الصحفي
لم يكن الاستيقاظ مفاجئًا.
بل كان… بطيئًا.
كأن الوعي يتسلل إليه بدل أن يعود دفعة واحدة.
فتح عينيه.
السقف أمامه.
أبيض… بسيط…
وفي زاويته شق صغير، بالكاد يُلاحظ.
ظل يحدق فيه.
ثانية…
ثانيتان…
ثم عبس.
“هذا ليس…”
توقف.
الجملة لم تكتمل.
جلس ببطء.
جسده تحرك بسهولة… أكثر مما توقع.
لا دوار.
لا ألم.
فقط ذلك الإحساس الغريب…
أنه استيقظ في منتصف شيء… لا يتذكر بدايته.
مرر يده على وجهه.
توقف.
ليست الملامس التي يعرفها.
أبعد يده ببطء… ونظر إليها.
أصابع أطول.
جلد مختلف.
تفاصيل… ليست له.
“لا…”
قالها بهدوء.
ليس إنكارًا…
بل محاولة فهم.
وقف.
خطوة واحدة.
ثم ثانية.
اتجه نحو المرآة.
بدون تردد.
وهذا ما كان غريبًا.
وقف أمامها.
نظر.
رجل آخر.
لا صدمة.
لا صراخ.
فقط صمت.
اقترب أكثر.
رفع يده… لمس وجهه.
نفس الإحساس.
نفس الاستجابة.
كأن الجسد… لا يرفضه.
تراجع خطوة.
تنفس ببطء.
“حلم؟”
لكن الكلمة لم تقنعه.
نظر حوله.
الغرفة عادية.
سرير.
طاولة.
كرسي.
لكن إحساسًا غريبًا بدأ يتسلل إليه.
ليس أنه في مكان غريب…
بل—
أنه يعرفه.
توجه نحو الطاولة.
توقف أمامها.
لم يفكر.
فتح الدرج.
ثم تجمد.
“لماذا…”
همس بها.
“…عرفت أنه هنا؟”
نظر داخل الدرج.
أوراق.
دفتر.
قلم.
تفاصيل عادية…
لكن قلبه بدأ ينبض أسرع.
مد يده نحو الدفتر.
تردد.
ليس خوفًا منه…
بل خوفًا من شيء يعرفه مسبقًا.
“إذا فتحته…”
توقف.
“…سأتذكر.”
الصمت.
لم يبتعد عن الطاولة.
بقي واقفًا…
كأن جسده ينتظر شيئًا قبل أن يتحرك.
اهتز الهاتف.
هذه المرة لم يتردد.
رفعه بسرعة… كأنه كان يتوقعه.
“المدير”
ضغط على الإجابة.
“أين أنت؟!”
الصوت جاء حادًا، غاضبًا.
تجمد.
“أنا…”
توقف.
الكلمات لم تأتِ.
“لا تقل لي أنك مازلت في البيت!”
تابع المدير بانفعال.
“تأخرت أكثر من ساعة! عندنا عمل مهم اليوم، وينك؟!”
نبضه تسارع.
عمل…؟
نظر حوله بسرعة.
الغرفة.
الأشياء.
المرآة.
لا شيء يفسر ما يحدث.
“أنا… كنت خارج.”
قالها بتردد.
صمت قصير.
“خارج؟”
نبرة المدير أصبحت أثقل.
“هذا وقتك باش تكون خارج؟! قلت لك الموضوع مستعجل!”
“أي موضوع؟”
خرجت منه قبل أن يفكر.
سكت المدير لثانية.
“روني… واش بيك اليوم؟”
تجمد.
روني.
الاسم سقط عليه كأنه ليس غريبًا…
ولا مألوفًا.
نظر إلى يده.
“أنا…”
توقف.
“اسمع، ما عنديش وقت لهذا.”
قال المدير بحدة.
“تعال للمكتب حالًا، وكل شيء تفهمه هنا.”
انقطع الاتصال.
بقي الهاتف في يده.
“روني…”
كررها ببطء.
نظر حوله مرة أخرى.
ثم بدأ يبحث.
بشكل شبه غريزي.
فتح الدرج.
الثاني.
توقف.
“كيف عرفت…؟”
لكن يده كانت قد سبقت السؤال.
أخرج محفظة.
قديمة قليلًا.
فتحها.
بطاقة.
تجمد.
صورة.
نفس الوجه الذي رآه في المرآة.
والاسم—
روني إسباس.
شعر بشيء يهبط في صدره.
“هذا… أنا؟”
لم تكن صدمة كاملة.
ولا إنكار.
بل إحساس أخطر—
كأنه…
كان ينتظر هذا الجواب.
أغلق المحفظة ببطء.
ثم نظر نحو الباب.
“المدير…”
الكلمة خرجت بسهولة.
كأنها تنتمي له.
لكن داخله…
لم يكن متأكدًا من أي شيء.
لكنه فتحه.
لم يتذكر كيف خرج.
ولا كيف وصل.
لكن عندما رفع رأسه—
كان هناك.
مبنى الجريدة.
وقف أمامه لثوانٍ.
شعور غريب تسلل إليه.
ليس رهبة…
بل شيء أقرب إلى الألفة.
“أنا جيت لهنا من قبل…”
همس بها.
دخل.
الاستقبال.
الممرات.
الأصوات.
كل شيء مرّ به…
دون تفكير.
حتى أنه لم يسأل أحدًا عن الطريق.
قدماه قادتاه مباشرة.
إلى الباب.
“الإدارة”
طرق.
“ادخل!”
فتح الباب.
رجل في منتصف العمر، ملامح حادة، عينان متعبتان.
“أخيرًا.”
قالها المدير ببرود.
أغلق الباب خلفه.
“تأخرت.”
لم يجب.
“أعرف أنك تمرّ بظروف… لكن هذا ليس وقتها.”
توقف.
“اجلس.”
جلس.
دفع المدير ملفًا نحوه.
“هذا هو العمل.”
نظر إليه.
“رجل أعمال.”
قال المدير.
“كبير… ومعروف.”
فتح الملف.
صور.
وثائق.
أرقام.
اسم واحد يتكرر.
نيكولاس.
تجمدت أنفاسه للحظة.
“هذا الرجل…”
تابع المدير.
“…فاسد.”
قلب الصفحة.
تحويلات مالية.
صفقات مشبوهة.
أسماء.
كل شيء واضح.
“الأدلة كافية.”
قال المدير.
“نريد مقالًا قويًا. واضح. بدون تردد.”
رفع عينيه.
“اليوم.”
صمت.
“مفهوم؟”
هز رأسه ببطء.
“مفهوم.”
لكن داخله…
لم يكن كذلك.
نيكولاس…
الاسم لم يكن عاديًا.
لم يكن غريبًا…
ولا مألوفًا.
بل—
ثقيل.
في المساء…
كان في المنزل.
الحاسوب أمامه.
الملف مفتوح.
العنوان في الأعلى:
“فضيحة رجل أعمال: شبكة فساد خفية”
أصابعه فوق لوحة المفاتيح.
توقفت.
“نيكولاس…”
همس بها.
شعور غريب في صدره.
كأنه لا يكتب عن شخص…
بل يقترب من شيء يخصه.
هز رأسه.
“مجرد مقال.”
وبدأ يكتب.
كلمة…
ثم أخرى…
لكن مع كل سطر—
الإحساس يكبر.
أن هذا ليس مجرد تحقيق.
وأن النهاية…
لن تكون عادية.
الصمت كان ثقيلًا.
أصابعه تتحرك ببطء فوق لوحة المفاتيح.
كلمة… ثم يتوقف.
جملة… ثم يمسحها.
“نيكولاس…”
الاسم لم يفارقه.
وفجأة—
دق الباب.
توقف.
نظر نحو الباب.
دقّة ثانية.
أبطأ هذه المرة.
لم ينتظر أحد.
هذا ما كان متأكدًا منه.
نهض.
كل خطوة نحو الباب…
كانت أثقل من التي قبلها.
وقف أمامه.
“من يكون…؟”
لكن داخله—
كان يعرف.
فتح الباب.
رجل أنيق.
ملابس مرتبة.
نظرة ثابتة.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
“مساء الخير.”
لم يجب مباشرة.
“نعم…؟”
“أنا مجرد مبعوث.”
قالها بهدوء.
صمت.
“مبعوث… من طرف من؟”
الابتسامة لم تختفِ.
“شخص لا يحب أن يُذكر اسمه.”
تجمد.
نفس الإحساس.
“أعرف هذا النوع…”
فتح الباب أكثر.
“ادخل.”
دخل الرجل وكأنه يعرف المكان.
جلس دون أن يُطلب منه.
هذا ما أزعجه.
أغلق الباب ببطء.
“ماذا تريد؟”
نظر الرجل إليه.
“أنت تعمل على مقال.”
لم يسأل كيف عرف.
“رجل أعمال…”
تابع.
“…نيكولاس.”
تجمدت أنفاسه.
“نعم.”
“جيد.”
أخرج ظرفًا.
ووضعه على الطاولة.
الصوت كان واضحًا.
نظر إليه.
ثم إلى الرجل.
“ما هذا؟”
“تقدير.”
ابتسم بسخرية خفيفة.
“على ماذا؟”
“على فهمك.”
صمت.
“أنا لا أفهم.”
“بل تفهم.”
قالها بهدوء.
ثم أضاف:
“ودائمًا تفهم… في الوقت المناسب.”
شعور بارد مرّ في صدره.
“قل ما عندك.”
أشار الرجل نحو الحاسوب.
“هذا المقال…”
توقف.
“…لن يُنشر.”
صمت.
نظر إلى الظرف.
ثم قال:
“وهذا مقابل ذلك؟”
“جزء فقط.”
اقترب الرجل قليلًا.
“المطلوب بسيط.”
انتظر.
لكن الكلمات لم تأتِ مباشرة.
توقف الرجل…
كأنه يختار ماذا يقول.
“غيّر الاتجاه.”
“كيف؟”
ابتسم.
“ستعرف.”
ضاقت عيناه.
“هذا ليس جوابًا.”
“ولا يجب أن يكون.”
صمت.
ثم دفع الظرف نحوه أكثر.
“اقبل… وستفهم لاحقًا.”
نظر إليه طويلًا.
ثم إلى الظرف.
يده تحركت.
توقفت.
ثم—
أخذ الظرف.
الصمت امتلأ بشيء ثقيل.
“جيد.”
قال الرجل.
نهض.
“سنعود.”
توجه نحو الباب.
وقبل أن يخرج—
قال:
“وأنت… لا تنسى وعودك.”
أغلق الباب.
بقي وحده.
ينظر إلى الظرف.
ثم همس:
“أي وعد…؟”
لكن داخله…
لم يسأل نفس السؤال.
بل—
تذكر الشعور.
أنه…
وافق.
لم يفتح الظرف مباشرة.
بقي جالسًا أمامه.
ينظر إليه…
كأنه ينتظر أن يتحرك وحده.
“اقبل… وستفهم لاحقًا.”
تنفس ببطء.
“أنا قبلت…”
همس بها.
مد يده.
فتح الظرف.
نقود.
مرتبة بعناية.
لم يفاجئه ذلك.
لكن—
شيء آخر كان بالداخل.
سحب مجموعة أوراق.
صور.
نظر إلى الأولى.
ثم تجمد.
ملامح مألوفة.
“لا…”
قرب الصورة أكثر.
لا مجال للشك.
مديره.
في وضعيات…
لا يجب أن تُرى.
سقطت بقية الصور من يده على الطاولة.
نظر إليها.
واحدة تلو الأخرى.
كل صورة… أسوأ من التي قبلها.
شعر بشيء غريب.
ليس صدمة.
بل—
فهم.
“غيّر الاتجاه…”
رفع رأسه ببطء.
نظر إلى الحاسوب.
المقال ما زال مفتوحًا.
“فضيحة رجل أعمال…”
قرأ العنوان.
ثم نظر إلى الصور.
صمت.
طويل.
ثم—
بدأ يكتب.
حذف العنوان.
وكتب بدلًا منه:
“سقوط داخل الجريدة: فضيحة أخلاقية تهز الإدارة”
توقف.
يداه لم ترتجف.
وهذا ما كان مخيفًا.
بدأ يدرج الصور.
واحدة…
ثم أخرى…
الكلمات خرجت بسهولة.
اتهامات.
تلميحات.
ربط.
لم يتحقق.
لم يتردد.
كأنه…
كان يعرف كيف يفعل هذا.
انتهى.
نظر إلى الشاشة.
لحظة صمت.
ثم ضغط:
نشر.
انتهى.
في اليوم التالي—
فوضى.
صراخ في الجريدة.
اتصالات.
تحقيقات.
اسمه يتردد في كل مكان.
لكن ليس بإعجاب.
نظر إلى الشاشة.
عنوان جديد:
“إيقاف مدير جريدة بعد تسريب صور فاضحة وفتح تحقيق رسمي”
شعر بشيء يمر داخله.
ليس راحة.
ولا ندم.
بل—
فراغ.
“أنا فعلت هذا…”
همس بها.
لكن السؤال الحقيقي لم يكن ذلك.
بل—
“لماذا… لم أتردد؟”
وفي مكان ما داخله…
كان هناك جواب.
لكنه—
لم يُرد أن يسمعه.
لم يخرج.
بقي في المنزل.
الحاسوب ما زال مفتوحًا.
نفس المقال.
نفس الصور.
لكن الآن…
لم تعد مجرد كلمات.
صوت إشعار.
ثم آخر.
الهاتف اهتز على الطاولة.
نظر إليه.
رسائل.
مكالمات فائتة.
كلها من أرقام مختلفة.
لكن اسم واحد تكرر—
“المدير”
تجمد.
“مستحيل…”
فتح إحدى الرسائل.
“شفت وش صرا؟”
“المدير تاعك راح فيها.”
“دارو تحقيق رسمي.”
تنفس ببطء.
لم يشعر بالانتصار.
بل بشيء أثقل.
فتح رسالة أخرى.
صورة.
مبنى.
كبير… حديث.
تحته لوحة.
قرب الصورة.
وقرأ.
“مؤسسة روني إسباس للإعلام”
تجمد.
“وش…؟”
قرب الهاتف أكثر.
قرأ الاسم مرة ثانية.
نفس الاسم.
اسمه.
شعر بشيء يضرب صدره.
“هذا… ماشي صدفة.”
فتح رسالة أخرى.
“مبروك، وصلت وين حبيت.”
توقف.
“وين… حبيت؟”
نظر إلى الشاشة.
ثم إلى يديه.
ثم همس:
“أنا… كنت نحب هذا؟”
صمت.
ثم—
صوت داخلي، هادئ…
“هذا هو الهدف.”
رفع رأسه بسرعة.
“هدف… من؟”
لا جواب.
لكن الإحساس…
كان واضحًا.
أن هذا لم يكن عشوائيًا.
وأن ما حدث—
كان خطوة.
نحو شيء أكبر.
نظر مرة أخرى إلى اسم المبنى.
“روني إسباس”
هذه المرة…
لم يشعر أنه غريب عنه.
بل—
شعر أنه…
مستحق.
وهذا…
كان أخطر.
لم يستطع إبعاد الصورة.
“مؤسسة روني إسباس للإعلام”
الاسم كان يضغط عليه.
“أنا… ما درت حتى حاجة باش نستحق هذا…”
لكن داخله—
لم يوافق.
شعور غريب بدأ يتسلل.
ليس فكرة…
بل ذكرى.
مقطّعة.
غير مكتملة.
طاولة.
ضوء خافت.
صوتان.
“…المشكلة ماشي في القضية…”
تجمد.
الصوت…
مألوف.
“…المشكلة في وش راح يصرى من بعد.”
صمت.
شخص آخر يتكلم.
“نقدر نحلها.”
تسارعت أنفاسه.
“كيف؟”
“…نشتري كلش.”
صورة أخرى.
رجل جالس.
وجهه غير واضح.
لكن حضوره…
ثقيل.
“…المبنى، الاسم، كل شيء.”
“وبعد؟”
“نحطو باسم آخر.”
توقف.
“اسم نظيف.”
صمت.
ثم—
“…روني.”
فتح عينيه فجأة.
رجع للواقع.
يتنفس بسرعة.
“لا…”
لكن الذكرى لم تتوقف.
“…ومدير؟”
“يتحمل وحدو.”
“…عائلتو؟”
صمت قصير.
“…نوصلهم حقهم.”
برودة مرت في جسده.
“هذا… أنا؟”
لكن الجواب…
جاء بدون صوت.
الإحساس فقط.
أنه لم يكن يشاهد.
بل—
كان هناك.
نظر إلى الصورة مرة أخرى.
ثم همس:
“هذا ماشي هدية…”
صمت.
“هذا… اتفاق.”
رفع رأسه ببطء.
وعيناه لم تعدا كما كانتا.
لم يكن يتذكر كيف بدأ.
لكن الجميع… كانوا يتذكرون.
اسمه صار يُذكر في كل مكان.
مقالات متتالية.
تحقيقات قوية.
فضائح… تسقط واحدة تلو الأخرى.
“روني إسباس…”
الاسم لم يعد غريبًا.
بل أصبح—
ثقيلاً.
في الجريدة، لم يعد مجرد صحفي.
أصبح مرجعًا.
حتى الذين كانوا أعلى منه…
صاروا يسألونه.
“وش رأيك؟”
“ننشر ولا لا؟”
“كيفاش نكتبها؟”
وكان يجيب.
بسرعة.
بدقة.
بدون تردد.
وهذا… كان المشكلة.
لأنه لم يكن يعرف…
كيف يعرف.
في أحد الأيام—
وقف أمام نفس المبنى.
“مؤسسة روني إسباس للإعلام”
هذه المرة…
لم يتوقف.
دخل.
الناس يحيونه.
“صباح الخير، أستاذ روني.”
“مقال الأمس… كان ضربة.”
“راك قلبت الموازين.”
هز رأسه فقط.
كأن هذا طبيعي.
لكن داخله…
لم يكن كذلك.
“أنا… فعلت كل هذا؟”
تقدم في الممر.
بدون أن يسأل.
وصل إلى مكتب.
توقف.
باب مغلق.
اسمه عليه.
“روني إسباس”
مد يده.
توقف.
شعور غريب.
كأنه دخل هذا المكتب…
من قبل.
لكن ليس بهذه الصفة.
فتح الباب.
دخل.
المكتب واسع.
مرتب.
جلس على الكرسي.
نظر إلى الطاولة.
ملفات.
جاهزة.
مرتبّة.
كأنها تنتظره.
فتح أول ملف.
اسم جديد.
شخصية أخرى.
قضية فساد.
توقف.
نفس النمط.
نفس البداية.
نفس الطريق.
رفع رأسه ببطء.
“أنا… ما نختارش القضايا…”
صمت.
“…القضايا هي لي تختارني.”
لكن داخله…
قال شيء آخر.
“أو… يتم اختياري لها.”
سكت.
ثم أغلق الملف.
لكن هذه المرة…
لم يشعر بالقوة.
بل—
بأنه يتحرك داخل مسار…
مرسوم مسبقًا.
لم يخبر أحدًا.
خرج في الصباح الباكر.
المدينة كانت ما تزال نصف نائمة.
قاد السيارة… بدون وجهة واضحة.
أو هكذا كان يعتقد.
لكن الطريق—
كان يعرفه.
منعطف بعد آخر.
إشارة بعد أخرى.
بدون أن يفكر…
وصل.
بلدة صغيرة.
هادئة.
كأن الزمن فيها أبطأ.
توقف.
نظر من النافذة.
“أنا… جئت لهنا من قبل.”
لم تكن فكرة.
بل يقين.
نزل من السيارة.
الهواء مختلف.
أخف.
لكن داخله—
أثقل.
بدأ يمشي.
الأزقة ضيقة.
البيوت بسيطة.
لكن قدماه…
لم تترددا.
وصل.
توقف أمام باب.
خشبي.
قديم.
رفع يده.
توقف.
شعور غريب ضربه.
ليس خوف…
بل شيء أقرب إلى الذنب.
“عائلتي…؟”
الكلمة خرجت بصعوبة.
كأنها لا تنتمي له بالكامل.
وقبل أن يطرق—
صوت.
بعيد.
معدن يحتك.
رفع رأسه.
نظر عبر الشارع.
مبنى.
حديث.
بارز بين البيوت القديمة.
تجمد.
خطوة واحدة نحو الأمام.
ثم توقف.
عيناه ثبتتا عليه.
اللوحة في الأعلى…
واضحة.
“مؤسسة روني إسباس للإعلام”
صمت.
البلدة الصغيرة…
وهذا المبنى الضخم.
لم يكن منطقيًا.
“علاش هنا…؟”
همس بها.
شعور غريب تسلل إليه.
كأن هذا المكان…
لم يُبنى ليكون هنا.
بل—
وُضع.
خصيصًا.
له.
عاد نظره إلى الباب.
ثم إلى المبنى.
ثم إلى يديه.
“أنا… جيت نزور عائلتي…”
صمت.
“…ولا جيت نرجع لشيء آخر؟”
وقف في مكانه.
لا يطرق.
ولا يبتعد.
عالق…
بين باب قديم…
ومبنى جديد يحمل اسمه.
لم يطرق الباب.
بقي واقفًا لثوانٍ…
ثم خفّض يده.
“ليس الآن.”
استدار.
خطواته كانت بطيئة في البداية…
ثم أصبحت أسرع.
كأنه يهرب.
ليس من المكان…
بل من السؤال.
فتح باب السيارة.
جلس.
وأغلق الباب بقوة.
صمت.
نظر عبر الزجاج الأمامي.
الطريق أمامه.
واضح.
مباشر.
يقود إلى المبنى.
إلى اسمه.
أدار المحرك.
“لازم نفهم…”
تحرك.
البلدة بدأت تختفي خلفه.
البيوت.
الأزقة.
الباب القديم.
كل شيء أصبح بعيدًا.
لكن الشعور…
لم يبتعد.
ضغط على المقود.
“هذا كامل… ماشي صدفة.”
سرعته زادت.
الطريق أصبح فارغًا.
الهواء يضرب الزجاج.
وقلبه…
يدق أسرع.
“أنا لازم نعرف…”
صوت داخلي، خافت:
“أنت تعرف.”
هز رأسه.
“لا.”
السرعة زادت أكثر.
الأضواء بدأت تمر بسرعة.
خطوط الطريق تذوب.
وفجأة—
صورة.
لم تكن أمامه…
بل داخله.
طاولة.
رجل.
ظل.
“…الاتفاق واضح.”
اتسعت عيناه.
ضغط على الفرامل—
لكن متأخر.
ضوء قوي.
صوت حاد.
اصطدام.
ثم—
صمت.
ثوانٍ…
أو ربما أكثر.
لم يشعر بشيء.
لا ألم.
فقط…
فراغ.
وفي عمق هذا الفراغ…
صوت.
ليس جديدًا.
بل مألوف.
هادئ.
“الإنسان لا يضيع حين يجهل الطريق… بل حين يعرفه جيدًا ويختار أن يتجاهله.”