الفصل السادس: على حافة الهاوية
أنفاس صعبة:
كان البساط السحري يقطع السحاب بسرعة البرق، حاملاً أرثر الذي أشرف على الموت، وميجدالين التي تمسك بيده الباردة، لقد كان فزاعة يطير بكل ما أوتي من قوة.
فجأة، ارتجف جسد أرثر ارتجافة عنيفة، ثم بدأ يشهق بشدة كأن الهواء ينفذ من رئتيه. عيناه نصف مغلقتين، وشفتاه تزرقان ببطء.
"لا! أرثر! تنفس أرجوك!"
صرخت ميجدالين وهي تضغط على صدره، دموعها تنهمر. لكن حالته كانت تزداد سوءاً. رعشة جديدة اجتاحت جسده، ثم توقف تنفسه تماماً للحظة.
"فزاعة! توقف! إنه يموت!"
لم ينتظر البساط الأمر، فهوى بسرعة نحو كهف قريب، وانزلق إلى داخله بلطف. تحول فزاعة إلى هيئته الطبيعية، وأسرع نحو أرثر الذي كان جسده بارداً ومتصلباً.
"انظري! السم يقترب من قلبه! لن يتحمل الدقائق حتى نصل إلى مارتا!"
"ماذا سنفعل؟ لا يمكنني أن أفقده مرة أخرى!"
بكت ميجدالين بمرارة، تحتضن جسد حبيبها الذي كان يغادرها شيئاً فشيئاً. "لقد خذلته... خذلته كما حدث من قبل."
"اسمعيني جيداً يا ميجدالين!" قال فزاعة بصوت جاد لم تعرفه من قبل. "سأذهب وسأحضر مارتا هنا! يجب أن تبقيه حياً حتى أعود."
"كيف؟ أنا لا أملك سحر للشفاء!"
"استخدمي الرابط بينكما! تحدثي إليه! اجعليه يتشبث بالحياة! إذا كان هناك أحد يستطيع سحبه من براثن الموت، فهو أنتِ!"
قبل أن ترد، اختفى فزاعة في ومضة ضوء، تاركاً إياها مع أرثر الذي كان أنفاسه تتقطع.
أمسكت ميجدالين بيديه الباردتين، ووضعتهما على خديها. "اسمعني يا أرثر... يا حب حياتي. لا تتركني هنا وحدي. لقد انتظرتك ثلاثمائة عام... ثلاثمائة عام من الألم والصبر. أتذكر يوم كنا عند الشجرة الكبيرة في منزلك؟ عندما أعطيتني تلك الزهرة البيضاء وقلت إنها لا تضاهي جمالي؟"
كانت تجهش وهي تتحدث، صوتها يرتجف من شدة البكاء. "أتذكر كيف كنت تتدرب مع والدك كي تحميني؟ كيف كنت تسرق لي الكتب من المكتبة المحرمة؟"
جسد أرثر ارتجف مرة أخرى، ثم سمعت صوت شهقة خفيفة. عيناه تتحركان تحت الجفنين المغلقين.
"نعم! أنت تسمعني! أنت هنا معي!"
واصلت الحديث وهي تحتضنه بقوة، كأنها تخشى أن يغيب عنها إلى الأبد. "لقد وعدتني أن تعود... وأن تظل معي للأبد . لا تخن وعودك يا أرثر... لا تتركني وحيدة في هذا العالم المظلم."
في الخارج، كانت العاصفة تهدر، والظلام يزداد كثافة، لكن داخل الكهف، كان هناك بصيص أمل صغير يتوهج في صوت امرأة تحاول إنقاذ حبيبها من براثن الموت.
نداء الأم:
في منزل مارتا المتواضع، كانت العجوز تعد بعض الأعشاب العلاجية حين فتحت النافذة فجأة بقوة غير مرئية، ودخل منها فزاعة بشكل طارئ، متحولاً من ومضة ضوء إلى جسده المعتاد.
"مارتا! هناك كارثة!"
صرخ فزاعة وهو يلهث، ملابسه ممزقة وأثر الدماء عليه واضح.
ارتعدت مارتا من المفاجأة، وكادت تسقط الجرة التي بين يديها. "فزاعة! كيف تجرؤ على الدخول هكذا؟ لو رآك أحد..."
"لا وقت للتفاصيل! أرثر يموت! والسم يسري في عروقه!"
"أرثر؟!" اسودت الدنيا أمام عيني مارتا للحظة. "كيف؟ أين؟"
"في كهف الجبل الشمالي! ميجدالين معه تحاول إبقاءه حياً! لكن الوقت ينفد!"
لم تنتظر مارتا كلمة اخرى. أسرعت إلى خزانة مخبأة خلف الرفوف، وأخرجت منها حقيبة جلدية قديمة مليئة بالقوارير والأعشاب النادرة. "خذني إليه الآن!"
"هل لديكِ ما يلزم؟ سم عنكبوت الجبال لا يرحم!"
"نعم لدي ما يلزم."
أمسكت مارتا بيد فزاعة بقوة. "يجب أن ننطلق فوراً! كل ثانية مهمة!"
تحول فزاعة مرة أخرى إلى البساط السحري، ورفع مارتا وحقيبتها في الهواء. "احرصي على أن لا يراكِ أحد."
"الجميع في بيوتهم يختبئون من الظلال! انطلق."
انطلق البساط من النافذة مرة أخرى، حاملاً العجوز التي كانت تهمس بالدعاء وهي تضغط على حقيبتها كأنها كنزها الوحيد.
"اصبري يا ميجدالين... نحن قادمون."
همست مارتا والرياح تجفف دموعها.
فرحة السقوط:
في أعماق كهفها المظلم، كانت سيربانيس تتلوى فرحاً. شعرت من خلال الرابط الخفي الذي يربطها بأرثر بأن حياته تتسرب منه كالماء من إناء مشقوق. ضحكت ضحكة مكتومة شريرة تملأ الكهف صدىً مقرفاً.
"أخيراً! يموت من دون أن أرفع إصبعاً حتى!"
قالت وهي تتمدد في جسد إليرا المُستَعار، عيناها الحمراوان تتقدان بنشوة الانتصار. "السم فعل ما عجزت عنه كل قواي!"
قامت تتجول في الكهف، تهمس بكلمات مسمومة من الفرح. "الآن سأكون حرة! حرّة من لعنة أرمان ووريثه الضعيف وسأحصل على القوة التي تمنيتها."
توقفت أمام بركة الماء السوداء، ورأت من خلالها صورة أرثر المتشنج، وميجدالين تبكي عليه، وفزاعة يغيب ليحضر المساعدة. ضحكت مرة أخرى. "يا للحماقة! يحاولون إنقاذ ما لا يمكن إنقاذه!"
رفعت يديها إلى الأعلى، وكأنها تحتفي بانتصارها. "ليذهبوا جميعاً إلى الجحيم! ليموتوا كما ماتت آمالي منذ قرون!"
جلست على عرشها الصخري، راضيةً مختالة. "الآن سأرى كيف تذبل شادوماير دون أمل! كيف يموت نورها الأخير!"
أغلقت عينيها، مستمتعةً بشعور الانتصار، غير عابئة بما يحدث خارج كهفها. لم تكن تعلم أن في مكان ما، هناك أمٌ تحمل دواءً، وصديقٌ يطير بأسرع ما يمكن، وحبيبةٌ ترفض الاستسلام.
كسر التعويذة:
داخل الكهف المعتم، حيث لا يُسمع إلا صوت تنفس ميجدالين المتقطع ودموعها التي تسقط على صدر أرثر البارد، كانت المعركة بين الحياة والموت تدور في صمت رهيب. ميجدالين تحتضن جسد حبيبها كما لو أن حضنها يستطيع أن يمنع روحه من المغادرة.
"لا تتركني... لا يمكنني أن أعيش من دونك..."
كانت تهمس بألم يعصر القلب، ويداها ترتجفان وهي تلمس وجهه الشاحب. فجأة، انحنت أقرب إلى شفتيه، وكادت أذنها تلامس فمه عندما سمعت همسة بالغة الضعف، كأنها نسيم خافت:
"ميجي..."
ارتجف جسد ميجدالين كله. عيناها الكهرمانيتان اتسعتا في ذهول. "ماذا؟... ماذا قلت؟"
نظرت إلى وجهه الشاحب، لكنه لم يتحرك. كان وكأن الهمسة لم تكن سوى وهْم من أوهام اليأس. لكن ثمَّة شيء آخر... لمست يدها يدَه فشعرت بارتجافة خفيفة، ثم رأت عينيه تتحركان تحت الجفنين بصعوبة.
"ميجي..."
هذه المرة، كان الصوت أوضح قليلاً. صرخت ميجدالين في دهشة: "أمي! فزاعة! لقد ناداني بإسمي المختصر! لقد تذكرني!"
التفتت مارتا وفزاعة نحوها في سرعة. نظراتهما لم تكن نظرات فرح، بل ذهولٌ مختلطٌ بالقلق العميق. مارتا تقدمت بخطوات سريعة، عيناها الرماديتان تتقدان بومضة خوف.
"ماذا قال؟ هل أنتِ متأكدة؟"
"نعم! ناداني بـ'ميجي'... كما كان يفعل دائماً!"
أمسكت مارتا رأس أرثر بين يديها، ونظرت إلى عينيه المغلقتين. "يا إلهي... التعويذة انكسرت... القوة التي كسرتها..."
أكمل فزاعة الجملة بصوت مرتجف: "هي قوة حبه لها... لكن هذا يعني أن قواه السحرية بدأت تستيقظ!"
نظرت مارتا إلى فزاعة بعينين مليئتين بالرعب. "لو علمت سيربانيس أن تعويذة النسيان انكسرت، وأن قوة أرمان بدأت تستيقظ فيه..."
"ستجتاح المدينة كلها للوصول إليه! ستذبح كل من في طريقها لتستولي على قوته!"
قال فزاعة وهو ينظر إلى أرثر الذي بدأ يتنفس بشكل أقوى، كما لو أن ذكرى حبه أعطته قوة جديدة. "قوة أرمان الكامنة فيه... إن استيقظت بالكامل، ستجعل منه أقوى من والده! لكنها أيضاً ستحوله إلى شعلة مضيئة في الظلام، يراها كل أعدائه!"
ميجدالين أمسكت بيد أرثر بقوة. "لا يهم! المهم أنه يعود! سنحميه معاً!"
قالت مارتا بصوت جاد: "أنتِ لا تفهمين! إذا استيقظت قوته الآن، وهو في هذه الحالة الضعيفة، قد تلتهمه من الداخل! أو قد تجذب سيربانيس إليه قبل أن نتمكن من حمايته!"
في تلك اللحظة، فتح أرثر عينيه قليلاً. لم يكن واعياً تماماً، لكن عينيه الرماديتين كانتا تتقدان بومضة ذهبية خفيفة. همس مرة أخرى: "ميجي... أنتِ هنا..."
قالت مارتا بسرعة: "يجب أن ننقله الآن بعيداً عن هنا! إلى مكان لا تجده سيربانيس."
لوح فزاعة بيديه. "سأحاول خلق بوابة... لكني سأحتاج إلى قوة كبيرة."
ردت مارتا: "استخدم قوة الحب بينهما! استخدم الذكريات التي عادت! فهي الآن أقوى من أي سحر!"
صحوة القوة:
حاول فزاعة تركيز كل طاقته المتبقية، يداه ترتجفان وهو يسعى لخلق بوابة سحرية. "أحتاج إلى قوة أكبر... لم تعد طاقتي كافية!"
فجأة، نهض أرثر من على الأرض، عيناه المغمضتان تفتحان قليلاً، وتتخذان لوناً ذهبياً متوهجاً. رفع يده الضعيفة، وأشار نحو الفراغ. "دعني أساعدك... يا فزاعة."
صوتٌ مختلف... أعمق وأقوى... صوت أرثر الحقيقي الذي طالما اختبأ تحت تعويذة النسيان.
انطلقت شرارة ذهبية من أصابعه، امتزجت مع قوة فزاعة. دارت البوابة السحرية بسرعة، وابتلعتهم جميعاً في دوامة من الضوء.
وجدوا أنفسهم فجأة في غرفة فخمة. جدران من الخشب البني المنحوت، رفوف ممتلئة بالكتب القديمة، وأدوات سحرية تلمع في كل زاوية. روائح القرفة والزهور العطرة تفوح في المكان.
"منزل أرمان..." همست مارتا وهي تنظر حولها بعينين دامعتين.
أرثر، الذي كان مستلقياً على أريكة جلدية فاخرة، فتح عينيه بالكامل. نظرة جديدة في عينيه... نظرة تعرف المكان جيداً. رفع يده بضعف، ورسم في الهواء رموز حماية ذهبية التصقت بالجدران والأبواب.
"الآن نحن آمنون... مؤقتاً." قال بصوته الجديد القوي.
نظر إلى فزاعة. "أحضر الجرة التي جمعت فيها دماء العنكبوت."
"لكنك لا تزال ضعيفاً! السم لا يزال في جسدك!"
"هذا هو الاختبار الثالث... وسأكمله الآن."
نظر إلى ميجدالين بطريقة مختلفة... نظرة تعرفها جيداً. "ميجي... يجب أن تخرجي أنتِ و الآن."
"لا! لن أتركك!"
'أرجوكِ... ثقي بي." لمس خدها بلطف. "لقد عدت إليكِ... ولن أترككِ مرة أخرى."
بعد تردد، خرجت ميجدالين ومارتا، لكنهن لم يغادرن الباب بالكامل.
من داخل الغرفة، سمعوا صوت سائل ينسكب، ثم صرخة ألم مروعة من أرثر. دخلن مسرعات ليجدنه غارقاً في حوض من الدم الأزرق، جسده يرتجف بعنف.
"ماذا فعلت؟" صرخت ميجدالين وهي تركض نحوه.
فزاعة، الذي بدا أكثر نضجاً قليلاً، وقف بجانب الحوض. "أصر على إكمال الاختبار... قال إن القوة ضرورية لحمايتنا."
أرثر، الذي كان شبه مغمى عليه، همس: "السم... لا يزال موجوداً..."
أمسكت ميجدالين بيده المرتعشة. "يا حبيبي... توقف! هذا كثير عليك."
فتح عينيه قليلاً، وتوهجت باللون الذهبي. "من أجلكِ... سأفعل أي شيء."
سقط في غيبوبة، لكن دماء العنكبوت الزرقاء بدأت تتوهج حول جسده، والرموز الذهبية على الجدران تلمع بقوة.
فزاعة نظر إلى ميجدالين. "لقد استنزف قوته حالياً ليحمينا... عندما يستيقظ سيصبح أقوى... لكن المعركة لم تنته بعد."