الفصل 3 : خرقُ قانون.
ارتفع صوت الأم من خارج الخيمة منذ ساعات الصباح الأولى، وكانت تقف أمام المدخل المفتوح ولوّحت بيدها بقوة وهي تنادي بصوتٍ عالٍ اخترق هدوء الجزيرة:
«ديانا! آنييه! هيا استيقظن، لقد تأخر الوقت، أسرعن، لدينا الكثير من العمل اليوم!»
تململت ديانا تحت الغطاء بتعبٍ شديد، وبدت وكأنها بالكاد قادرة على فتح عينيها، ثم قالت بصوتٍ متثاقل تختلط فيه النعاس بالاستياء:
«ماذا...؟! لقد جاء الصباح بسرعة... أريد النوم، أشعر بتعبٍ شديد...»
أما آنييه، فكان الأمر مختلفًا تمامًا معها، إذ ما إن سمعت صوت أمها حتى جلست فجأة ثم قفزت من فراشها بحماسٍ واضح، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة واسعة رغم أنها استيقظت للتو، وقالت بسعادةٍ تكاد تفيض منها:
«لم يتبقَّ سوى يومٍ واحد على عيد اكتمال القمر!»
وقفت الأم خارج الخيمة، والشمس الصباحية الخفيفة تنعكس على وجهها بينما كانت تشير إليهما بعجلة:
«هيا يا آنييه وديانا، اغسلن أسنانكن بسرعة وتعالن، أمامنا أعمال كثيرة اليوم.»
أجابت آنييه بحماسٍ فوري، بينما ردّت ديانا بصوتٍ متعب بالكاد خرج منها:
«حسنًا.»
بعد ذلك غسلتا أسنانهما واستعدّتا بسرعة، ثم انطلقت آنييه خارج الخيمة بخفةٍ ونشاط، بينما كانت ديانا تسير خلفها بخطوات بطيئة وثقيلة وكأن النعاس لا يزال متعلقًا بها.
وخلال طريقهما لمحا ليو قادمًا نحوهما، فابتسمت آنييه فورًا، ثم أسرعت نحوه وأمسكت يده بحماسٍ وراحت تجرّه معها وهي تضحك بخفة، بينما كانت ديانا تنظر إليهما بتذمرٍ داخلي وهي تحاول مجاراة سرعتهما، وقالت في داخلها بانزعاجٍ خفيف:
«أتمنى لو أكون نشيطة بما يكفي لأتحرك بهذه السرعة...»
كان صباح الجزيرة جميلًا وهادئًا، والهواء يحمل رائحة الأشجار الرطبة والبحر البعيد، بينما بدت الخيام منتشرة تحت ضوء الشمس الأولى، والناس يتحركون هنا وهناك لإكمال تجهيزات العيد، حتى إن أصواتهم المليئة بالحماس كانت تمنح المكان حياةً دافئة، وحين وصلوا إلى أمهم، تقدمت آنييه بسرعة وقالت بعينين متحمستين:
«أمي، هل نستطيع الذهاب لقطف جوز الهند؟ لقد أصبحنا كبارًا الآن ونستطيع فعل ذلك.»
ابتسمت الأم وهي تنظر إلى حماسها الواضح، ثم قالت:
«نعم، تستطيعون، لكن عليكم أن تكونوا حذرين.»
ازدادت حماسة آنييه أكثر، ثم سألت فورًا:
«وهل يمكننا أخذ ليو معنا؟»
تغيرت ملامح الأم قليلًا وقالت بجدية واضحة:
«لا، لا يمكن، ما يزال صغيرًا.»
لكن ما إن انتهت من جملتها حتى اندفعت آنييه وديانا وليو وشيبي بسرعة، وكأنهم اتخذوا قرارهم مسبقًا دون انتظار موافقة حقيقية. راحوا يركضون معًا لأخذ الأدوات اللازمة لقطف جوز الهند بحذر، بينما كان شيبي يقفز حولهم بحماسٍ شديد يكاد يوازي حماسهم.
ومن بعيد صرخ ليو بسعادة وهو يلوّح بيده:
«شكرًا يا عمتي!»
اتسعت عينا الأم فورًا وقالت بصوتٍ مرتفع:
«أنا لم أسمح لك من الأصل! تعال إلى هنا!»
لكنهم أكملوا طريقهم وكأنهم لم يسمعوا شيئًا، واستمرت ضحكاتهم الصغيرة تتلاشى شيئًا فشيئًا مع ابتعادهم بين الأشجار.
وبعد فترة، وبينما كانوا يعملون ويحاولون جمع جوز الهند بحذر، استعادت ديانا شيئًا من نشاطها، وبدأ التعب يختفي تدريجيًا من وجهها، ثم قالت بحماسٍ مفاجئ:
«ما رأيكم أن نذهب إلى قمة جبل آركت؟ عند حبل انزلاق آروجيا؟»
ضحكت آنييه بقوة فور سماع الفكرة، وبدا واضحًا أنها أعجبتها كثيرًا، ثم قالت بحماس:
«حسنًا، لكن بعد أن ننتهي من قطف جوز الهند!»
عادت الضحكات ترتفع بينهم من جديد، بينما استمروا في العمل معًا، وكان شيبي يقفز أسفل الأشجار بحماسٍ وفوضوية لطيفة، وكأنه يحاول المشاركة معهم بطريقته الخاصة، في حين استمرت نسائم الصباح الباردة تمر بين الأشجار وتحرك أوراقها بهدوء، وكأن الجزيرة بأكملها تستعد معهم لاقتراب عيد اكتمال القمر.
بعد أن انتهوا من جمع جوز الهند، جلسوا فوق العشب يتفقدون ما جمعه كل واحدٍ منهم، وكانت السلال موزعة أمامهم بينما تعبق رائحة جوز الهند الطازج في المكان. رفعت ديانا رأسها بفخرٍ واضح، وضمت سلتها إليها وكأنها كنز ثمين، ثم صاحت بحماس:
«أنا الفائزة هنا! لقد جمعت سبع حبات كاملة!»
ضحكت آنييه بخفة، وكانت نظرتها تحمل شيئًا من التحدي، ثم رفعت رأسها بثقة وقالت:
«مبتدئة... أنا جمعت عشر حبات!»
اتسعت عينا ديانا فورًا، ثم قالت باعتراض وهي تشير إليها بانزعاج:
«هذا ليس عدلًا! أنتِ معكِ ليو!»
وفي تلك اللحظة اقترب شيبي من آنييه وراح ينطحها بخفة، وكأنه يقف في صف ديانا ويدافع عنها بطريقته الخاصة. فضحك ليو وآنييه معًا وقالا في وقتٍ واحد:
«هذه ليست مشكلتنا!»
شهقت ديانا بانزعاج مصطنع، ثم اندفعت خلفهما بسرعة وهي تحاول اللحاق بهما، بينما كان شيبي يركض معها بحماسٍ شديد، يقفز بين الأعشاب الصغيرة وكأنه دخل المنافسة هو أيضًا.
أما آنييه فكانت سريعة جدًا، تركض بخفة وهي تضحك باستمرار، بينما جعلت ليو يحمل السلة التي جمعا فيها جوز الهند معًا، وكانت السلة تبدو ثقيلة على ذراعيه الصغيرتين، لكنه كان يحاول تحملها بكل جدية.
وحين وصلوا إلى أمهم، لاحظت فورًا أن ليو كان على وشك السقوط من ثقل السلة، فاقتربت منه بسرعة وقالت وهي تتأفف:
«دعني أحملها عنك أيها الصغير، لماذا جعلتماه يحمل هذا الشيء الثقيل؟»
لكن ديانا صاحت بسرعة وهي تغمز لليو بمكر:
«لا بأس يا أمي، فهو رجل كبير!»
وأومأت آنييه موافقة بحماس:
«نعم!»
تنهدت الأم وهي تبتسم بخفة رغم استسلامها الواضح لفوضاهم:
«إنه طفل صغير يا آنسات.»
ثم أخذت السلة منه أخيرًا، بينما بدا الارتياح واضحًا على وجه ليو رغم محاولته التظاهر بالشجاعة.
وبعد ذلك شكرتهم الأم على عملهم الجيد، وربتت على رؤوسهم بلطف، فاقتربت ديانا بسرعة وكأن فكرةً ما تدفعها للاستعجال وقالت:
«أمي، هل بقي شيء نفعله؟»
كانت الأم منشغلة بترتيب بعض الأغراض والزينة، ثم أجابت دون أن تلتفت بالكامل:
«لا، أظن أننا أنجزنا معظم الأعمال قبل أن تأتوا، يمكنكم الذهاب للعب... لكن بحذر.»
أشرقت ملامح ديانا فورًا، واتسعت ابتسامتها الصغيرة بسعادة حقيقية، ثم قالت بحماس:
«إذًا سنذهب إلى قمة جبل آركت القريب من هنا يا أمي!»
ابتسمت الأم وهي تنظر إليهم:
«حسنًا، لكن لا تستخدموا حبل انزلاق آروجيا، فنحن لا نستخدمه إلا في ليلة اكتمال القمر كما تعلمون.»
صرخوا جميعًا بصوتٍ واحد وهم يحيّونها بحماس:
«حسنًا!»
أمسكت ديانا شيبي بين ذراعيها حتى لا يسقط أثناء الطريق، فرغم أن الممر المؤدي إلى الجبل كان ممهدًا نسبيًا، إلا أنه ما يزال خطرًا بعض الشيء، خصوصًا مع الانحدارات والأحجار المنتشرة، أما آنييه فكانت تمسك بيد ليو وهي تقوده معها حتى لا يتأخر خلفهما.
وحين وصلوا أخيرًا إلى القمة، اندفعت ديانا إلى الأمام وصرخت بأعلى صوتها، حتى كاد صوتها يتردد بين المرتفعات:
«إنه أجمل جبل أعرفه!»
قفز شيبي فور نزوله من يدها، وراح يدور حولها بحماسٍ شديد، بينما كانت أذناه تتحركان باستمرار وكأنه هو أيضًا يشعر بجمال المكان.
وقفوا جميعًا يتأملون المنظر من الأعلى؛ البحر البعيد كان يلمع تحت ضوء الشمس، والهواء البارد يمر بينهم برفق، والأشجار تتحرك بهدوء مع النسيم، حتى إن المكان كله بدا وكأنه لوحة هادئة لا تتحرك إلا قليلًا.
قالت آنييه ببهجة وهي تنظر حولها:
«ما رأيكم أن نصنع قلادات لبعضنا؟»
التفتت إليها ديانا فورًا بحماس:
«فكرة رائعة!»
ثم اندفعتا بسرعة نحو بحيرة صغيرة قريبة في الجبل، بينما كان ليو وشيبي يركضان خلفهما محاولين اللحاق بهما.
وقضوا وقتًا طويلًا هناك؛ صنعوا القلائد من الأصداف الصغيرة والأغصان الرفيعة، ثم سبحوا في البحيرة، وتسلقوا الأشجار، وحتى إنهم أخذوا يرمون الحصى الصغيرة على بعضهم وسط الضحكات العالية والمشاحنات الطفولية المستمرة، حتى مر الوقت دون أن يشعروا.
وحين بدأ ضوء المغيب يملأ السماء، تبادلت آنييه وديانا القلائد بينهما بسعادة واضحة.
أما ليو فنظر إليهما وكأنه يشعر بالغيرة قليلًا، ثم قال باستياء لطيف:
«وأنا؟ هل أصنع لنفسي إذًا؟»
وكان شيبي يقف بجانبه وكأنه يشاركه الاستياء نفسه، فضحكت آنييه وقالت وهي ترفع القلادة التي صنعتها:
«بالطبع، لا شيء أجمل من الأشياء المصنوعة باليد!»
وجلست ديانا وآنييه تضحكان بقوة، بينما بقي ليو وشيبي ينظران إليهما بانزعاجٍ لطيف جعل منظرهما مضحكًا أكثر.
وبعد فترة قالت ديانا وهي تنظر إلى السماء:
«لقد تأخر الوقت، يجب أن نعود.»
ابتسمت آنييه ابتسامة ماكرة فورًا، وكانت تلك الابتسامة وحدها كافية لتجعل ديانا تشعر بالقلق، قالت آنييه:
«نعم... ولكننا سنتأخر كثيرًا إن عدنا سيرًا على الأقدام.»
عقد ليو ذراعيه ونظر إليها بشك واضح:
«لا أشعر أن في كلامك خيرًا.»
أما ديانا فبدأت تنظر بينهما بتردد، وكأنها تشعر بما تخطط له آنييه بالفعل، وفجأة رفعت آنييه يدها بحماس وقالت:
«لنستخدم حبل انزلاق آروجيا! سنصل إلى القرية خلال دقيقتين فقط!»
ضرب ليو جبهته فورًا وقال باستسلام:
«كنت أعلم ذلك!»
أما ديانا فبدأت تدور في مكانها بتردد وهي تعبث بيديها:
«لكن... أمي حذرتنا ألا نستخدمه قبل ليلة اكتمال القمر، وهذا يعتبر مخالفة للقوانين.»
تنهدت آنييه بيأس وكأنها لا تصدق ترددها ثم قالت:
«إنه يوم واحد فقط لا أكثر! كما أن الشمس أوشكت على الغروب، ولم يبقَ من ضوئها إلا القليل، وسنتأخر فعلًا إن عدنا مشيًا.»
بدأت ديانا تنظر إلى ليو بنظرات توحي بأنها بدأت تقتنع، ثم قالت أخيرًا:
«حسنًا... لكن ليوم واحد فقط، ولن نخبر أحدًا.»
قفزت آنييه بحماسٍ كبير، ثم أسرعت نحو حبل صغير قريب من حبل آروجيا، وكانت مهمته إضاءة الطريق المؤدي إلى القرية حتى تتضح الرؤية ليلًا، وما إن جذبته حتى بدأ الضوء يمتد على طول الطريق شيئًا فشيئًا، فتألقت عينا ديانا وآنييه بدهشة وحماس، حتى إنهما صرختا بسعادة، بينما أخذ شيبي يقفز حولهما بانبهارٍ واضح من المنظر.
لكن ليو قطع ذلك الحماس حين قال بتردد واضح:
«هذا خرق للقوانين فعلًا... أنتن لا تمزحن؟ مستحيل أن نفعلها حقًا.»
قالت آنييه دون أن تعيره اهتمامًا:
«إن لم ترد، فنحن ذاهبتان.»
أخذت ديانا وآنييه إحدى القطع الخشبية التي جمعها أهل القرية، ثم قفزتا وأمسكتا بها من الطرفين بينما استقر حبل الانزلاق في المنتصف.
وقبل أن تنطلق ديانا، ربطت شيبي جيدًا وقالت بسرعة:
«أسرع والحق بنا، لم يبقَ من ضوء الشمس شيء!»
تنهد ليو باستسلام، ولم يجد خيارًا سوى أن يفعل مثلهما، وبترددٍ واضح، أمسك بحبل انزلاق آروجيا ونزل خلفهما هو أيضًا.