سجينة في قصر أبي - الفصل الخامس عشر - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: سجينة في قصر أبي
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس عشر

الفصل الخامس عشر

لسانُ تيا.. وارتجافُ سيمونيل: على حدود مملكة ديودار، حيث ترتفع البوابات الحديدية الضخمة كفكي وحشٍ أسطوري جائع، كانت تيا تقف بجسدها النحيف وقوتها التي تكمن في لسانها الحاد الذي يفوق نصل السيوف دقة. كانت تضع يدها على خصرها، وتتلاعب بخصلة من شعرها المتمرد وهي ترمق الحارس الضخم بنظرة تمزج بين الاستخفاف والشفقة، وكأنها هي من تحاصره وليس العكس. قالت تيا، وهي تطلق زفرة ملل متعمدة أطارت بها غصن النعناع من فمها ليرتطم بدروع الحارس: — يا صاحب الخوذة الصدئة، هل تمارسون هنا طقوس الصمت المقدس؟ أم أن الملك ميدار اختارك بالذات لأن وجهك يقطع رزق المارة؟ أخبرني، هل تتقاضى أجراً إضافياً على هذا العبوس، أم أنه موهبة فطرية ولدت بها لتنغص حياة الجميلات أمثالي؟ لقد مررتُ بممالك يملؤها الغبار، لكنني لم أرَ قط حارساً يبدو وكأنه ابتلع جرعة من الخل المركز قبل نوبته! احتقن وجه الحارس، وشد قبضته على رمحه حتى ابيضت مفصله، وهدر بصوتٍ أجش ينم عن صبرٍ نافد: — ابتعدي يا فتاة قبل أن أفقد صبري! الحدود مغلقة بأمرٍ ملكي صارم بسبب الأوضاع المتوترة في أركونيا. لا دخول، لا خروج، ولا مكان لثرثرة المشاكسات اللواتي يظن أن العالم يدور حول غنجهن. عودي إلى خيمتكِ أو من حيث أتيتِ قبل أن يذوق ظهركِ سوط الأدب وتندمي على كل حرف نطق به لسانكِ السليط هذا. لم تتراجع تيا إنشاً واحداً، بل تقدمت حتى أصبح صدرها على بعد مليمترات من سن الرمح الحاد، وقالت بضحكة رنانة هزت سكون المكان وجعلت الطيور تطير من فوق الأسوار: — سوط الأدب؟ يا إلهي، لقد أخفتني لدرجة أن قلبي كاد يتوقف عن النبض.. من الضحك! اسمعني جيداً يا هذا، أنا لستُ ممن ترهبهم قطع الحديد التي تسمونها رماحاً. أنا الريح التي تتسلل من شقوق أبوابكم، والظل الذي يسبق خطاكم في العتمة. إذا لم تفتح هذا الباب بكرامتك الآن، فسأضطر للدخول بطريقتي الخاصة، وعندها سأخبر قائدك أنك سمحت لي بالمرور مقابل 'قصيدة غزل' لأنك سئمت من رؤية الوجوه الرجولية الخشنة حولك طوال النهار والليل. هل تتخيل نظرات زملائك إليك حينها؟ سيبدأون بمناداتك بـ 'شاعر البوابة' بدلاً من الحارس الأمين! ارتبك الحارس وبدأ العرق يتصبب من تحت خوذته الثقيلة، بينما تعالت ضحكات الحراس الآخرين في أبراج المراقبة بوضوح، فتابعت تيا بلهجة ساخرة وواثقة: — هيا يا بطل، لا تكن حجراً لا ينبض. فتشني إن أردت، لن تجد معي سوى ذكائي ولساني، وكلاهما أخطر من جيش 'آرثر' بأكمله لو كنت تعلم. أفسح لي الطريق، فلي عملٌ هام في الداخل لا يحتمل التأخير، والانتظار في هذا الهباء يفسد بشرتي.. وأنا متأكدة أن الملك لا يريد أن تُحرم رعيته من رؤية وجهي المشرق بسبب تعنتك! في موازاة هذا الصخب.. وفي قلب مملكة أركونيا الجريحة بعيداً عن جلبة الحدود وصياح الحرس، وفي عمق سوق السلال في أركونيا، كان الصمت يغلف كوخ سيمونيل المتهالك الذي تفوح منه رائحة القش الرطب والذكريات التي غطاها الغبار. كان العجوز يجلس تحت ضوء شمسٍ شاحبة تتسلل من الشقوق كأنها خيوط أمل واهية. كان محاطاً بتلال من القش وغصون الصفصاف، وصوت تنفسه الثقيل المتهدج يملأ أركان المكان المتواضع. كانت يداه، اللتان كانتا يوماً ما أقوى من حديد بوابات اركونيا وأكثر دقة من ريشة رسام، ترتجفان بانتفاضةٍ لا تهدأ، وهي تحاول تمرير غصنٍ يابس عبر ثقوب سلةٍ عاندته طويلاً ولم تكتمل. تنهد سيمونيل سكتة طويلة ثم تنهيده يملؤها الوجع، وسقطت الخوصة من أصابعه الواهنة، فاستقرت في التراب كأنها تعلن استسلامها النهائي للقدر. نظر إلى كفيه اللتين غطتهما التجاعيد كخريطةٍ لآلامٍ قديمة ومساراتٍ ضائعة، وهمس بصوتٍ مشروخ يشبه حفيف الأشجار الذابلة: — ما بالكِ يا يدي؟ هل نسيتِ كيف تروضين الأغصان وتجعلين القش ينطق فناً؟ لقد حكنا معاً سلالاً حملت أثقال الممالك، وصمدنا أمام الرياح العاتية في مواسم القحط، واليوم تخونينني أمام قطعة قشٍ لا حول لها ولا قوة؟ هل استسلمتِ للزمن قبل أن يستسلم قلبي؟ حاول الإمساك بالغصن مجدداً بجهدٍ جهيد، لكن الرعشة كانت أقوى من إرادته، فابتسم بمرارةٍ تفيض سخرية من عجزه وتابع مخاطباً نفسه بصوتٍ منخفض: — ربما أنتِ محقة أيتها الأصابع المتعبة.. فالزمن لا يترك مكاناً للضعفاء أو لمن ارتجفت أناملهم. لكن اسمعي جيداً، الحرفة ليست في العضلات ولا في قوة القبضة، بل في تلك الروح التي تأبى أن تنكسر حتى وإن تداعى الجسد. سأنهي هذه السلة حتى لو اضطررتُ لحياكتها بدموع عيني وبقايا صبري. ففي أركونيا، لا نموت إلا ونحن نمسك بأدواتنا، كما لا تسقط الأشجار العتيقة إلا وهي واقفة تعانق السماء. رفع عينيه الغائرتين اللتين غلفهما الضباب نحو باب الكوخ المطل على السوق، وكأنه ينتظر معجزةً تعيد له ابنته المفقودة أو خبراً يرمم شتات روحه، ثم عاد يصارع الغصن اليابس بإصرارٍ أسطوري يتحدى به شيخوخته، محاولاً حياكة ما تبقى من عمره في جسد سلةٍ خشبية، بينما كان يهمس بكلماتٍ لم يفهمها سوى السكون المحيط به. أختامُ الزيف.. وصيدُ سيدريك الثمين: بينما كانت "تيا" تمارس طقوسها في إهانة كرامة الحرس عند بوابة ديودار، كان سيدريك قد تحول إلى طيفٍ أسود ينساب عبر ممرات قصر فالاريا المذهبة. لم يكن سيدريك رجلاً يؤمن بالصدف، بل كان يؤمن بأن الحقيقة مثل الأفعى، تختبئ دائماً في أكثر الأماكن دفئاً وهدوءاً. وبخطواتٍ أخف من حفيف الحرير، تسلل إلى الجناح الغربي حيث يقبع مكتب المستشار أوزريك، العقل المدبر وراء كل "ابتسامة ديبلوماسية" يوزعها الملك جيمار. توقف سيدريك أمام الباب الضخم، واستل مبردًا صغيرًا من غمدٍ خفي في ساعده. لم يستغرق القفل أكثر من ثوانٍ قبل أن ينصاع لخبرته، ليدلف إلى الغرفة التي كانت تفوح منها رائحة الشمع المحروق والورق العتيق. — مرحباً بك في جحر الثعلب يا سيدريك، حاول ألا تلوث بساطهم الفاخر بدمائهم.. على الأقل ليس الآن،" تمتم لنفسه بسخرية لاذعة وهو يغلق الباب خلفه بصمتٍ مطبق. توجه مباشرةً إلى الخزانة السرية المخبأة خلف لوحة زيتية ضخمة لـ "مؤسس فالاريا". وبعد دقائق من البحث الدقيق بين الرسائل التجارية المملة، وقعت يداه على لفافةٍ كانت رائحة عطرها غريبة.. مألوفة ومنفرة في آنٍ واحد. فتحها ببطء، وما إن قرأ الأسطر الأولى حتى ارتفع حاجباه بذهولٍ لم يعتد عليه. كانت الرسالة مسودةً كتبها أوزريك، لكنها كانت موجهة إلى "مجهول" في أركونيا، وجاء فيها: —آرثر الآن تحت أعيننا في فالاريا، يشرب خمرنا ويطارد سراب ابنته. الساحة في أركونيا أصبحت فارغة لكِ يا ماري، فتصرفي بحكمة قبل أن يدرك الأسد أنه يطارد شبحاً." اتسعت عينا سيدريك، وخرجت منه ضحكة خافتة تقطر سماً: — ماري؟ الوصيفة التي تمسح دموعها بأردية الملك؟ يا للهول! من كان يظن أن تلك العجوز التي لا تقوى على حمل صينية الشاي، تحيك أكفان الملوك بخيوطٍ من غدر؟" كنت اشعر بذلك ولكن كذبتُ يقيني قلب سيدريك الأوراق بلهفة أكبر، ليجد رداً قصيراً يحمل ختم ماري الشخصي، مخبأً تحت المسودة: — لقد هربت للمرة الثانية من يد تيا.. لا أعلم أين هي الآن، انني قلقة عليها لكنني سأبقى أضلل الملك حتى تقرروا أنتم متى تنتهي هذه اللعبة. آرثر يجب ألا يعود إلا والتاج قد فُقد بريقه. قبض سيدريك على الرسالة بقوة كادت تمزقها، وهمس والغضب يشتعل في عينيه: — إذن كيمارا لم تكن الطعم، بل كانت 'الحجة' لإبعاد الملك! والآن هي ضائعة، وهذه الأفعى العجوز تتاجر بنا مع مستشار فالاريا. يا لك من غبية يا ماري، لقد نسجتِ مشنقتكِ بيدكِ. وفجأة، تشنجت أذناه؛ سمع وقع أقدامٍ ثقيلة، وصوت خشخشة مفاتيح تقترب من الباب، تلاه صوت المستشار أوزريك وهو يتحدث بلهجة متعبة لخادمه في الرواق: — اذهب وأحضر لي نبيذاً مرّاً، فالتعامل مع آرثر وسيدريك يرهق الأعصاب..رحل خادمه حتي تابع هو: — يجب أن أتأكد من إخفاء المراسلات الأخيرة قبل أن يشم ذلك الكلب سيدريك رائحتها. ابتسم سيدريك ابتسامة مرعبة، وأعاد اللوحة إلى مكانها بسرعة البرق، لكنه لم يهرب. بل سحب خنجره الطويل، واختبأ خلف ستارة المخمل الثقيلة، محولاً نفسه إلى جزء من ظلال الغرفة. — كلب؟ همس سيدريك لنفسه وهو يمرر إصبعه على حد الخنجر، ستعرف الآن يا أوزريك أن الكلب عندما يشم رائحة الخيانة، لا ينبح.. بل ينهش الأجساد. انفتح الباب، ودخل المستشار أوزريك وهو يهمهم بكلماتٍ غير مفهومة، وما إن خطا خطواته الأولى نحو مكتبه وأشعل شمعة صغيرة، حتى شعر ببرودة نصلٍ حاد يستقر بدقة متناهية تحت ذقنه، وصوتٍ يهمس في أذنه كأنه آتٍ من الجحيم: — مساء الخير اوزريك.. كنتُ أبحث عن مفتاح الحقيقة، فإذا بي أجد خيانةً تستحق أن تُروى بالدم. هل نتحاور بـ 'ديبلوماسية'.. أم أترك خنجري يكمل القراءة عنك؟ شحب وجه أوزريك حتى صار بلون الورق الذي يحميه، وسقطت الشمعة من يده ليرتجف صوته: — سيدريك؟ كيف.. كيف دخلت إلي هنا؟ رد سيدريك ببرودٍ قاتل وهو يضغط بالنصل قليلاً: — دخلتُ من الباب الذي تركته موارباً. والآن، أخبرني عن ماري، وعن مكان كيمارا الحقيقي، وإلا أقسم لك.. سأجعل رسالتك القادمة مكتوبة بدم قلبك على هذا الرخام الفاخر. دموعُ الأوركيد.. وشررُ الغيرةِ الملكية: بعد مرور يومين على ليلة الغدر التي كادت أن تزهق كرامتها وعفتها، كانت كيمارا لا تزال أسيرة غرفتها الصغيرة. يومان والصمت ينسج حولها جدرانًا من الخوف؛ فرغم اختفاء "الوحش" روجيل عن ناظريها، إلا أن ملمس يده الخشنة على معصمها وجسدها كان يزورها في كل غفوة، ليجعلها تستيقظ لاهثةً تبحث عن ذاك "المنقذ الملثم" الذي ظهر واختفى كالحلم. انفتح الباب بهدوءٍ وقور، ودلف الملك ميدار. كان وجهه يحمل تجاعيدًا أعمق مما كانت عليه قبل يومين، وكأن خزي ابنه الأكبر قد أضاف لسنوات عمره قرنًا من الهم. وقف أمامها، ونظر إلى شحوب وجهها الذي يشبه بتلات الأوركيد التي ذبلت قبل أوانها، ثم تنهد تنهيدةً خرجت من قلبٍ مكلوم. قال ميدار بنبرةٍ دافئة يغلفها الأسف العميق: — كارولين.. أعلم أن اعتذاري جاء متأخرًا يومين، لكن خجلي من فعلة ابني كان أثقل من تاجي. جئتُ لأقول لكِ إن ما حدث من روجيل هو طيشٌ أحمق، وفعلةٌ دنيئة لا تمثل ديودار ولا تمثلني. لقد أردتِ الأمان في قصري، فقدم لكِ ابني الغدر. اقترب خطوة واحدة، وعيناه تفيضان بالأبوة الصادقة: — لا تخافي يا ابنتي، فقد وضعتُ حرسًا خاصًا على جناحكِ لا يأتمرون ولا يفعلون شيئا إلا بأمري، ورونال الآن هنا.. لن يجرؤ روجيل على تكرار حماقته وهو يعلم أن شقيقه يتربص به. اغفري لملكٍ خانته بصيرته في تربية ابنه، واعلمي أنكِ هنا ابنةٌ لي، لا مجرد خادمة احتمت بأسواري. أحنت كيمارا رأسها ببطء، ولمعت في عينيها عبرة صامتة؛ لم تكن تملك لسانًا لتشكره، لكن نظراتها كانت تقول إنها قبلت الاعتذار، وإن كانت لم تنسَ الرعب بعد. استدار الملك ميدار ليغادر، محاولاً استعادة توازنه النفسي، وبمجرد أن فتح الباب وخطا خطوةً واحدة للخارج، تجمد في مكانه كأن نصلًا باردًا استقر في ظهره. كانت الملكة جولينا تقف هناك، متكئة على عمودٍ رخامي، تعقد ذراعيها فوق صدرها وعيناها تحترقان بنارٍ لا يطفئها مرور الأيام. لم تكن نظراتها عتابًا، بل كانت نيرانًا من الغيرة والحقد تلتهم كل وقارٍ ملكي. كانت تراقب خروج زوجها من غرفة "تلك الخرساء" في هذا الوقت المتأخر، والابتسامة الساخرة على وجهها تقطر سمًا زعافًا. قالت جولينا بصوتٍ حاد وهامس مزق سكون الرواق: — يا لرقة قلبك يا جلالة الملك! يومان وأنت لا تفتأ تزور 'العصفور المكسور' لتطمئن على ريشه؟ لم أركَ تعتذر لي بهذا الخشوع حين أخطأتَ بحقي قبل سنوات، فلماذا تذرف هيبتك الآن تحت أقدام فتاةٍ ريفية مجهولة النسب؟ ضيق ميدار عينيه، وصك على أسنان بحدة: — جولينا.. الزمي حدودكِ. أنا أصلح ما أفسده ابنكِ روجيل بجهله ودناءته. كفي عن نسج الأوهام في عقلكِ. خطت جولينا نحوه ببطء، ولفحته أنفاسها المسمومة وهي تهمس بحدة: — أنا لا أنسج الأوهام، بل أرى الحقيقة التي يعميها عنك جمالها الزائف. روجيل أخطأ لأنه رجل، أما أنت.. فأنت تعتذر لأنك 'مفتون'. احذر يا ميدار، فالغيرة إذا سكنت قلب ملكة، أحالت القصر إلى رماد، وهذه الفتاة التي تظنها ملاذًا لندمك، ستكون هي القشة التي تقصم ظهر استقرارك. عيناي لا تنامان، وما تفعله الآن ليس إصلاحًا.. بل هو صبُّ الزيت على نارٍ ستحرقنا جميعًا. انصرفت جولينا وهي تجر ذيل فستانها بصوتٍ يشبه فحيح الأفعى في العشب، تاركةً الملك ميدار في صراعٍ جديد؛ فبينما كان يخشى طيش ابنه، أصبح الآن يرتعد من جحيم غيرة زوجته التي لا ترحم. نداءٌ في ساحةِ الملك: لم تكن تيا تحتاج إلى بساطٍ أحمر لتدخل قصر الملك ميدار؛ فقد شقّت طريقها عبر الساحات وكأنها إعصارٌ صغير يرفض الانحناء. بعد أن تركت الحرس عند الحدود يضربون أخماساً بأسداس من وقع لسانها، وصلت إلى قلب "ديودار". كانت ثيابها الملطخة بغبار السفر وتمرّدها الفطري يتناقضان تماماً مع رخام القصر المصقول، لكنها كانت تسير بخطىً ثابتة، وعيناها تمسحان المكان بحثاً عن "الطريدة" التي أضاعت أثرها. توقفت أمام الحرس الملكي عند البوابة الكبرى، ورفعت رأسها بشموخٍ مستفز وقالت بصوتٍ جهوري سمعه الغادي والرائح: — أخبروا الملك ميدار أن 'تيا' قد وصلت، وأنها لا تملك وقتاً لتضيعه في انتظار البروتوكولات المملة. أخبروه أن لديّ أخباراً لا تُقال للخدم، وأسئلةً لا يجيب عليها سوى من يضع التاج فوق رأسه! ارتبك الحراس من جرأتها؛ فلم يسبق لغريبة أن طلبت مقابلة الملك بهذه النبرة الآمرة. وبعد أخذٍ ورد، وتحت ضغط لسانها الذي بدأ "ينحت" في كرامة قائد الحرس، سُمح لها بالدخول. خطت تيا البوابه ومنها إلى داخل القاعة العظيمة، حيث كان الملك ميدار يجلس على عرشه، وعلامات الإرهاق لا تزال ترتسم على وجهه بعد مواجهته الأخيرة مع جولينا. وقف رونال في زاوية القاعة، يراقب الفتاة القادمة بفضولٍ ومكر، متسائلاً عن نوع "المصيبة" التي تحملها هذه المشاكسة. وقفت تيا وسط القاعة، ولم تنحنِ بالقدر الذي يفرضه القانون، بل اكتفت بإيماءةٍ بسيطة وقالت بسخرية لا تخلو من الذكاء: — جلالة الملك ميدار.. أعتذر لأنني دخلت قصرك دون دعوةٍ مذهبة، لكن الطيور في أركونيا أخبرتني أن ديودار أصبحت مأوىً للطيور المهاجرة التي لا تغرد. جئتُ أبحث عن أمانةٍ ضاعت مني، فتاةٌ ريفيه رقيقة، صامتة، هربت من جحيم 'آرثر' لتسقط في.. ربما في جنة ديودار؟ ضيق ميدار عينيه وسألها بصوتٍ رزين: — ومَن تكونين أنتِ حتى تطلبي مقابلة الملك لتسألي عن ضيوفه؟ وما علاقتكِ بفتاةٍ لا نملك عنها سوى اسمها؟ ضحكت تيا ضحكةً قصيرة، وتقدمت خطوة واحدة رغم سيوف الحرس التي تحركت غريزياً: — أنا 'تيا'.. الريح التي لا تهدأ، والظل الذي يلاحق الحقيقة. تلك الفتاة التي تسميها ضيفتك، كانت عهداً في رقبتي، وقد هربت من تحت عيني بذكاءٍ لم أتوقعه. جئتُ لأتأكد بنفسي: هل هي ضيفة مكرّمة حقاً؟ أم أنها انتقلت من قفص 'آرثر' الذهبي إلى قفصٍ آخر مزينٍ بوعود ديودار؟ تدخل رونال من خلف الظلال، وقال بنبرةٍ ساخرة وهو يقترب منها: — يا إلهي! يبدو أن ديودار اليوم مغناطيسٌ لكل ما هو غريب. لسانٌ سليط، ثقةٌ عمياء، وطلبٌ لمقابلة الملك كأنكِ تطلبين قدحاً من الماء. هل تعلمين يا 'تيا' أن الرؤوس في هذا القصر قد تطير لأسبابٍ أقل بكثير من هذه الوقاحة الجذابة؟ استدارت تيا نحو رونال، ورمقته بنظرةٍ تفحصت ثيابه وسيفه، ثم قالت ببرود: — الرؤوس التي تطير هي الرؤوس الفارغة يا حضرة الأمير.. أما رأسي فممتلئ بما يجعلك أنت وملكك تصغون إليّ حتى الفجر. صمتت القاعة، ونظر الملك ميدار إلى رونال بذهول، أدرك الجميع في تلك اللحظة أن "تيا" ليست مجرد عابرة سبيل، بل هي بداية لعاصفةٍ ستقتلع جذور الأسرار في ديودار. حياكةُ الغياب وزيارةُ "ثعلبِ الزخارف" الطيب: في زاويةٍ منسية من سوق السلال في أركونيا، حيث الرطوبة تأكل الجدران والهدوء يغلف المكان كأنه عزاءٌ طويل، كان سيمونيل يصارع قدره بين خيوط القش. كان الكوخ يضيق بظلال الأغصان المتشابكة، ورائحة الشجر المبلل تملأ المكان، بينما كانت يد العجوز ترتجف بعنفٍ وهي تحاول إغلاق غرزة في سلةٍ أرهقته. انشق ستائر الضوء الشاحب عن قامة شيذران، بائع الزخارف والتحف الذي رغم ثيابه الملونة ومهنته التي تضج بالحياة، كان يملك قلباً أبيض كاللؤلؤ الذي يبيعه. دخل شيذران بابتسامةٍ هادئة تحمل مودةً قديمة، وتوقف فجأة حين رأى سيمونيل وحيداً يصارع القش والصمت، فنظر حوله في أركان الكوخ الخالية ثم عقد حاجبيه بقلق. وضع شيذران يده على كتف العجوز، وسأله بنبرة يملؤها الود الممزوج بالحيرة: — يا سيمونيل.. ألم أقل لك إن هذا الخشب يحتاج لراحةٍ كما يحتاج جسدك؟ اليد التي علمتنا كيف نجعل القش ينطق فناً، تستحق أن ترتاح قليلاً. أراك ترهق نفسك في صنع سلالٍ لن يشتريها سوى من يقدّر تعبك، وهم قليلٌ في هذا الزمن. لكن أخبرني بحق الصداقة.. مرّ أسبوعان كاملان ولم أرَ أثراً لتلك العاصفة التي تُسمى تيا، ولا طيف تلك النسمة الهادئة كارولين. الكوخ صامتٌ لدرجةٍ مريبة، والسوق افتقد ضجيج تيا الذي كان يوقظ الموتى من سباتهم. أين ذهبتا؟ ولماذا غابتا كل هذه المدة دون أن تتركا خلفهما خيطاً واحداً؟ توقف سيمونيل عن العمل، رفع عينيه اللتين غلفهما ضباب التعب، وقال بصوتٍ مشروخ ممزوج بابتسامة خفيفة يحاول بها إخفاء وجعه: — أهلاً يا شيذران.. اليد التي تتوقف عن العمل تبدأ في حفر قبرها يا صديقي. والارتجاف الذي تراه ليس تعباً فقط، بل هو اشتياقٌ لمن كانوا يملأون هذا المكان ضجيجاً. لقد رحلتا يا شيذران.. الأرض ضاقت بهما، والسماء هنا لم تعد تتسع لأحلامهما. تيا أخذت كارولين وذهبت لتبحث عن مكانٍ لا تُسأل فيه الخرساء عن صمتها، ولا تُحاسب فيه المشاكسة على جرأتها. أسبوعان مرّا كأنهما قرنان، والكوخ أصبح كئيباً كما تراه، لا يسكنه سوى صدى ضحكاتهما القديمة. ضيق شيذران عينيه، وانحنى قليلاً ليهمس بصدق: — رحلتا؟ وإلى أين يا سيمونيل؟ أركونيا تغلي هذه الأيام، والحدود مراقبة كأنها جفون عين الملك آرثر. كيف غادرتا؟ وهل تعتقد حقاً أنهما في أمان؟ بالي مشغولٌ عليهما، فالعالم في الخارج غابةٌ لا ترحم الوجوه البريئة ولا الألسنة السليطة مثل لسان تيا. تنهد سيمونيل، وارتجفت يده بشكلٍ ملحوظ وهو يمسح على لحيته البيضاء، ورد بصدق: — تيا عبرت الحدود يا شيذران.. في بلادٍ لا تعرف عنها شيئاً. لا أعرف مكانهما بدقة، وتيا تعمدت إخفاء الأثر حتى لا يُؤخذ بجريرتهما أحد، لكنني أظنهما عبرتا نحو 'ديودار'. قلبي يرتجف مع كل سلة أحيكها؛ أخاف أن تنكسر غصون حياتهما كما تنكسر هذه الأغصان بين يدي. تيا قوية بلسانها، لكن كارولين.. كارولين صامتة كالأرض، ولا أحد يسمع وجع الأرض حين تُداس. مسح شيذران على كف سيمونيل المرتعشة وقال بلهجةٍ مشجعة ليرفع من معنوياته: — تيا ذكية، ولسانها سيفٌ يسبق أي نصل، وسترى.. ستعودان يوماً ما لتملأا هذا الكوخ صخباً. أما كارولين، فالله يحمي من لا لسان له. لا تقلق يا صديقي، سأبقى أمرّ عليك وأتفقد أحوالك يومياً، وسأضع عيني على السوق؛ أي همسٍ أسمعه عن 'غريبات' قادمات من ديودار سأنقله لك فوراً. نحن في أركونيا لا نملك سوى بعضنا البعض، وزخارف قلوبنا أبقى من ذهب الملوك. ابتسم سيمونيل وشعر ببعض الدفء يتسلل لقلبه، وقال بامتنان: — شكراً لك يا شيذران.. زخارفك قد تُزين الجدران، لكن كلماتك هي التي تُزين الأرواح وتجمل هذا المكان الآن. اذهب الآن لعملك، ودعني أحاول إكمال هذه السلة.. لعلها تكون مأوىً لخبرٍ طيب يأتيني مع ريح الصباح. خرج شيذران وهو يلقي نظرة أخيرة حزينة على صديقه العجوز، بينما عاد سيمونيل لمصارعة أغصانه، يشدها بيدٍ مرتعشة وقلبٍ يدعو أن تكون تيا وكارولين في أمان، متسائلاً في سره: —هل وصلت تيا حقاً؟ وهل لا تزال كارولين تذكر رائحة هذا القش؟