الفصل 1
الكاتبة - إيميليا أمل
أخذت أهيم بالشوارع وأنا أجهل طريقي.. فهروبي من المنزل كان ضد إرادتي.. الليل ما زال ساترٌ على أمري.. لكن.! أين ينتهي بي الحال.. أ في دار الإصلاح... أم حد القصاص ينتظر رقبتي.. " يا الله لطفك ارجوا فأنا لم أقصد قتله .. هو من بغى وتجبر و ما أنا إلا أنثى أرادت أن تحمي عرضها .. يـا الله يا رافع السموات السبع وباسط الأرض لطفك أرجو" .. بكيت وبكيت إلى أن ابتلت غطوتي.. كنت أسير على غير هدا.. قطعت الشوارع بـ قدماي.. دون أن أجد مخرجاً لي مأزقي.. جلست على الرصيف.. وأتكئةُ على جذع شجرة.. كنت في حاله يُرثى لها..تقدمت مني امرأة إفريقيا وقدمت لي خمس ريالات..و تركتني ورحلت.. عندها فقط ..أشتغل عقلي.. فبعد أن كنت بنت مُرفها..أصبحت متسوله.. ربما سأبدأ حياتي من هنا.. نعم ..قررت في أعماقي أن أصبح متسوله.. فـهذا سبيل النجاة من الموت.. فأنا لا أريد أن أرى السيف فكيف وهو مصير رقبتي.. عزمت أمري وقررت أن أبدا من هنا.. أتسول.. كنت أخوض الشوارع بالنهار.. وألجئ إلـى نفايات جدة الجنوبية بالليل..إلا أنني طردت منها بعد مشاجرة عـِرقيه.. تركتها ورحلت إلى حي متهالك.. لم أتصور في يوم أن جدة تحتضن مثل هذا الحي.. كان قريب جدا من النفايات التي تعيشه الأفريقيات.. لكن الاختلاف الوحيد هو وجود أسقف وجدران.. كنت وكأنني في دولة منيمار او بنقلاديش.. فالسُكان هنا من هذه الجنسيتان.. مكثت بها لفترة طويلة جداً..تعلمت اللغة منهم.. بل وأصبحت أتقنها.. مرت الأيام وأنا على هذه الحال.. أتسول بالنهار وأعود إلى صندقتي بعد العشاء.. كنت أعيش بالسطح.. جدران تحميني وصندقة تظللني.. كنت أفكر كثيراً بحال أمي ومصيرها الذي تركتها معه.. ثم أهرب من التفكير بها إلى حالي ووضعي أنا.. تعلمت من السيدة التي آوتني الطب الشعبي أو بمعنى أدق "التمريخ" فكنت أفضل " ممرخه " في تلك المنطقة.. بل كنت أتسول من خلال هذه المهنة..كلا لم يكن تسولا.. بل كانت وظيفتي التي منحني إياها الزمن..
في إحدى الأيام قادمةُ من بيت قمت بتوليد صاحبته.. وأنا أكاد أطيرُ فرحاً فكان المولد ذكر كما تمنت هي وزوجها وأعطوني فوق ما أطلب كـ حلوانٍ لي.. أخذت المال وقد ملئت مساحات الفرح قلبي.. عُدت إلى الزقاق الذي أعيش به.. ووجدت رجلاٌ وامرأة يتحدثان مع مالك البيت الذي أعيش..مالك البيت كان رجلٌ مسن طيب الخلق وحسن المعشر فعند وفاة زوجته (التي علمتني فن التمريخ ) تركتني أعيش بهدوء..بل كان يرفض مالي الذي أعطيه إياه كأجر للسطح الذي أسكنه.. لكنني أعلم بحاجته فكنت أقوم بشراء مايلزمه من الطعام والشراب.. كان بمثابة الأب الذي لم أراه .. فقد عوضني الله به خيراً.. ما أن راني حتى انفرجت أساريره وأشار إلي وهو يتكلم بعربية ركيكة : هدي فاطمه وإن شاء الله يقدر يساعدكم
تقدمت لهم بهدوء. وأنا ابتسم برضى.. فقد كان يثني علي بأطيب الكلمات وأعطرها.. رغم ركاكةُ لهجته
تقدمت لهم وتبادلت التحايا مع المرأة فقط.. فكنت أتجاهل الرجل تماماً ..وأتجاهل ردوده..
صعدت بالمرأة إلى مسكني المكون من صالة في الوقت نفسه هي مطبخي ومرقدي..أما الحمام فكان خارجاً..
شعرت بتقزز المرأة..لكن رغم بساطة المكان إلا أنها شعرت بنظافته.. استلقت وقمت بمهمتي.. كانت امرأة في الأربعينيات من عمرها.. لا أعلم كيف سمعت بي.. فهي من أسره راقيه جداً ..هندامها وشكلها وحذائها كلها تبصم لي بأنها من أسره راقيه جداً..
وضعت في يدي ورقتين من فئة الـ 500 ريال..مما جعلني أبتلع ريقي.. أعتقد أنها لاحظت فرحتي وشعرت بسعادتي . ولأنها كانت من الفئات الكريمة المغرورة اليأسه..قالت بشيء من الرجاء: أنا ما اقدر أجي لهنا كل يوم.بس إذا وافقتي وجيتي مع السائق راح أزود لك المبلغ..
لم أفهم ما ترمي لها فقلت لها: ما فهمت
أجابتني على الفور: راح أعطيك عشرة ألاف ريال لو مرختيني شهر بس بشطر أنتي الي تجين لبيتي
كان المبلغ يتراقص بجنون أمام عيناي.. بل وأثار الرقص بقلبي عشرة ألف ريال بشهر..واااو.. يا سعدي .. لم أكن أتصور هذا المبلغ أبدا.. بل ولم أكن أرسمه في مخيلتي.. فبعد عشره سنوات سأملك من جديد هذا المبلغ..
وافقتها على الفور.. وفي منتصف الشهر الثالث أتتني على غير عادتها في ليلة ظلماء.. وبينما كُـنت أقوم بواجبي.. شعر بشيءٍ تحت يداي.. لم أكن أشعر به من قبل..بعد أن أنهيت مهمتي في "التمريخ" أخبرتها أنه ينبغي عليها زيارة الطبيب..
سألتني: شو في.؟
قلت لها بصراحه: والله أنا اشعر بنبض يختلف عن نبضك وهذا إن وجد فهو يدل على حملك
كادت أن تفقد وعيها من حجم الكلمة..قبلتني وعانقتني..وبعد أن أخذت الأفراح عندها قسطاً من الراحة..قلت لها: ما كنت أنا إلا سبباً ..وكل الإدعات في قول أن الممرخه عالمه بهذه الأمور.. فأنا أقولك هذا إدعاء خاطئ.. فمهمتنا نحن بس تعديل وضع الرحم من حيث نزله أو طلوعه عن مستواه الطبيعي.. بس أتمنى قبل ما تخبرين أحد تمرين على الطبيب أول وتتأكدين
الكلمة الأخيرة كادت أن تهلكها.. مما جعلها تقبر أفراحها في دائرة الخوف..وقررت عدم الذهاب..لكنني أصررت على موقفي وبدأت في إقناعها..إلى أن لان عودها.. واتفقنا على أن نذهب سوياً إلى عيادة خاصة.. وكان الضحى أقرب من الدقائق التي كنا ننظر فيها نتائج التحاليل..وأخيراً انفرجت أساريرها وتحقق الحلم.. وتم "إنقاطي" بالكثير من المال..بل جعلت لي غرفه في بيتها..فكانت تعتمد على نصائحي.. وافقتها فقط لأن زوجها تاجر انشغل بتجارته وله زوجه أخرى أنجبت له بنتان .. وهو رجل لا يهتم بهذه الأمور التي يراها غير منطقية.. فزواجه من الثانية كان بأمر من والدتها.. ليس هذا فقط. بل زواجه من الأولى وهي السيدة التي "أمرخها" كان بطلب من والده..أظنه رجل لا يكترث للحب أبداً ..
انتقلت بشكل شبه تملكي لهذه السيدة..إلى أن عدت يوماً إلى منزلي عند ذلك الشيخ المسن..ووجدت بعض الرجال يحملون جثماناً على أكتافهم..فغرت فاهي من هول الصدمة.. كنت ما بين السؤال والخوف..إلا أنني قررت عدم التصديق..فقد كان الأب الذي ألجئ له بعد الله.. كنت أتسامر معه كثيراً وكان يخبرني عن كيفة قدومه إلى السعودية بشكل يومي..يجد من قدومه إلى هنا رواية سعيدة تثير في حنايا روحه البهجة.. كمَّ أنه الوحيد هو وزوجته الذين يعلمون حقيقة أمري.. رحل وتركني وحيدة كما كنت قبل عشرة سنوات..اشعر أني عدت للصفر مرة أخرى..تقدم أحد الرجال إلى وقال: مات..والله يعظم أجرك..قالها بعربية قويه..فالشباب هنا يتكلمون العربية بقوه ..
بعد أن انتهى واجب العزاء صُدمةُ بالخادمة التي أخبرتني أن سيدتها ترغب برؤيتي .. ذهبت لها وأنا أشعر بالكراهية لها.. كل الذي يهمها صحتها فقط.. أما أنا "فحريقه أنا ومشاعري".. أخبرتها عن سبب تغيبي.. وقدمت لي واجب العزاء.. إلا أنها صدمتني حقاً بطلبها..فقد طلبت مني أن أعيش في بيتها بحجة أن أكون مربيه للطفل الذي سيأتي..كانت أسارير الفرج تبتسم لي.. وحمدت الله كثيراً على لطفه بي .. فـ الليالي الثلاث التي كنت أعيشها في ذلك المنزل كانت أرعب ليالٍ عشتها.. كنت أعلم أن ما يمنع شباب ذلك الحي عني هو وجود الرجل الطيب الذي عشت في كنفـِه عشرة سنوات..أنا لا أذم جميع الشباب ولكن الفقر والحاجة والجهل كانت هي من تقودهم إلى فعل أمور في منتهى البذاءة والخسة.. وافقتها على الفور.. وأنجبت السيدة طفلها الأول..