الفصل 4 : لا تخرق مجددًّا!
بعد أن وصلوا إلى نهاية حبل انزلاق آروجيا، قفزوا بسرعة إلى الأرض، وكانت قلوبهم ما تزال ممتلئة بالحماس من سرعة النزول والهواء البارد الذي كان يضرب وجوههم طوال الطريق. وما إن استقرت أقدامهم على الأرض حتى انحنوا بسرعة واختبؤوا بين الأعشاب الطويلة والشجيرات القريبة، ثم بدأوا يتسللون بينها بحذر، محاولين أن يبدوا وكأنهم عائدون من الطريق الجبلي المعتاد، لا من حبل الانزلاق. كانت ديانا تكتم ضحكتها بصعوبة كلما تعثر أحدهم أو أصدر صوتًا عاليًا دون قصد، بينما كانت آنييه تمشي بثقة كاملة، وكأن خطتهم ذكية جدًا ولا يمكن أن تنكشف أبدًا، أما ليو فكان ينظر حوله بتوتر طوال الوقت، وكأنه ينتظر أن يخرج أحد فجأة ويصرخ في وجوههم.
وفجأة لمحَتهم الأم. اتسعت عيناها فورًا، ثم ركضت نحوهم بسرعة كبيرة حتى تحرك ثوبها مع اندفاعها، وكان واضحًا من وجهها أنها كانت خائفة عليهم منذ وقت طويل. وصلت إليهم بسرعة، ثم أمسكت بيد ديانا فورًا وكأنها تتأكد أنها بخير فعلًا، وبعدها رفعت نظرها إلى آنييه وهي تسأل بقلقٍ واضح:
«أين كنتن طوال هذا الوقت؟! لقد تأخرتم كثيرًا!»
ضحكت ديانا بتوتر، ثم بدأت تحك رأسها محاولة أن تبدو طبيعية:
«كنا في الجبل يا أمي، لم نذهب إلى أي مكان آخر... وصنعنا قلادات أيضًا بمناسبة العيد!»
ثم رفعت القلادة الصغيرة أمامها بفخر وكأنها دليل براءة. تنهدت الأم أخيرًا براحة واضحة، وكأن خوفًا ثقيلًا انزاح عن صدرها، ثم اقتربت تنظر إلى القلادات المعلقة في أعناقهم وقالت بابتسامة خفيفة:
«لقد أقلقتموني فعلًا... لكن القلادات جميلة.»
رفعت آنييه رأسها فورًا بتفاخر، ثم أشارت إلى القلادة التي ترتديها ديانا وقالت بثقة:
«التي صنعتها أنا لديانا أجمل، أليس كذلك؟»
اعترضت ديانا بسرعة، واتسعت عيناها بانزعاج وكأنها أُهينت شخصيًا:
«لا! قلادتي أجمل بكثير!»
وقبل أن يتحول الأمر إلى شجار حقيقي، بدأت الأم تضحك وهي تنظر إليهما، ثم قالت محاولة إنهاء الجدال:
«لا داعي للتشاجر، الاثنتان جميلتان.»
ثم عقدت حاجبيها قليلًا وهي تنظر إلى ملابسهم المتسخة والطين العالق بأيديهم وأرجلهم، وقالت بتأففٍ لطيف:
«والآن اذهبوا واستحموا، أنتم ممتلئون بالطين.»
وفور سماعهم ذلك ركضوا جميعًا نحو البحر بلا تردد، ديانا وآنييه وليو، وحتى شيبي الذي انطلق خلفهم بحماسٍ شديد وكأنه فهم الكلام هو أيضًا. ثم قفزوا في الماء دفعة واحدة، فارتفع رذاذ البحر حولهم، وامتلأ المكان بضحكاتهم العالية وصراخهم المرح. كانت ديانا ترش الماء على آنييه باستمرار، بينما يحاول ليو الدفاع عن نفسه من هجماتهما الفوضوية، وشيبي يدور حولهم قرب الشاطئ بحماسٍ غريب وكأنه يريد القفز معهم. وقفت الأم تراقبهم من بعيد، وكانت تبتسم دون أن تشعر، ثم تنهدت بخفة وقالت وكأنها تحدث نفسها:
«يا إلهي... ما أشقى هؤلاء الأطفال.»
ومع مرور الوقت حلّ المساء أخيرًا، واجتمع الجميع قرب الخيمة حول النار المشتعلة استعدادًا للعشاء. كانت المقاعد المصنوعة من جذوع الأشجار المقسومة موضوعة حول النار بشكل دائري، والضوء البرتقالي الهادئ ينعكس على وجوههم، بينما يتحرك دخان الحطب ببطء في الهواء الليلي البارد. جلست الأم معهم، وكذلك ديانا وآنييه وليو، وحتى شيبي كان مستلقيًا قرب النار وكأنه فردٌ حقيقي من العائلة. كانوا يضحكون ويتحدثون باستمتاع، وصوت الأمواج البعيد يختلط مع أصواتهم الهادئة، لكن وسط كل ذلك لاحظت ديانا شيئًا غريبًا. كان والدها صامتًا أكثر من المعتاد، وملامحه متعكرة قليلًا وكأنه يفكر في أمرٍ يزعجه منذ فترة، حتى إنه لم يشاركهم الضحك كما يفعل دائمًا. راقبته ديانا للحظات بصمت، لكنها لم تقل شيئًا، واكتفت بالنظر إليه بين حينٍ وآخر.
وبعد انتهاء العشاء، ذهبت ديانا وآنييه وشيبي لغسل الأواني، بينما ذهب ليو إلى أصدقائه القريبين من الخيام الأخرى. كان الليل قد بدأ يزداد ظلمة، والهواء صار أبرد قليلًا، بينما انعكس ضوء القمر فوق البحر الهادئ. وفي طريق عودتهن بعد الانتهاء من الغسل، لمحْن والدهن واقفًا قرب البحر في زاوية بعيدة نسبيًا عن الخيام. كان واقفًا بصمت، والأمواج تتحرك خلفه بهدوء، ثم رفع يده وأشار إليهن أن يقتربن.
شعرت ديانا بانقباضٍ خفيف في معدتها فورًا، ثم اقتربت من آنييه وهمست لها بخوف:
«أتعتقدين أنه اكتشف الأمر؟»
عبست آنييه فورًا، وبدا الانزعاج واضحًا على وجهها، ثم قالت بصوتٍ منخفض وهي تشد قبضتها قليلًا:
«أظن ذلك... ولا بد أن ليو هو من أخبره.»
اقتربتا ببطء حتى وصلتا إليه، وما إن أصبحتا أمامه حتى شعرتا بجدية الجو فورًا. كانت ملامحه حادة فعلًا، وعيناه مليئتين بالغضب المكتوم. نظر إليهما للحظات طويلة دون أن يتكلم، حتى بدأ التوتر يزداد أكثر، ثم قال أخيرًا بصوتٍ صارم:
«أعتقد أنكما تعرفان جيدًا ما الذي فعلتماه، أليس كذلك؟»
خفضت ديانا رأسها مباشرة، وكذلك آنييه، ولم تستطع أي واحدةٍ منهما الرد. ثم أكمل بنبرة أكثر حدة:
«ألم نقل إن حبل انزلاق آروجيا لا يُستخدم إلا في ليلة عيد اكتمال القمر؟»
ساد الصمت تمامًا، حتى صوت البحر بدا وكأنه اختفى للحظة. ثم قال بغضب واضح:
«ما فعلتماه يُعد مخالفة صريحة للقوانين.»
لم تجرؤ أي واحدةٍ منهما على الكلام، وبقيتا واقفتين بصمتٍ كامل. ثم قال فجأة وهو ينظر مباشرة إلى آنييه:
«وأنا أحمّل آنييه المسؤولية كاملة.»
رفعت آنييه رأسها بسرعة، وقد ارتبكت من كلامه وقالت تدافع عن نفسها فورًا:
«لماذا؟! الجميع نزل من...»
لكن والدها قاطعها بغضب:
«لأنكِ الأكبر بينهم! أنتِ من قادهم إلى ذلك وكأنه أمر طبيعي! ألا تلاحظين أنكِ دائمًا تتخذين قراراتك دون التفكير بعواقبها؟»
بدأت نظرات آنييه تهتز قليلًا، بينما أكمل هو بحدة أكبر:
«أعتقد أن ديانا وليو كانا يعرفان أن الأمر خاطئ، لكنكِ جعلتِه يبدو وكأنه شيء عادي.»
خفضت آنييه رأسها ببطء، وكانت تحاول بقوة ألا تبكي، ثم قالت بصوتٍ خافت وهي تمسك دموعها:
«لكن... في النهاية لم يحدث شيء.»
تنهد والدها بغضبٍ مكبوت، ثم قال بصرامة:
«سلامتكم اليوم كانت بسبب الحظ، لكن القوانين موجودة لحمايتكم، وحين ينجح الأمر مرة، قد تعيدونه مرة أخرى وكأن الخطر غير موجود.»
ثم أشار بيده نحو الخيام وقال بلهجة حاسمة:
«اذهبي الآن واعتذري لأمك، فهي مستاءة منك.»
ارتجفت شفتا آنييه قليلًا، ثم استدارت بسرعة وبدأت تركض مبتعدة. وكان شعرها يغطي جزءًا كبيرًا من وجهها، لكنها رغم ذلك لم تستطع إخفاء دموعها تمامًا، كانت تحاول ألا يبدو بكاؤها واضحًا، لكن صوت أنفاسها المرتجفة فضحها قليلًا.
شعرت ديانا بالحزن فور رؤيتها هكذا، ومدّت يدها نحوها بسرعة وكأنها تريد اللحاق بها، ثم قالت بقلق:
«لحظة... آنييه.»
لكن والدها تحدث مجددًا بعدما هدأ صوته قليلًا:
«ديانا... تعالي معي إلى القارب.»
بعدها قالت ديانا وفي عينيها حزن واضح على آنييه: «حسنًا... ماذا عن آنييه؟» فتقدم الأب خطوة وملامحه ما زالت جادة وقال دون أن يلتفت لها كثيرًا: «أريدكِ أنتِ فقط أن تأتي.» فخفضت ديانا نظرها قليلًا ثم قالت باستسلام وهي تنظر نحو الخيمة وكأنها تتخيل حال آنييه: «حسنًا... أبي.»
ثم سار الاثنان مسافة طويلة بمحاذاة الساحل، والهواء كان يبرد تدريجيًا، وصوت الأمواج يرافق خطواتهما بصمت ثقيل. وحين وصلا إلى مكان القوارب، صعد الأب أولًا ثم ركبت ديانا خلفه، وجلسا في القارب الصغير الذي بدأ يتمايل بخفة مع الماء، بينما الأب ظل ينظر إلى القمر دون كلام. بادرت ديانا بخوف خفيف وقالت: «أبي... ماذا كنت تريد أن تقول لي؟» فقال وهو ما زال ينظر إلى القمر دون أن يلتفت: «اسمعي يا ديانا، أنتِ تعرفين أختك جيدًا، طموحة ومحبّة للاستكشاف ومتهورة أيضًا.» فأجابت بسرعة: «نعم... أعلم ذلك.» ثم أكمل بعد تنهيدة خفيفة: «لذلك هناك بعض المهام تحتاج إلى نضج ووعي والتزام بالقوانين، كلامي صحيح؟» فقالت بتوتر: «صحيح.» ثم قال بهدوء حاسم: «لذلك قبل يوم من اكتمال القمر بقليل، تعالي إلى هذا القارب... وحدك يا ديانا.» فارتبكت فورًا وقالت بخوف: «حتى... آنييه؟» فأجاب مباشرة: «نعم.» ثم سألت بتردد وابتسامة خفيفة متوترة: «حتى شيبي؟» فابتسم الأب ابتسامة هادئة وقال: «لا بأس إن أحضرتِ ماعزكِ الصغير.»
ثم أكمل بصوت أهدأ وهو ينظر للبحر: «أنا أحبكِ كما أحب آنييه يا ابنتي، لا تنسي أن تخبريها أنني أحبكما بنفس المقدار.» فأجابت ديانا بابتسامة خفيفة: «نعم، بالطبع، ولا أظن أنها تشك في ذلك.» ثم اقترب منها الأب قليلًا، ووضع يده على كتفها بهدوء، فاستندت إليه لحظة بينما كانا يجلسان معًا في القارب يتأملان البحر والقمر، والليل يزداد سكونًا كأنه يخفف ثقل الكلام الذي قيل.