صاحب المسافة - مرحلة الانفصال - بقلم ميساء - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: صاحب المسافة
المؤلف / الكاتب: ميساء
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: مرحلة الانفصال

مرحلة الانفصال

بعد تلك الليلة، لم يعد شيء كما كان. لم يكن القرار إعلانًا صاخبًا ولا مواجهة طويلة، بل كان صمتًا مختلفًا… صمتًا فيه نهاية غير قابلة للتفاوض. لم أعد أبحث عن تفسير لما حدث، ولا عن تبرير لما كنت أراه واضحًا فجأة. كأن الضباب الذي كان يغطي كل شيء قد انكشف دفعة واحدة، وتركني أمام صورة لم أعد أستطيع تجاهلها. كان الانفصال في البداية داخليًا قبل أن يكون خارجيًا. انسحاب بطيء من كل ما كان يربطني به: الحديث، الردود، الانتظار، وحتى تلك العادة الخفية في مراقبة حضوره وغيابه. لكن الأمر لم يكن سهلًا كما يبدو. لأن العلاقة لم تكن مجرد تواصل بين شخصين… بل كانت رابطًا نفسيًا تعوّد على الاستمرار، حتى عندما يفقد معناه. كان يعود بين الحين والآخر، كأن شيئًا لم يحدث. كلمات خفيفة، محاولات لإعادة فتح باب أُغلق من جهتي لأول مرة بوضوح. لكن داخلي كان قد تغيّر. لم أعد أستجيب بنفس الطريقة. ليس لأنني أصبحت قوية فجأة، بل لأن شيئًا داخليًا كان قد تعلّم كيف يرفض بعد أن كان يبرر دائمًا. وكان هذا التغيّر يربكني أنا أيضًا. لأنني كنت أكتشف أن الانفصال الحقيقي لا يحدث عندما يغيب الآخر… بل عندما تتوقف أنت عن الاستجابة له بنفس النسخة القديمة منك. في تلك الفترة، كان هناك صراع صامت داخلي: جزء يريد العودة إلى ما كان مألوفًا، حتى لو كان مؤلمًا، وجزء آخر بدأ يرى أن الألم نفسه لم يعد مقبولًا. لم يكن الغياب عنه هو الأصعب… بل الغياب عن النسخة التي كنت عليها معه. تلك النسخة التي كانت تتنازل، تبرر، تنتظر، وتفسر كل شيء لصالح البقاء. ومع مرور الوقت، بدأت المسافة تتسع. ليس بيننا فقط… بل بيني وبيني. شيئًا فشيئًا، بدأت أتعلم أن الانفصال ليس قرارًا واحدًا، بل سلسلة صغيرة من القرارات اليومية: أن لا أعود، أن لا أشرح، أن لا أبرر، أن لا أفتح الباب من جديد كل مرة يُطرق. وكان هذا أصعب بكثير من مجرد “النهاية”. بعد أن بدأت المسافة تتسع، لم يكن الغياب كاملاً كما تمنيت… بل كان يأتي على شكل موجات صغيرة، غير منتظمة، لكنها كافية لإعادة فتح ما بدأ يلتئم بصعوبة. لم يكن يختفي تمامًا. كان يظهر في اللحظات التي تبدو عادية جدًا، كالأعياد، أو المناسبات، أو في أوقات لا تحمل معنى خاصًا، لكنه يختارها كأنه يعرف أين يترك أثره دون أن يطلب تفسيرًا. كانت رسائل قصيرة، بسيطة في شكلها، لكنها تحمل شيئًا غير مرئي في معناها: نوع من التذكير بأن ما كان بيننا لم يُمحَ بالكامل، وأن الباب لم يُغلق تمامًا من جهته هو. وأنا… كنت أقرأ تلك الرسائل وكأنها تأتي من مكان بعيد في داخلي، لا من شخص خارج حياتي فقط. لم أكن أعود، لكنني أيضًا لم أكن أختفي بالكامل من داخلي. كان هناك تردد صامت، ليس في القرار، بل في الشعور. كيف يمكن لشيء أن ينتهي، ثم يعود بهذه السهولة؟ وكيف يمكن للغياب أن يتصرف وكأنه لم يحدث؟ مع كل محاولة عودة، كان هناك اختبار غير معلن. ليس له فقط… بل لي أنا أيضًا. هل ما زلت أضعف من ذلك الرابط؟ هل ما زال بإمكانه أن يعيد تشكيل جزء مني بمجرد جملة واحدة؟ في كل مرة كنت أظن أنني تجاوزت… كان يظهر لي أن التجاوز الحقيقي ليس في النسيان، بل في عدم الاهتزاز. وكنت أتعلم ذلك ببطء شديد. لم أكن أرد دائمًا. وأحيانًا كنت أرد ببرود لا يشبه النسخة القديمة مني. لكن داخلي لم يكن هادئًا كما يبدو من الخارج. كان هناك صراع بين من يريد أن يغلق الباب نهائيًا، ومن ما زال يتذكر شكل الباب وهو مفتوح. ومع الوقت، بدأت أفهم شيئًا مؤلمًا: أن بعض العلاقات لا تنتهي بقرار واحد، بل تحتاج وقتًا حتى يفقد كل طرف قدرته على التأثير في الطرف الآخر. وفي النهاية، لم يعد حضوره يحرّكني كما كان. ليس لأنني نسيت… بل لأنني بدأت أرى بوضوح ما كنت أراه سابقًا من داخل ضباب الخوف والتعلّق. وكان هذا هو الانفصال الحقيقي: ليس لحظة غياب… بل لحظة توقف فيها القلب عن إعادة نفس القصة بنفس الطريقة.