الفصل الرابع
.
---
حكاية نص شارع
مها كانت تملك محل عطور صغير في البلد. محل قديم، رائحته لا توصف: مزيج من العود والذاكرة والغبار الجميل.
كل خميس، كان يأتيها سيف شاب ثلاثيني، يشتري نفس العطر: "مسك الليل" بقارورة صغيرة زرقاء.
ولم يتحدثا أبداً أكثر من:
· "مسك الليل، أهلاً وسهلاً."
· "الله يبارك فيك، كم؟"
· "بخير، شكراً."
إلى أن جاء خميس مختلف.
دخل سيف والمحل فارغ، ووقف أمامها صامتاً. نظرت إليه مها بدهشة، لأن يده كانت فارغة من النقود.
"اليوم ما جبت فلوس"، قال بخجل.
"عادي، خذه هدية."
"لا... أنا جيت عشان شيء ثاني."
رفعت حاجبها.
"مها... أنا من خمس سنين أشتري منك عطر. والعطر ما استعملته ولو مرة."
"إذاً ليش تشتريه؟!"
"لأن ريحته تذكرني بأمي... وأمي كانت تشبهك."
سكتت مها. شعرت بشيء يتحرك في صدرها.
"أمي كانت طول الوقت تقول: اللي يسكت كثير، قلبه يتكلم بصوت عالي. وانتِ يا مها... قلبك صوته أعلى من أذان الفجر."
تنهدت مها، وأخرجت قارورة عطر جديدة، وكتبت على ورق صغير: "مسك الليل... لأول مرة، لغير زبون."
دفعتها إليه.
"وش كاتبة؟" سأل سيف.
"حكايتنا... من نص شارع."
ابتسم سيف، وقرأ الورقة، ثم همس:
"مها... أنا ما جيت اليوم عشان العطر. جيت عشان أقولك: أنا أحبك من أول خميس شفتك فيه."
قالتها.
وساد الصمت... لكنه كان صمتاً جميلاً، مثل ريحة المسك في آخر الليل.
---