الفصل الثامن: عودة الذاكرة
فرح مشوب باللوعة:
بعد أن أفاق أرثر من غيبوبته، اجتمعت حوله العائلة بأكملها في منزل أرمان القديم. ميجدالين لم تترك جانبه لحظة، تمسك بيده كما لو كانت تخشى أن يغيب مرة أخرى. دموع الفرح لا تزال تلمع في عينيها الكهرمانيتين.
"أخيراً عدت إلينا! كنت خائفة أن أفقدك إلى الأبد!"
همست ميجدالين وهي تضغط على يده.
"لن أذهب مرة أخرى... لقد وعدتك."
أجاب أرثر بصوته الهادئ الذي عاد إليه بعد رجوع ذاكرته.
فزاعة، الذي بدا أكثر جدية من المعتاد، اقترب منهم مبتسماً. "حسناً! بما أن البطل عاد، يجب أن نحتفل! من منا يستطيع إعداد أفضل طبق من أجله؟ أنا أم ميجي؟"
نظرت ميجدالين إلى فزاعة بتحدٍ ظريف. "أنت؟! أنت لا تستطيع حتى سلق بيضة دون أن تحول الأمر إلى كارثة!"
"هذه إهانة لن أقبل بها! أنا لدي مواهب طهوية خفية!"
رد فزاعة وهو يرفع أنفه في تكبر مزيف.
ضحك الجميع، ثم انطلق فزاعة وميجدالين إلى المطبخ في منافسة ودية، تاركين أرثر مع مارتا في الغرفة.
بعد لحظات من الصمت، نظر أرثر إلى مارتا بعينين جادتين. "هل تعرف ميجي ما ينتظرني في نهاية هذه الاختبارات؟"
هزت مارتا رأسها بحزن. "لا... ولم أستطع إخبارها. هي تعرف أن الاختبارات خطيرة، لكنها لا تعرف الثمن الحقيقي... لا تعرف أنك تفقد جزءاً من روحك في كل مرة."
"وهل تعرف أن الاختبار الأخير قد يقتلني؟"
سأل أرثر بصوت منخفض.
"لا... لكنها تعرف أنك الوحيد القادر على إنهاء هذا."
أجابت مارتا ودموعها تكاد تقطر.
أطبق أرثر على يديه، ثم نظر نحو المطبخ حيث كانت ضحكات ميجدالين تملأ المكان. "سأخبرها بنفسي... عندما يحين الوقت المناسب. لا أريد أن أفقدها مرة أخرى قبل الأوان."
"أنت شجاع مثل والدك... وأكثر حكمة يا أرثر."
قالت مارتا وهي تمسح دموعها.
من المطبخ، سمعوا صوت انفجار صغير، ثم ضحكات متصاعدة. خرج فزاعة ومعه طبق مشتعل، بينما تركض ميجدالين خلفه بماء.
"إنك تحرق المنزل أيها الغبي!"
صرخت ميجدالين وهي تضحك.
نظر أرثر إلى المشهد، وقلبه ممتلىء بمشاعر متضاربة: فرح بلحظة الضحك هذه، وخوف من المستقبل المجهول، وحزن لسر لا يستطيع مشاركته مع من يحب.
فوضى المطبخ السحري:
داخل المطبخ الواسع في منزل أرمان، كانت ميجدالين تحاول تركيز طاقتها على تحضير طبق خاص من الحلوى المعطرة برائحة ماء الورد والفانيليا. لكن فزاعة كان يسبب فوضى عارمة في كل زاوية.
"انظري! سأصنع كعكة تتطير في الهواء!"
صاح فزاعة وهو يرمي مسحوقاً ذهبياً في الهواء.
تحول المسحوق إلى سحابة من الفراشات الصغيرة التي بدأت تأكل من عجينة ميجدالين.
"يا فزاعة! هذا ليس وقت المرح! أرثر يحتاج إلى طاقة حقيقية!"
"وهل هناك طاقة أفضل من الضحك؟"
رد فزاعة وهو يحاول الإمساك بفراشة التصقت بأنفه.
ذهبت ميجدالين إلى الخزانة لتجلب الدقيق، لكن فزاعة سبقها بلمحة سحرية، فتحول الدقيق إلى ثلج ناعم يملأ الجو.
"آسف! ظننت أنه سكر ناعم!"
"أخرج من مطبخي الآن!"
صاحت ميجدالين وهي تحاول إزالة الثلج من شعرها.
لكن فزاعة لم يستسلم. رأى بيضاً على المنضدة، فقرر أن يساعد بتحضير عجة خاصة.
"شاهديني! سأصنع عجة رائعة! أنظري!"
لمس البيضة بسحره، فتحولت إلى دجاجة عملاقة بطول قامته، بريش ابيض وعينين حمراوين غاضبتين.
صاحت الدجاجة العملاقة وهي تنقض على فزاعة.
"أوه! أنا لم أكن أقصد هذا!"
صاح فزاعة وهو يركض حول المنضدة، والدجاجة تلاحقه بمنقارها الحاد.
"أنقذيني! إنها تظن أنني دودة!"
قفز فزاعة على الرفوف، فسقطت منه أواني الطهي واحدة تلو الأخرى.
ميجدالين، التي كانت تقلب السيرب في الوعاء، وجدت أن النار تحولت إلى ألوان قوس قزح وتطلق شرارات صغيرة.
"يا فزاعة! هذا سيرب للحلوى، ليس عرضاً للألعاب النارية! أوقف هذا!"
"جربيه! ربما يكون لذيذاً!"
رد فزاعة وهو يتعلق بالشماعة، والدجاجة تقفز تحته محاولة التقاطه.
نقرت الدجاجة المنضدة فتحطمت.
"انظر ما فعلته! الآن ليس لدي مكان لأعد الطعام!"
شكت ميجدالين وهي تحاول إنقاذ وعاء السيرب من الدجاجة.
"حاولي إغرائها ببعض الحبوب!"
اقترح فزاعة وهو يتأرجح على الشماعة.
"أنا لا أمتلك حبوباً! أمتلك فقط دجاجة مجنونة تطارد جنيًاً أحمق!"
ردت ميجدالين وهي ترمي منشفة على الدجاجة.
أخيراً، وبعد أن دار فزاعة حول المطبخ عشر مرات، قفز من النافذة هرباً، والدجاجة تتبعه إلى الخارج.
صرخت الدجاجة من خارجه.
عاد فزاعة بعد دقائق، متعباً ومغطى بالريش، حاملاً معه كوباً صغيراً من الحلوى التي نجح في صنعها أخيراً.
"انظري! لقد صنعت شيئاً جميلاً في النهاية!"
نظرت ميجدالين إلى الكوب الصغير الذي يتوهج بلون أزرق ناعم، وابتسمت رغم انزعاجها.
"أنت أحمق!"
"لكني مسلٍ!"
رد فزاعة وهو يفرك يديه منتشياً.
سمع أرثر ومارتا الضحك من الغرفة المجاورة، وتبادلا النظرات.
"بعض الأشياء لن تتغير أبداً."
همست مارتا.
"وهذا ما يجعل الحياة تستحق القتال من أجلها."
رد أرثر وهو يبتسم.
اختبار الترويض:
اجتمع الجميع حول المائدة، يتناولون الوجبة التي أعدتها ميجدالين بينما كان فزاعة يروي قصة مطاردته من قبل الدجاجة العملاقة بأسلوب مبالغ فيه. لكن الضحك توقف عندما نظر أرثر إلى فزاعة بجدية.
"حان وقت الحديث عن الاختبار الرابع."
صمت الجميع، ووضع فزاعة الكوب الذي بيده. "الاختبار الرابع هو ترويض غول جبلي وجعله خادماً لك."
رفعت ميجدالين حاجبيها قلقة. "غول جبلي؟ لكن هذه المخلوقات شرسة جداً!"
"نعم، لكنها أيضاً مخلوقات قوية يمكنها أن تكون حلفاء أقوياء." قال أرثر بهدوء.
قاطع فزاعة بسرعة، وصوته يحمل نبرة غيرة واضحة. "ولماذا تحتاج إلى غول؟ ألست أنا خادمك المخلص؟ أليس لدي قوة سحرية كافية؟"
نظر إليه أرثر بفهم. "أنت لست خادمي، فزاعة. أنت صديقي وأخي. لكن الغول سيكون حارساً وقت اللزوم، و يحمي القرى من هجمات سيربانيس."
"لكنني أستطيع حماية القرى!" احتج فزاعة وهو يقف من مكانه. "أستطيع الطيران والمراقبة وإطلاق التعاويذ!"
"أعرف ذلك." قال أرثر مبتسماً. "لكن الغول أقوى في القتال الجسدي، ووجودك أنت سيكون بجانبي في المعارك الكبرى."
لم يقتنع فزاعة. "إذاً سأكون مجرد مساعد آخر؟"
"لا." قال أرثر بثقة. "ستكون القائد. الغول سيكون تحت إمرتك، وأنت من سيدربه ويوجهه."
تغيرت تعابير وجه فزاعة. "أنا؟ أقود غولاً؟"
"نعم. لأنك الأكثر ذكاءً وخبرة بيننا جميعاً."
نظر فزاعة إلى مارتا وميجدالين اللتين كانتا تبتسمان، ثم عاد إلى أرثر. "حسناً... لكن إن حاول أن يأكلني، سأحوله إلى دجاجة كالتي تغلبت عليها!"
ضحك الجميع، لكن ميجدالين سألت بقلق: "أين يوجد هذا الغول؟"
أجاب أرثر: "في كهوف الجبال الشمالية. لكن علينا الانتظار حتى اكتمال القمر، فهي المرة الوحيدة التي يمكن فيها ترويضها."
"وماذا ستفعل بها؟" سألت مارتا.
"سأستخدم تعويذة الترويض القديمة التي علمني إياها أبي. لكني سأحتاج إلى مساعدة فزاعة في ذلك."
قال فزاعة وهو يرفع رأسه بفخر: "بالطبع! فأنا الخبير في التعامل مع المخلوقات العنيدة!"
نظر أرثر إلى النافذة حيث بدأ القمر يظهر هلالاً. "بعد ثلاثة أيام، عندما يكتمل القمر، سنبدأ رحلتنا إلى الجبال."
أمسكت ميجدالين بيده. "سأذهب معكم."
"لا، سيكون الأمر خطيراً جداً." قال أرثر بحزم.
"لهذا بالضبط سأذهب معكم. لأني تعلمت الكثير من أمي عن التعامل مع هذه المخلوقات."
نظر أرثر إلى مارتا التي أومأت برأسها موافقة. "حسناً... لكن عليك البقاء بعيداً عن منطقة الخطر."
لعبة الظلال:
في أعماق كهفها المظلم، جلست سيربانيس في جسد إليرا، عيناها الحمراوان تتقدان غضباً وإحباطاً. أمامها بركة ماء غامضة تحاول عبرها الوصول إلى عقل أرثر، لكن شيئاً ما كان يعيقها.
"لماذا لا أستطيع الوصول إليه؟ لماذا أصبح عقله مثل حصن منيع هكذا؟"
همست بصوتها الحاد الذي يكاد يشق الصخر. رفعت يديها فوق بركة الماء، وراحت تردد تعاويذها المظلمة.
"أيها الفتى الغبي... آرون الضعيف... افتح لي عقلك... دعني أرى أحلامك."
لكن الصورة في الماء ظلت ضبابية، مشوشة. لم تستطع رؤية سوى ظلال مبهمة تتحرك.
"ماذا يحدث؟ لماذا أصبحت قواي عاجزة عن اختراق دفاعاته؟"
ظلت تحاول مراراً وتكراراً، تزيد من قوة تعاويذها، لكن دون جدوى. كان الأمر كما لو أن قوة جديدة، أقوى من ذي قبل، تحميه.
"ربما أصبح الخنجر يمده بقوة أقوى... أو ربما الجني يقف في طريقي."
قالت وهي تضرب سطح الماء بغضب، متسببة في تجمده لحظة.
"لا يهم... سأجد طريقة أخرى. سأرسل ظلالي لتخترق أحلامه."
أغلقت عينيها وبدأت ترسل موجات من الطاقة المظلمة نحو المدينة، محاولة الوصول إليه أثناء نومه.
"سترى كوابيس ستعجل من جنونك... ستسمع أصواتاً ستقودك إلى الهلاك."
لكنها لم تكن تعلم أن أرثر كان مستيقظاً، يجلس في غرفته وهو يشعر بمحاولاتها الفاشلة.
"ما زلتِ تظنينني ذلك الولد الضعيف؟ ما زلت تبحثين عن آرون؟"
همس وهو يلمس الخنجر الذهبي الذي كان يتوهج بلون خافت.
"ستفاجئين عندما تعرفين أن وريث أرمان قد عاد... وأن ذكرياتي أصبحت سلاحي الآن."
ابتسم ابتسامة ثقة، ثم أغمض عينيه ليسدد طاقة نورانية ترد هجومها.
في الكهف، صرخت سيربانيس من الألم عندما ارتدت طاقتها عليها.
"ما هذا؟! ماذا يحدث؟!"
نظرت إلى بركة الماء فرأت ومضة ذهبية خاطفة اختفت بسرعة.
"لا... هذا مستحيل...مستحيل."
جلست على عرشها الصخري، حائرة وغاضبة. شيء ما كان يتغير، وشعرت أن اللعبة لم تعد تحت سيطرتها كما كانت.
حقيقة مؤجلة:
في حديقة منزل أرمان، حيث تتسلل أشعة القمر الفضية بين أوراق الأشجار العملاقة، جلس أرثر وميجدالين على مقعد حجري قديم. حولهما أزهار تتفتح في الليل، تنشر عبقاً فواحاً في الهواء الهادئ.
"أتتذكر حين كنا نجلس هنا، وأنت تخبرني عن أسرار النجوم؟"
همست ميجدالين وهي تتكئ على كتفه.
"كيف أنسى؟ كنتِ دائمًا تسألينني لماذا لا تسقط النجوم من السماء لتنير لنا طريقنا."
أجاب أرثر مبتسماً، لكن في عينيه ظلٌ حزين.
"والآن تعرف الإجابة؟"
قالت وهي ترفع رأسها لتلتقط نظراته.
"نعم... لأن لكل نجمة مكانها الخاص، كما أن لكل منا دوره الذي يجب أن يؤديه."
سكت لحظة، ثم أمسك بيدها. "ميجي... هناك حقيقة يجب أن أعترف بها لكِ."
"أخبرني... أي حقيقة؟"
قالت وهي تشعر بثقل في صوته.
"الاختبارات التي أخوضها... كل اختبار يستنزف جزءاً من روحي... وفي النهاية..."
"في النهاية ماذا؟"
همست وعيناها تتسعان رعباً.
"في النهاية، سأفقد روحي بالكامل... هذا هو ثمن كسر اللعنة."
سقطت يدها من بين يديه، ووقفت فجأة كأنها صعقت.
"ماذا تقول؟ هذا انتحار!"
"هو تضحية من أجل الجميع... كما ضحى أبي وأمي."
"لا! لن أسمح لك بذلك!"
صاحت وهي تنتحب. "لنهرب! لنجد طريقة أخرى!"
"لا توجد طريقة أخرى... هذه هي المصير الذي كتب ليّ."
"ولماذا لم تخبرني من قبل؟"
قالت ودموعها تبلل خديها.
"لأنني أعلم أن رد فعلك سيكون هكذا... لأنني أردت أن أحميكِ من الألم."
"تحميني؟ بأن تموت من دون أن أعرف؟ بأن أظن أنك تخونني بهروبك؟"
اهتز صوتها غضباً وألماً.
"سأموت في النهاية على أي حال... لكن على الأقل سأموت وأنا أعلم أنني أنقذت من أحب."
هزت رأسها يائسة. "أنا لا أصدق هذا... هناك دائماً بديل... دائماً!"
"لو كان هناك بديل، لوجده أبي... لوجده أعظم السحرة."
أدارت له ظهرها، كلماتها تختنق في حلقها. "إذا كان هذا هو اختيارك... فوداعاً يا أرثر."
ركضت بعيداً في الظلام، دموعها تترك أثراً على وجهها. وقف أرثر وحيداً في الحديقة، ينظر إلى ظلها يبتعد، ويشعر وكأن قلبه ينزف مع كل خطوة تبتعدها عنه.
رفع رأسه إلى السماء، حيث النجوم تتلألأ في صمت.
"اغفري لي يا ميجي... لكن هذا هو قدري."