الفصل الأول
.
---
كانت نوره تتأخر دائماً. ليس لأنها لا تهتم، بل لأنها تعتقد أن اللحظة الجميلة تستحق الانتظار.
في مقهى حي "العليا" بالرياض، كان يجلس عمر ينتظرها للمرة الثالثة. هطل المطر خارج النافذة الزجاجية الكبيرة، والمقهى يضيء بأضواء دافئة تشبه لون الكراميل.
دخلت نوره، ووجهها يحمر من البرد والخجل معاً.
"آسفة.. زحمة الشوارع."
نظر عمر إليها وابتسم دون أن يتكلم. فقط أزاح الكرسي المقابل له.
طلب عمر قهوتين: واحدة سادة له، وأخرى بستاشيو لنوره.
"لا تزالين تطلبين النوع نفسه منذ الجامعة؟" سأل مازحاً.
"ولا تزال تلاحظ تفاصيلي الصغيرة؟" ردت بجرأة خفيفة.
سكتا لثوانٍ، لكن الصمت لم يكن محرجاً. كان صمتاً يشبه أغنية قديمة يعرفان كلماتها عن ظهر قلب.
نظر عمر إلى يدها التي كانت تلف حول الكوب الأبيض وقال: "نوره، أنا لم أقلها منذ خمس سنوات.. لكني لم أتوقف عن التفكير في صوت ضحكتك حين كنت تلقينني حبات البستاشيو في الكلية."
ارتسمت ابتسامتها. أخرجت حبة بستاشيو من فوق الكوب ورمتها إليه بهدوء.
"ما زلتِ كما أنتِ،" ضحك عمر.
"وما زلت تحب كلامي الفارغ؟" سألت.
"بل أحب حتى صمتك."
خارجة المقهى، توقف المطر فجأة. مدت نوره يدها لتلمس قطراته الأخيرة، وفجأة شعرت بأصابع عمر تتشابك مع أصابعها.
لم تقل شيئاً. فقط أطلقت أنفاسها بعمق، وأغمضت عينيها لحظة، وكأنها تخبئ هذه اللحظة في ذاكرة لن تنساها أبداً.
انتهى المطر.
بدأت قصة جديدة.
---