خنجر ذو حدين - الفصل السابع: ذاكرة الأمس - بقلم ميوش السوهاجية | روايتك

اسم الرواية: خنجر ذو حدين
المؤلف / الكاتب: ميوش السوهاجية
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل السابع: ذاكرة الأمس

الفصل السابع: ذاكرة الأمس

تتويج الملك: قبل ثلاثمائة عام، وفي أعماق غابة شادوماير القديمة، حيث الأشجار العملاقة تلامس السحاب، تجمع السحرة من كل حدب وصوب. كانوا يرتدون أردية مزينة برموز القمر والنجوم، وأيديهم تحمل عصيًا من خشب الأرز المتوهج. في مركز التجمع، وقفت شجرة الحياة العتيقة، جذورها تمتد في الأرض وأغصانها تحمل أوراقاً من فضة. أرمان، بسيمته الوقورة وعينيه الحادتين، وقف تحت مظلة من أوراق الشجر. شعره الرمادي يتلألأ تحت ضوء الإضاءة الصناعية التي خلقها السحرة للإحتفال. إلى جانبه، وقفت شقيقته مارتا، ترتدي ثوباً أزرق غامقاً، وعيناها تعكسان الفخر والحكمة. وبجوارها، وقفت ابنتها ميجدالين، بشعرها البني المتدفق وعينيها الكهرمانيتين التي تلمسان بالبراءة والقوة. في الصف الأول، جلست زوجة أرمان على كرسي من خشب الدردار، تغطيها بطانية من فرو الثعلب، عيناها تبرقان بالفخر لزوجها، بينما كان ابنها الشاب أرثر يقف بجانبها، يراقب والده بإعجاب واضح. بدأت الطقوس بكلمات قديمة ترددها الجموع: "يا من يحمل حكمة الأجداد... يا من يفهم لغة النجوم... نقسم لك بالولاء." تقدّم كبير السحرة حاملاً وسادة من حرير أخضر، عليها غصن من شجرة الحياة. "أرمان... قبولك هذه الهدية يعني قبولك حماية هذه الأرض وأهلها." أخذ أرمان الغصن ورفعه عالياً. "أقسم أن أكون حارساً ومدافعاً عن الضعفاء، وخادماً للقوة السحرية العليا." انطلق نور أبيض من الغصن، غلف الجميع في دفء سحري. ثم تقدم الخادمان المخلصان: فزاعة الجني، بجلده الرمادي المائل إلى الزرقة وابتسامته المشرقة، وسيربانيس الأفعى العملاقة، التي تزحف بهدوء وتنحني أمام سيدها الجديد. قال فزاعة: "أقسم أن أكون عينيك التي ترى، وأذنيك التي تسمع." همست سيربانيس: "وأقسم أن أكون درعك الذي يحميك، وسيفك الذي يضرب الأعداء." ابتسم أرمان لهما، ثم نظر إلى عائلته. عيناه توقفتا على ابنه أرثر، الذي كان ينظر إليه بإعجاب لا يخفي. "سيأتي يومٌ ... وستحمل أنت أيضاً هذه المسؤولية." أرثر انحنى باحترام. "سأكون مستعداً يا أبي." اختتم الحفل بموكب من الأضواء السحرية والزهور التي تفتحت في منتصف الليل. لكن في عيني سيربانيس، كان هناك وميض خفي... وميض من الحسد والطموح الذي سيغير مصير الجميع إلى الأبد. خيوط الخديعة: مرت الأيام وتوالت الليالي، وسيربانيس تعمل بكل ما أوتيت من ذكاء ومكر لتثبت لأرمان أنها خادمته الأولى والأوفى. كانت تظهر الإخلاص في كل مهمة، وتنفذ الأوامر بدقة متناهية، بينما في الخفاء تحيك خيوط المؤامرة على فزاعة. في أحد الأيام، بينما كان فزاعة ينظم الكتب السحرية في المكتبة، أخذت سيربانيس مخطوطة نادرة وأخفتها بين أغراضه. عندما اكتشف أرمان فقدان المخطوطة، وجدها في غرفة فزاعة بعد أن أرشدته سيربانيس إليها بتظاهر بالحزن. "فزاعة! كيف تتجرأ على أخذ ما لا يحق لك؟" قال أرمان بصوت غاضب لم يسمعه منه أحد من قبل. فزاعة نظر إلى المخطوطة ثم إلى سيربانيس التي كانت تبتسم ابتسامة خفية. "أنا... لم آخذها يا سيدي... لا أعرف كيف وصلت إلى هنا." لكن الأدلة كانت مادية، وغضب أرمان حال دون رؤية الحقيقة. انتهى الأمر بزجر قاسي لفزاعة. خرج فزاعة حزيناً إلى حديقة المنزل، وجلس تحت شجرة التفاح العملاقة. لم يكن غاضباً من سيده، بل كان يحاسب نفسه على ما حدث."ربما كنت مهملاً... ربما لم أكن حريصاً بما يكفي." أرثر، الذي كان يشاهد المشهد من بعيد، فهم خبث سيربانيس. حاول أن يحذر أباه بشكل غير مباشر. "أبي... ألا تعتقد أن الأمور أحياناً ليست كما تبدو؟" لكن أرمان كان غاضباً جداً ليفهم التلميح. "الأدلة لا تكذب يا بني." في المساء، ذهب أرثر إلى الحديقة حاملاً طبقاً من فطيرة التفاح التي أعدتها مارتا. جلس بجانب فزاعة. "لا تلُم نفسك... أنا أعرف الحقيقة." نظر فزاعة إليه بعينين دامعتين. "كيف؟" "لأني رأيتها وهي تخفي المخطوطة." قال أرثر وهو يقدم له قطعة من الفطيرة. "هذه من عمتي مارتا... تعرف كيف تحسن صنعها." أخذ فزاعة القطعة وأكلها بصمت، ثم ابتسم لأول مرة ذلك اليوم. "طعمها يذكرني بأيام أفضل من هذه." "هناك دائماً أيام أفضل ولكنها قادمة." قال أرثر وهو يقف. "هل تريد أن تأتي معي؟ لدي موعد مع ميجدالين عند الشجرة الكبيرة." رفع فزاعة حاجبيه. "موعد غرامي؟ وأنا مدعو؟" "أنت صديقي... وأريدك أن تغير هذا الجو الكئيب." مشى الاثنان نحو الغابة، وتقاسما فطيرة التفاح وأحلام المستقبل. وافق فزاعة على طلب أرثر ألا يخبر أباه بالحقيقة حتى لا يزيد الأمور تعقيداً. تحت ضوء القمر، بينما كان أرثر وميجدالين يتبادلان الهمسات الحلوة، كان فزاعة يجلس على غصن قريب، يأكل آخر قطعة من الفطيرة ويشعر أنه أخيراً وجد عائلة حقيقية. بذور التمرد: مرت الأيام وتوالت السنوات، وأرمان يعلم ابنه أرثر كل علوم السحر المشروعة، فيفقه أسرار النجوم ويتقن لغة العناصر ويفهم طبائع الخلائق. لكنه كان حريصاً كل الحرص أن يبعد عنه علوم السحر المحرمة، تلك التي تتلاعب بأرواح الأحياء وتكسر قوانين الطبيعة. وكما منع هذه العلوم عن ابنه، منعها أيضاً عن خادميه وكذلك طالبه المفضل الذي أنضم لهم مالاكور والذي كان يعتبره أرثر كأخ أكبر له. قال لهم في يومٍ وهو جادٌ في نظراته: "السحر المحرم كالنار التي تلتهم حاملها قبل غيرها. إياكما أن تقتربا منه." فزاعة، المطيع الوفي، لم يعصِ أمر سيده قط. كان يرافق أرثر في تدريباته مع مالاكور، ويستمتع برؤية تقدمه، ولا يسأل عن أكثر مما أخذ. أما سيربانيس، فكانت أذناها تسمعان الأمر، لكن قلبها كان يشتاق إلى ما مُنع عنها. في الخفاء، بدأت تتسلل إلى الأقسام الممنوعة من المكتبة، تقرأ المخطوطات المحرمة وتدرس التعاويذ المطمورة. في البداية، كانت تبرر لنفسها بأنها تريد المعرفة فقط. لكن المعرفة المحرمة أفسدت قلبها شيئاً فشيئاً. بدأت ترى أن الرحمة ضعف، والعدل مجرد شعار، وأن القوة المطلقة هي وحدها التي تستحق السعي. في إحدى الليالي، بينما كانت تتفحص مخطوطة قديمة عن السيطرة على الأرواح، همست لنفسها: "لماذا يكون البشر هم الحُكام؟ لماذا لا نكون نحن، فنحن الأقوى؟ لماذا نخدم من هم أقل منا قوة؟" بدأت تتجرأ شيئاً فشيئاً. كانت تمارس تعاويذ صغيرة في الخفاء، تتلاعب بأدمغة الحيوانات الصغيرة، ثم كائنات أكبر. كل نجاح كان يزيدها طمعاً وكبرياء. ذات يوم، رآها أرمان وهي تحاول التأثير على عقل طائر يشبه طيور العنقاء فزجرها: "ماذا تفعلين؟ ألم أنهكِ عن هذا؟" انزعجت سيربانيس لكنها أخفت غضبها. "كنت أتعلم فقط يا سيدي." لكن أرمان لم يقتنع. "المعرفة التي تهدد روحك لا تستحق المعرفة. توقفي الآن." أطاعته سطحياً، لكن في الخفاء، زادت تمرداً. أصبحت ترى في أوامره قيوداً سخيفة، وفي تحذيراته خوفاً لا يليق بقوة مثلها. بدأت تحلم بسيطرة تكون فيها هي الحاكمة، لا الخادمة. بدأت تعد العدة لليوم الذي تتحرر فيه من كل القيود. وفي الظلام، بينما كان الجميع نائمين، كانت سيربانيس تنسج خيوط تمردها، غير دارية أن أحلام القوة هذه ستقودها إلى الهلاك. اللعنة والثمن: بعد أيام قليلة من تحذير أرمان، تجرأت سيربانيس وخرجت عن طاعته بالكامل. وقفت على أعلى تل يطل على مدينة شادوماير، ورفعت جسدها العملاق، وأنشأت تعويذة ظلامية قوية. "من اليوم، لن تشرق الشمس على هذه المدينة اللعينة مرة أخرى!" ثم همست بكلمات محرمة، فانحجب ضوء الشمس، ولف الظلام المدينة كغطاء ثقيل. بدأ الناس يصابون بالذعر، والنباتات تذبل، والحيوانات تهرب. أرمان، الذي شعر بالاضطراب في قوى الطبيعة، أسرع إلى مكانها. "سيربانيس! توقفي الآن! هذا تمردٌ لا يُغتفر!" صاحت به وهي تتلوى بغضب: "لقد سئمت من خدمتك أيها العجوز الخرف! لماذا أخدم بشراً ضعفاء؟ لماذا لا أكون أنا الحاكمة المطلقة؟" هجمت عليه بكل قوتها، لكن زوجته التي خافت عليه أتت وهي عاجزة على كرسيها المتحرك قريبة من المكان، حاولت مناداته لتحذيره. "أرمان! احذر!" لمحت سيربانيس حركتها، فانقضت عليها بسرعة البرق. "حسناً! سأبداً بالضعفاء أولاً!" ضربة واحدة من ذيلها القوي، وسقطت زوجة أرمان على الأرض، وقد أرتطم رأسها بصخرة كبيرة. "لا!" صرخ أرمان وأرثر الذي كان قد وصل للتو. اندفع أرثر نحو سيربانيس غاضباً. "كيف تجرئين؟" ضربها بسيفه لكنها كانت أقوى. التفت عليه وضربته بقوة، مما ألقاه على الأرض. ارتطم رأسه بالحجر، وسال الدم من جبينه. فزاعة، الذي كان يراقب من بعيد، لم يتردد. رفع يديه وربط سيربانيس بحبال سحرية خفية. "يكفي هذا!" كانت تتلوى محاولة التحرر، لكن الحبال كانت تشتد. أرمان، بينما كانت زوجته تلفظ أنفاسها الأخيرة في حضنه، نظر إلى سيربانيس بعينين مليئتين بالألم والغضب. أخرج خنجراً ذهبياً من طيات ردائه. "لقد خنتِ الأمانة، وخنتِ ثقتي، وخنتِ نفسك." بدأ يتلو تعويذة قديمة، والخنجر يتوهج بقوة. "ستُحبسي في هذا الخنجر إلى الأبد، ولِتَكوني لعنة على نفسك فقط." انطلقت قوة من الخنجر، امتصت روح سيربانيس الهائجة داخله. صرخت آخر صرخة لها، ثم سقط جسدها العملاق بلا حركة. حمل أرمان زوجته بين ذراعيه، ودموعه تسقط على وجنتيه. "اغفري لي... لم أستطع حمايتك." دفنها في حديقة المنزل، تحت شجرة التفاح التي كانت تحبها. ثم جلس بجانب القبر أياماً طويلة، لا يأكل ولا يشرب، فقط يحاور الذكريات والألم. تضحية الأب: بعد سنوات قليلة من دفن زوجته، تنبأ أرمان برؤية مفزعة. رأى روح سيربانيس ستتحرر من الخنجر، وتجتاح المدينة بظلامها، وتستولي على قوة السحر العليا، فتدمر كل شيء في طريقها. جمع أرمان عائلته وخدمه المخلصين: فزاعة ومارتا وأرثر. نظر إلى ابنه نظرة حزينة ثقيلة. "يا بني، اليوم أسألك سؤالاً مصيرياً. هل أنت مستعد أن تضحي بحياتك من أجل إنقاذ الأبرياء؟" نظر أرثر إلى عيني أبيه الحزينتين. "مستعد يا أبي. سأفعل أي شيء لحماية من أحب." أومأ أرمان برأسه، ثم التفت إلى فزاعة. "ستكون الحارس على روح سيربانيس داخل الخنجر، حتى يحين وقت خروجها. ستكون سنداً لابني وخادمه الأمين. ومكافأتك بعد انتهاء المهمة أن تتحول إلى إنسان كما كنت تحلم." نظر فزاعة إلى أرمان بعينين دامعتين. "سأحرسه كما حرستك سيدي. وسأكون له أخاً لا خادماً." ثم نظر إلى مارتا التي تقدمت بخطوة حازمة. "وأنا أقسم بحماية هذا الولد كما أحمي روحي. دمي سيكون درعه، وروحي فداء له." أخيراً، وضع أرمان يديه على رأس أرثر. "أما أنت يا بني، فستنام نومة طويلة، حتى يقترب موعد خروج تلك الروح الشريرة. ستنسى كل شيء، لكن قواك ستبقى كامنة في داخلك تستيقظ في الوقت المناسب لمحاربتها." وفي تلك اللحظة، ألقت ميجدالين، التي كانت تستمع من بعيد، تعويذة سرية على نفسها: "بأسم النجوم والقمر، أحفظ شبابي لألتقي بحبيبي مرة أخرى، مهما طال الانتظار." بدأ أرمان يتلو تعويذة النسيان، وكلماته تتردد في الغرفة كأنها أجراس قديمة. "لتغفو الذكريات... لتنم القلوب... لتستيقظ الشجاعة عندما يحين الوقت..." وقبل أن تكتمل التعويذة، أضاف أرمان همسة أخيرة: "ولكي تبقى قوّتك سليمة عبر الزمن، ألقي عليك تعويذة تحفظ شبابك وروحك. فطريقك طويل، ومصيرك أعظم من أن يقيده الزمن." ارتعش جسد أرثر، وعيناه تعلقتان بأبيه. "لا تنسيني أمي... ولا ميجدالين... أرجوك أبي..." لكن التعويذة كانت أقوى من صرخات قلبه. رأى ذكرياته تتبخر واحدة تلو الأخرى: أيام التدريب، ضحكات ميجدالين، وجه أمه الحنون. سقط على ركبتيه ثم إنهار على الأرض، وفقد وعيه بالكامل. حمله أرمان إلى سريره، ثم أخفى الخنجر حيث سيظهر في الوقت المناسب. وفي اللحظة الأخيرة قبل أن يموت، ربط أرمان روحه بروح ابنه بسحر قديم. "دمي ودمك مرتبطان يا بني. عندما يحين الوقت، ستتذكر كل شيء، وستكون أقوى مني، وأقوى من كل من سبقنا." وفي اللحظة الأخيرة، همس بكلمات الحب والوداع، ثم أسلم روحه. في الوقت الحاضر، داخل منزل أرمان، فتح أرثر عينيه فجأة. كان يتنفس بسرعة، وجبينه مغطى بعرق بارد. نظر حوله فرأى ميجدالين وفزاعة ومارتا ينظرون إليه بقلق. "لقد استيقظت!" صاحت ميجدالين وهي تحتضنه. "كم من الوقت غبت؟" سأل أرثر بصوت أجش. "أياماً كاملة... لكن ذاكرتك عادت، أليس كذلك؟" قال فزاعة وهو يبتسم ابتسامة حزينة. نظر أرثر إلى يديه، ثم إلى الوجوه المحيطة به. "أبي... أمي... سيربانيس... لقد تذكرت كل شيء." أمسكت مارتا بيده. "الآن حان وقت إكمال ما بدأه والدك. ما تبقى من الخمسة عشر اختباراً تنتظرك."