الفصل الأول
---
ريحة المطر في الرياض
الفصل الأول: المصادفة الأولى
نوف كانت امرأة تعشق التفاصيل. كانت تعرف أن القهوة التي تشربها كل صباح من مقهى "الربوة" ليست مجرد قهوة، بل هي لحظة سلام قبل زحمة اليوم.
في أحد أيام فبراير الباردة، دخلت المقهى كالعادة. طلبت لاتيه بحليب اللوز، وجلست في الزاوية المفضلة لديها، بجانب النافذة.
بينما كانت تقلب هاتفها، سمعت صوتاً يقول:
"هذا الكرسي مشغول؟"
رفعت رأسها. كان شاباً في أواخر الثلاثينات، يرتدي جاكيت رمادي، وعيناه تشبهان لون العسل تحت ضوء المقهى الدافئ.
"لا، تفضل"، قالت وعادت لهاتفها.
جلس الرجل، وطلب قهوة سوداء. ثم فتح كتاباً. لاحظت نوف عنوان الكتاب: "الأثر" لـ محمد السنعوسي.
"كتاب حلو"، قالت دون تفكير.
التفت إليها الرجل مبتسماً. "قريتيه؟"
"أيوه. فيه مشهد النهاية... يبكي."
"أتفق. أنا أعيد قراءته للمرة الثالثة."
صمتت نوف للحظة، ثم قالت:
"وش اسمك؟"
"عبدالعزيز. وأنتِ؟"
"نوف."
لم يتحدثا كثيراً بعدها. لكنها تذكرت صوته، وتذكر هو ضحكتها الخفيفة حين قال إنه يقرأ الرواية وهو يتناول الفول صباحاً.
خرجت نوف من المقهى وقلبها خفيف. لم تكن تعلم أن عبدالعزيز سيصبح جزءاً من تفاصيلها اليومية.
---
الفصل الثاني: الصدفة الثانية والثالثة
بعد أسبوع، صادفته في معرض الكتاب الدولي بالرياض. كان يقف أمام جناح روايات سعودية، يقلب كتاباً آخر.
"عبدالعزيز؟" نادته من بعيد.
التفت، وبدت المفاجأة على وجهه. "نوف! شكلك تتابعينني؟"
"بالعكس، أنت اللي تتابعني"، ضحكت.
تحدثا هذه المرة لفترة أطول. عرفت أنه مهندس معماري، وأنه يحب العمارة القديمة في الدرعية، وأنه يعزف على العود لكنه لا يجيده.
عرفت هي عنه أيضاً أنها تكتب خواطر في تطبيق الملاحظات، لكنها لا تنشرها أبداً.
"ليش ما تنشرين؟" سأل.
"لأن الكلام اللي في قلبي... ما ينقال لأي أحد."
نظر إليها بعمق، وقال: "يمكن يحتاج تسمع منه أحد."
مر أسبوع آخر، وصادفته للمرة الثالثة في ممشى الملك عبدالله. كانت تمشي وحدها، فجأة وجدته يركض بجانبها.
"عاد هذي مو صدفة، هذي رسالة"، قال وهو يلهث.
"وش الرسالة؟"
"أني أبي أعرفك أكثر."
وقفت نوف في منتصف المسار. نظرت إليه، ثم إلى السماء التي بدأت تتحول للون البرتقالي.
"طيب. تعال خميس الجاي على مقهى الربوة... الساعة ٧. وخلنا نتكلم بجد."
ابتسم عبدالعزيز. "بجي. وعد."
---
الفصل الثالث: كلام من القلب
جاء يوم الخميس. لبست نوف عباءتها السوداء المطرزة بخيوط فضية، ووضعت عطرها المفضل: خشب الصندل مع وردة طائفية.
وصلت المقهى قبله بخمس دقائق. جلست في الزاوية نفسها، وطلبت قهوتين: لاتيه لها، وأمريكي له.
دخل عبدالعزيز، وابتسم حين رأى الكوبين.
"ما شاء الله... متوقعة إني بجي؟"
"كنت متأملة."
جلس، وساد صمت قصير. ليس صمتاً محرجاً، بل صمت من يعرف أن الكلمات الكبيرة تحتاج وقتاً.
قال عبدالعزيز أولاً:
"نوف... أنا ما كنت أصدق إن فيه حب من أول نظرة. بس من أول نظرة شفتكِ في المقهى... وأنا أفكر فيك. كل يوم. كل شارع. كل رواية أقرأها."
ارتجفت يد نوف وهي تمسك بالكوب.
"أنا مثلك... بس خايفة."
"تخافين من إيش؟"
"إني أحبك... وأكتشف إنك مجرد وهم جميل."
مد عبدالعزيز يده، ولمس أصابعها برفق.
"أنا مو وهم. أنا رجل يحب القراءة، يعزف العود غلط، ويحلم إنه يبني بيت لزوجته تشوف منه الرياض كلها."
سكتت نوف للحظة، ثم قالت:
"أنا أكتب خواطر... وكلها كانت عنك. حتى قبل ما أعرفك."
سألها بدهشة: "كيف؟!"
"لأني كنت أكتب عن رجل أعرفه بالصدفة... رجل ريحته تشبه المطر في الرياض."
ضحك عبدالعزيز، ومد يده ليمسح دمعة خفيفة نزلت على خدها.
"نوف... أنا أحبك."
"وأنا أحبك."
خرجت الرياض تمطر في تلك الليلة. وكان صوت المطر على زجاج المقهى أجمل أغنية سمعتها نوف في حياتها.
---
النهاية
بعد سنة، تزوجا في قاعة صغيرة بالدرعية. لم يدعوا كثيرين. فقط من أحبوا القراءة، والقهوة، وصدفة جميلة اسمها مقهى الربوة.
---
.