، وكأن الفكرة أصبحت جاهزة للتحقق، لا مجرد احتمال. ومع هذا التغيّر، بدأت أجد نفسي أعود تدريجيًا إلى مساحة لم أكن أريد العودة إليها. ليس بنفس الاندفاع القديم، لكن بنوع من الانجذاب الهادئ الذي يصعب مقاومته عندما يبدو كل شيء أقل ألمًا من السابق. كنت أقول لنفسي إنني أكثر وعيًا الآن… أكثر حذرًا، أكثر قدرة على المراقبة. لكن في العمق، كان هناك شيء قد بدأ يعيد بناء الرابط من جديد. ليس عبر السيطرة المباشرة، بل عبر الاستمرارية، عبر التكرار، عبر الإحساس بأن “هذه المرة مختلفة”.صار وجوده اليومي جزءًا من إيقاع حياتي. أعتاد صوته، طريقته في الكلام، وحتى اللحظات الصغيرة التي يختار فيها أن يكون لطيفًا بشكل غير متوقع. وهذا اللطف بالذات كان يربكني. لأنه لم يكن مثل الماضي، لكنه كان يحمل أثر الماضي في الخلفية. كنت أستقبل هذا التغيير بحذر، لكن أيضًا بشيء من الارتياح الذي لا أستطيع إنكاره. كأن العلاقة، أخيرًا، بدأت تأخذ شكلًا يمكن احتماله. مع مرور الأيام، بدأت فكرة أخرى تتسلل بهدوء إلى داخلي… فكرة لم تكن واضحة في البداية، لكنها كانت تكبر بصمت: أنني ربما أحبه فعلًا. لم يكن هذا الشعور يأتي كقرار واعٍ، بل كإحساس يتكوّن من تكرار اللحظات اللطيفة، من هدوءٍ جديد في طريقة تعامله، ومن تلك النسخة منه التي لم أكن أعرفها من قبل. كان يتحدث عن المستقبل بثقة، عن السفر، عن حياة يمكن أن نبدأها في مكان بعيد، وكأن كل ما حدث بيننا كان مجرد مرحلة تمهيدية لشيء أكبر. ومع كل حديث عن الغد، كنت أجد نفسي أتخيله بشكل لا أستطيع إيقافه. ليس لأنه أقنعني تمامًا، بل لأن جزءًا مني كان يريد أن يصدق أن هذا الاحتمال يمكن أن يكون حقيقيًا. كان هناك تناقض داخلي لا يهدأ. عقلي يحاول أن يتذكر كل ما حدث سابقًا… وقلبي، أو ما كنت أظنه قلبي، يبدأ في التركيز فقط على اللحظة الحالية. اللطف الجديد كان يطمس حدّة الماضي شيئًا فشيئًا. والاستمرارية اليومية كانت تبني نوعًا من الألفة التي تشبه الأمان، حتى لو كانت مبنية على تاريخ غير مستقر. ومع الوقت، بدأت أقول لنفسي جملة لم أكن أتوقع أن أصدقها: “ربما أنا أحبه بالفعل.” لكن الحقيقة أن هذا الحب لم يكن صافياً كما كنت أظنه. كان خليطًا معقدًا من التعلّق، والحنين لنسخة مختلفة منه، والخوف من فقدان شيء بدأ أخيرًا يستقر. كنت أخلط بين الشعور بالراحة وبداية الحب. بين الاعتياد على وجوده، وبين الرغبة الحقيقية فيه. وأحيانًا، بين كوني سعيدة فعلًا، وبين كوني فقط مرتاحة لأن الألم السابق هدأ. وفي كل مرة كنت أقترب أكثر من فكرة “الحب”، كان هناك صوت خافت في داخلي يسألني: هل هذا حب… أم مجرد خوف من العودة إلى الفراغ الذي كان قبله؟ لكن ذلك الصوت، في تلك المرحلة، لم يكن أقوى من الإحساس الجديد الذي بدأ يتكوّن… إحساس يقول لي إنني أخيرًا وجدت شيئًا يمكن أن يستمر