الفصل الرابع عشر
عودةُ الصقر.. وصدمةُ العرش:
ساد الهدوء في قاعة العرش بمملكة "ديودار"، ولم يكسره سوى وقع خطواتٍ واثقة وثقيلة لم يعتد الملك ميدار سماعها منذ سنوات. كان الملك ميدار جالساً يراجع بعض المراسلات بذهنٍ شارد، حين انفتح الباب العظيم ودخل شابٌ طويل القامة، يرتدي ثياباً غطاها غبار السفر وموسومة بشعار "فرسان الحدود"، وعيناه تحملان حزماً يشي بأنه رأى من الحروب ما لم يره أحد في هذا القصر الهادئ.
نزع الشاب لثامه ببطء، وكشف عن وجهٍ ملكي وسيم لكنه صارم، تملؤه ملامح الجدية. وقف الملك ميدار بذهول، واتسعت عيناه وهو يهتف باسمٍ غاب طويلاً عن ردهات القصر:
— رونال؟ ابني الأصغر؟ متى عدت؟ وكيف دخلت القصر دون أن يبلغني الحرس بقدومك؟
تقدم رونال وانحنى لوالده باحترامٍ ممزوج بحدة، ثم قال بصوتٍ رزين وعميق:
— عدتُ ليلة أمس يا والدي، ودخلتُ عبر الشرفات لأنني أردتُ أن أرى حال 'ديودار' بعيني لا بعيون حراسك الذين يبدو أنهم يغطون في سباتٍ عميق بينما تُنتهك حرمة قصرك. يبدو أن غيابي الطويل جعل الجميع ينسى أن الجدران لها آذان، وأن الشرفات لها عيون.
ضيق ميدار عينيه وسأل بنبرة قلقة:
— ماذا تقصد؟ وما الذي جعلك تقتحم القاعة بهذا الغضب في عينيك وأنت لم تغير ثياب سفرك بعد؟ هل حدث شيء على الحدود؟
أخذ رونال نفساً عميقاً وسأل والده بلهجة حادة ومباشرة تفتقر للمقدمات:
— أخبرني أولاً يا أبي.. مَن تكون تلك الفتاة التي تسكن قصرنا؟ رأيتُ شقيقي روجيل ليلة أمس في جناحه، ممسكاً بفتاةٍ ريفية بسيطة، وكان على وشك ارتكاب حماقةٍ تسلبها عفتها رغماً عنها. تسللتُ من الشرفة بعد أن ارتبتُ من تحركاته في الجناح من خلف الستائر ومن هيئة الفتاة وهي تُسحب كأنها ذبيحة، فأطحتُ به بضربةٍ واحدة أخرسته قبل أن يتمكن من مساسها.
أكمل رونال وهو يرمق والده بنظرة فاحصة، وكأنه يطلب تفسيراً لوجود غريبة في عرين شقيقه:
— لا أعرف من هي، ولا أعرف لماذا هي هنا، ولا أعرف عنها شيئاً على الإطلاق. هل هي جارية جديدة؟ أم أنها ابنة أحد النبلاء الذين قرر روجيل استضافتهم بطريقته الخاصة؟ كل ما رأيته هو أميرٌ يستخدم قوته لافتراس فتاة ريفية لا تملك حولاً ولا قوة. فهل أصبح قصرنا ملهىً لنزوات روجيل؟ ومن هي هذه التي جعلت ولي عهدك يتصرف كقطاع الطرق في أنصاف الليالي؟
ضرب ميدار بقبضته على مسند العرش، وغطى وجهه بيده خجلاً من فعلة ابنه الأكبر، ثم قال بصوت متهدج:
— تلك الفتاة تُدعى 'كارولين'.. هربت من بطش آرثر ورجاله في أركونيا وجلبها روجيل إلى هنا، وقد وضعتها تحت حمايتي الشخصية لأمنع طيشه. لقد ظننتُ أن وجودها بجانب جناحي سيجعلها في مأمن، لكن يبدو أنني كنت واهماً يا رونال، وأن حمايتي لم تمنع ذئباً ربيته في قصري من محاولة نهشها.
رد رونال ببرودٍ قاتل وابتسامة ساخرة لا تخلو من مكر:
— إذن هي في محميتك؟ هذا يجعل فعلة روجيل خيانةً لعهدك قبل أن تكون جريمة في حق الفتاة. لو كان يعلم بوجودي خلف تلك الستائر لربما فكر مرتين قبل أن يخلع وقار الأمراء عن وجهه. لقد أرسلتُها إلى غرفتها وهي ترتجف كعصفورٍ بلله المطر، وتركتُ شقيقي مغشياً عليه ليحلم ببطولاته الزائفة التي لم تكتمل. جئتُ إليك الآن لأستفهم منك عن وجودها، ولأخبرك أنني سأبقى هنا.. فالواضح أن ديودار تحتاج لرجالٍ يملكون سيفاً وضميراً، لا تيجانًا ووعوداً فارغة.
تنهد ميدار بعمق وسأله:
— وهل رأتك الفتاة؟ هل عرفت من أنت؟
هز رونال رأسه نفياً:
— لأ.. كنت ملثماً، وظلت هي صامتة تماماً، لم تنطق بحرف واحد حتى وهي في أشد لحظات ذعرها. ظننتها من هول الصدمة قد فقدت النطق، أو ربما هي من النوع الذي يفضل الموت صمتاً. لكن لا يهمني صمتها بقدر ما يهمني أن أعرف لماذا يخاطر روجيل بسمعة المملكة من أجل خادمة؟
ثم أضاف رونال وهو يهمّ بالخروج، ولمعت عيناه بخفة ظلٍ لاذعة:
— سأذهب لأستحم وأزيل غبار الطريق، فجثث الأعداء على الحدود أنظف بكثير من هواء جناح أخي لليله أمس. لكنني متشوق جداً لرؤية وجه روجيل عند الإفطار.. أريد أن أعرف كيف سيفسر لك 'الأمير المداوي' تلك الكدمة الزرقاء التي تركتُها على عنقه دون أن يفضح دناءته! هل سيقول إنه سقط عن جواده في الحلم مثلاً؟
سمُّ المَلِكات.. وزئيرُ العائد:
داخل الغرفة الصغيرة الملحقة بجناح الملك، كانت كيمارا تجلس على طرف سريرها، تضم ذراعيها إلى صدرها والارتجاف لم يغادر جسدها بعد. لم تكن تفكر في روجيل، بل في ذاك "الظل" الملثم الذي أنقذها؛ مَن يكون؟ وكيف عرف بمكانها؟ قطع حبل أفكارها صوت فتح الباب بعنف، لتدخل الملكة جولينا بخطوات طنانة وثياب يجر خلفها الكبرياء والغرور.
وقفت جولينا أمام كيمارا، ورمقتها بنظرة اشمئزاز وكأنها ترى حشرة لوثت رخام قصرها، ثم قالت بصوت حاد يقطر سماً:
— إلى متى ستظلين هنا يا فتاة الفتنة؟ بسبكِ، يقضي الملك ليله شارد الذهن، وبسببكِ أصبح روجيل يتصرف بغرابة منذ وصولك. ظننتِ أن صمتكِ وجمالكِ الريفي سيجعلانكِ ملكة على هذا العرش؟ أنتِ مجرد عابرة سبيل، ووجودكِ هنا بدأ يفسد هواء 'ديودار' ويثير الفتن بين رجال القصر.
فتحت جولينا صرة صغيرة من القماش، ألقت بها فوق حجر كيمارا، ليتناثر منها ذهبٌ كثير، وتابعت بلهجة آمرة:
— خذي هذا الذهب، وارحلي قبل بزوغ الفجر. سأرتب لكِ خروجاً آمناً عبر بوابات الخدم، اذهبي إلى أي مكان، لكن إذا بقيتِ هنا يوماً آخر، فأقسم أنني سأجعل صمتكِ أبدياً، ولن يجد الملك حتى أثراً لثيابكِ. لا أريدكِ في طريقي ولا في طريق ابني روجيل.
كانت كيمارا تنظر إلى الذهب بذهول، ثم رفعت عينيها إلى جولينا بنظرة تحدٍ صامتة، فاستشاطت الملكة غضباً ورفعت يدها لتصفعها وهي تصرخ:
— أيتها الخادمة الجاحدة! أتجرئين على..
— يدُ الملكة خُلقت لتمسك الصولجان يا أماه، لا لتلطم وجوه الضعفاء في العتمة.
تجمدت يد جولينا في الهواء، ووقع صوت خلفها كالصاعقة، صوت تعرفه عن ظهر قلب، رنينه يحمل خشونة الصحراء وعزة الملوك. التفتت ببطء، لتجد رونال واقفاً عند عتبة الباب، متكئاً بكتفه على الإطار، واضعاً يده على مقبض سيفه ببرود يثير الرعب.
شحب وجه جولينا، وهتفت بنبرة مهتزة:
— رونال؟.. متى عدت؟ وكيف وصلت إلى هنا دون علمي؟
تقدم رونال بخطوات هادئة، وعيناه الصقريتان لا تغادران وجه أمه، ثم نظر إلى كيمارا التي كانت تنظر إليه بذهول (وهي لا تدري بعد أنه هو المنقذ الملثم). ابتسم رونال ابتسامة ساخرة وقال:
— يبدو أنني عدتُ في موسم 'التخفيضات الملكية'. ذهبٌ، وتهديدات، ومؤامرات في غرف الخادمات؟ هل هذا ما تعلمتِيه في غيابي يا أمي؟ أم أنكِ تحاولين طرد الفتاة لأنها أجمل من تماثيل قصرك؟
التقط رونال قطعة ذهبية من حجر كيمارا، وقلبها بين أصابعه بعبث، ثم تابع بحدة:
— هذه الفتاة تحت حماية الملك، ومن اليوم.. هي تحت حماية سيفي أيضاً. خذي ذهبكِ يا جولينا، فكرامة 'ديودار' لا تُباع بقطع صفراء. يبدو أنكِ لا تعرفين ما يفعله ابنكِ 'البار' روجيل في الخفاء، لذا سأعتبر محاولتكِ هذه مجرد 'سوء تفاهم' ناتج عن الغيرة الملكية.
نظرت جولينا إليه بغيظ مكتوم، وشعرت بخطر عودة رونال التي ستقلب موازين القوى، ثم خرجت من الغرفة وهي تجر أذيال الهزيمة، بينما بقي رونال واقفاً، ينظر إلى كيمارا بتفحص لأول مرة في ضوء المصباح الخافت، وسألها بهدوء:
— والآن.. أخبريني يا 'كارولين' كما يسمونكِ، مَن أنتِ حقاً؟ وما الذي تفعلينهِ في هذا القصر حتى يطاردكِ روجيل في الليل، وتحاول أمي شراء رحيلكِ بالذهب في الصباح؟
خمرُ "فالاريا" المرّ.. وعينُ الصقر:
في الجناح الملكي الفاخر بقلب قصر فالاريا، كان الملك آرثر يقف أمام النافذة الضخمة، يراقب أضواء المدينة التي لا تنام. لم تكن الرفاهية المحيطة به قادرة على انتزاع القلق من عينيه؛ فقد بدت الجدران المذهبة حوله وكأنها قضبان سجنٍ أنيق. التفت إلى سيدريك، الذي كان يقف خلفه بصلابة، يمسح نصل خنجره بقطعة قماشٍ حريرية، وعيناه لا تهدآن.
قال آرثر بنبرة منخفضة يملؤها الشك:
— جيمار يفرش لي الأرض بالورود يا سيدريك، لكنني أشم رائحة الشوك خلف كل كلمة. يبتسم في وجهي ويملأ كأسي، ثم يسأل عن 'كيمارا' وكأنه يتحدث عن طقس البلاد. هل تعتقد حقاً أن الرسالة كانت مجرد طُعم؟
توقف سيدريك عن مسح خنجره، وتقدم خطوة نحو الملك، وقال بصوتٍ يهمس بالخطر:
— مولاي، الملك جيمار لا يبتسم حباً فيك، بل يبتسم لأنه يملك ورقة رابحة يخبئها تحت الطاولة. لقد تجولتُ في ممرات الحرس بالأمس، وهناك همساتٌ غريبة.. حراسة مشددة على الجناح الشرقي، ورسلٌ يخرجون في جوف الليل نحو حدود ديودار. جيمار يلعب على وتر وجعك، وهو يعلم أن الأب المكلوم يسهل جره إلى حتفه.
قبض آرثر يده بقوة على حافة الطاولة، وسأل بحدة:
— إذن هي ليست هنا؟ هل تقصد أنني أضعتُ وقتي في ضيافة هذا الثعلب بينما ابنتي قد تكون في مكان آخر؟ هل تراني أصبحتُ ألعوبة في يد من كنت أحميهم يوماً بجيوشي؟
رد سيدريك ببرودٍ ذكي:
— هي ليست هنا يا مولاي، أو على الأقل ليس بالطريقة التي نظنها. الرسالة التي وصلت إليك كُتبت بمدادٍ من سمّ لغرضٍ واحد: إبعادك عن عرش أركونيا وحماية الخادمه ماري واتباعها من الموت، جيمار يريدك تحت عينه، بينما يدور أمرٌ عظيم في مكان أخر'. أرأيت كيف ارتبك عندما ذكرتُ اسم المستشار أوزريك؟ لقد اهتزت يده وهو يرفع كأسه، والثعالب لا تهتز إلا إذا أحست بوقع أقدام الصياد.
ضحك آرثر ضحكة مريرة، وسكب لنفسه كأساً من النبيذ الفالاري:
— إذن، نحن في عرين الأسد، والأسد يظن أننا فرائس سهلة. أخبرني يا سيدريك، إذا كانت كيمارا ليست هنا كما تشير الظنون، فماذا نفعل مع مضيفنا 'الكريم'؟ هل نخرج من هنا بقوة السلاح؟
وضع سيدريك خنجره في غِمده ببطء وقال بابتسامةٍ باردة: — لأ، بل نستمر في شرب الخمر والضحك لنكاته السخيفة يا مولاي. سنمثل دور الملك الضعيف الذي يصدق كل شيء، بينما سأقوم أنا بـ 'زيارة' سرية لمكتب المستشار أوزريك الليلة. إذا كان جيمار يملك سراً، فالمستشار يملك مفتاحه.. والذهب، أو الخوف، كفيلان بجعل المفاتيح تتكلم.
اقترب آرثر من سيدريك وهمس والغضب يتطاير من عينيه:
— افعل ما تراه مناسباً.. لكن تذكر، إذا كانت ابنتي قد مُست بسوء، فلن تشرق شمس الغد على قصر فالاريا إلا وهو تحت أقدام خيولنا. لن أترك حجراً على حجر إذا اكتشفتُ أن جيمار يقايض بدمي من أجل عرشٍ زائل.
رد سيدريك وهو ينحني استعداداً للمغادرة:
— اطمئن يا مولاي، سأحضر لك الحقيقة قبل الفجر، حتى لو اضطررتُ لانتزاعها من حنجرة أوزريك نفسه. ففي فالاريا، الجميع يملك ثمناً، وأنا أملك العملة التي يخشاها الجميع.. النصل الحاد.
خيوطُ الغدر.. واعترافٌ تحت ضوء الشموع:
في زاويةٍ هادئة من محل حياكة الملابس الخاص ببياتريس، حيث تتراكم لفافات الحرير وتتشابك خيوط الصوف كأنها تعقيدات القدر، كان الصمت أثقل من مقصات الحديد. كانت بياتريس تمسك بإبرتها بيدٍ ترتجف، تحاول إصلاح حاشية ثوبٍ ملكي، لكن عينيها كانتا تزيغان نحو الباب مع كل هبة ريح.
جلست ماري قبالتها، تسند ذقنها على يدها وتراقب غرزات بياتريس المرتبكة ببرودٍ مستفز. قالت بياتريس بنبرة هامسة يمزقها الذعر:
— المدينة تغلي يا ماري.. الحرس في كل زقاق، والملك آرثر غادر إلى فالاريا كالإعصار وهو يظن أن الأرض انشقت وابتلعت ابنته الأميرة. رجال سيدريك يفتشون حتى في أحلام الناس، وأنا.. أنا أكاد أجن. أخبريني بحق السماء، كيف لفتاةٍ رقيقة أن تتخطى أسوار القصر المنيعة؟ من الذي فتح لها أبواباً يحرسها الموت؟
وضعت ماري يدها فوق يد بياتريس لتوقف ارتعاشها العنيف، ونظرت في عينيها مباشرة ببرودٍ قاطع كالسكين، وقالت بصوتٍ خفيض:
— كفّي عن تمزيق القماش يا بياتريس.. كيمارا لم تهرب بالمعجزات، ولم تحملها أجنحة الملائكة. أنا من فعلت.. أنا من وضعتُ الخريطة، وأنا من رتبتُ لها اللحظة التي خرجت فيها من البوابة الشرقيه في غفلة من الحرس.
توقفت أنفاس بياتريس، وسقطت الإبرة من يدها لتستقر في صمت الغرفة، وشحب وجهها حتى صار بلون الكفن. همست بذهولٍ يقطر رعباً:
— ماذا تقولين؟ أأنتِ؟ ماري.. هل فقدتِ عقلكِ؟ أنتِ وصيفتها الأقرب، وظلّها الذي لا يفارقها! لو علم الملك آرثر أو وحشه سيدريك أنكِ مَن نسجتِ خيوط هذا الهروب، فلن يكتفوا بشنقكِ.. بل سيمثلون بجثتكِ ويحرقون هذا المحل ومن فيه! سيدريك سيقتلع أظافركِ ظفراً ظفراً ليعرف أين ذهبت!
لم يهتز لماري جفن، بل مالت نحو بياتريس وقالت بحدة هامسة:
— فعلتُ ذلك لأنها كانت ستموت هناك يا حمقاء! الملك آرثر كان سيبيعها في سوق السياسة لأول يدٍ تدفع الثمن، وهي كانت تذبل كزهرة في قبو مظلم. لقد أعطيتها فرصة للحياة، وأعطيتنا نحن فرصة للتنفس بعيداً عن صراعات القصر. لا أحد سيتهم وصيفةً عجوز 'بسيطة' مثلي، ولا أحداً سيلتفت لخياطةٍ تقضي يومها بين الإبر والخيوط مثلكِ.. طالما أن لسانكِ ظل خلف أسنانكِ. الآن هي هربت للمرة الثانيه من تحت يد تيا ولا نعلم إلي إين ذهبت
هزت بياتريس رأسها بذعرٍ حقيقي، ودموعها تنهمر لتبلل الحرير الغالي:
— لكنكِ أرسلتِها للمجهول! لا تقولي ان كيمارا هي نفسها كارولين؟ الفتاة خرساء، الرقيقة، لا تعرف من العالم سوى جدران غرفتها.. كيف ستتدبر أمرها؟ ماذا لو وقعت في يد قطاع الطرق؟ ماذا لو وجدها رجال سيدريك وأكتشفو أن 'الوصيفة الوفية' هي من خانت العهد؟ ماري، لقد عقدتِ عقدةً حول رقابنا جميعاً.. نحن الآن نعيش في ظل المشنقة، وكل طرقة باب هي نذير بموتنا.
ابتسمت ماري ابتسامة باهتة وساخرة، وهي تلتقط المقص وتغلقه بقوة أحدثت صوتاً معدنياً حاداً:
— اهدئي.. كيمارا الآن أصبحت مجرد ذكرى، ربما هي خادمة مجهولة في مملكة بعيدة، أو ربما بدأت تتعلم كيف تعيش كالبشر العاديين. المهم أنها غابت، والسر دُفن هنا بين هذه الأقمشة. كل ما عليكِ فعله هو الاستمرار في حياكة ثيابكِ، وتدربي جيداً على ملامح الصدمة والأسى عندما يمر الحرس لسؤالكِ. تذكري يا بياتريس.. أحياناً يكون أعظم فعل شجاعة هو أن تغدري بمن تحبين لتنقذيهم من أنفسهم.
نظرت بياتريس إلى ماري، وأدركت في تلك اللحظة أن الخيوط التي تحيكها ماري في عقلها، أعقد وأخطر بآلاف المرات من كل ما خاطته هي في محلها طوال سنوات عمرها.
وشاحُ الخيبة وقناعُ "الأمير المداوي:
في قاعة الطعام الملكية، كان الصمت أثقل من مباخر القصر، والجو مشحوناً بتوترٍ يمكن قطعه بسكين. الملك ميدار كان يجلس على رأس الطاولة كتمثال من صخر، يراقب مدخل القاعة بعينين صقريتين، بينما الملكة جولينا تتظاهر بالانشغال بقطعة خبز، لكن يديها المرتعشتين كانتا تفضحان ذعرها من وجود "الصقر العائد.
أما رونال، فقد كان يجلس بكل أريحية، يقطع شريحة لحم ببطءٍ متعمد وبارد، وعيناه تلمعان بمكرٍ خبيث وهو ينتظر فريسته.
انفتح الباب أخيراً، ودخل روجيل بخطواتٍ تفتقر لثباته المعهود. كان وجهه شاحباً كالكفن، ويلف حول عنقه وشاحاً من الحرير الأزرق الثقيل، رفعه بشكلٍ مبالغ فيه ليخفي آثار "التحية القاسية" التي تلقاها ليلة أمس. توقف روجيل مكانه كمن صُعق ببرق حين رأى رونال جالساً مكانه، يهز ساقه ببرود.
قال روجيل بصوتٍ متحشرج يملؤه الذهول والارتباك:
— رونال؟ أهذا أنت حقاً؟ متى.. متى عدت من الجبهة؟ لماذا لم تبلغنا بقدومك!
رفع رونال عينيه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة تقطر سماً، ثم قال بنبرة لعوبة:
— أوه، أخي العزيز روجيل! اعتذر لأنني لم أرسل لك بريداً مستعجلاً ليلاً، لكنني خشيتُ أن أفسد عليك 'خلوتك' التأملية. عدتُ في الوقت المناسب تماماً لأرى كيف تطورت 'فنون الضيافة' في هذا القصر. تبدو متعباً جداً هذا الصباح اليس كذلك؟ هل أمضيت ليلتك في مصارعة الكوابيس.. أم أن الكوابيس هي من صرعتك؟
ازدرد روجيل ريقه بصعوبة، وشعر بنظرات والده تخترق وشاحه، فجلس على الكرسي المقابل وحاول رسم ابتسامة مهتزة قائلًا:
— لقد كانت ليلة عصيبة.. أصبتُ بدوارٍ مفاجئ وسقطتُ في غرفتي، يبدو أن الإرهاق نال مني.
ضحك رونال ضحكة قصيرة وجافة هزت أرجاء القاعة، ثم مال بجسده نحو شقيقه حتى كاد يلمس وشاحه، وقال بصوتٍ مسموع:
— سقطت؟ يا للأسف! وهل سقطت برأسك على قبضة يد أحدهم بالصدفة؟ أم أن أثاث الغرفة في غيابنا أصبح يملك ردود فعلٍ سريعة؟ أرى وشاحك أنيقاً جداً، لكنه يبدو سميكاً لجو الربيع.. هل هو خط موضة جديد لإخفاء 'كدمات الخيبة'، أم أنه مجرد ضمادة لكرامتك التي تهاوت على السجاد الليلة الماضية؟
احمرّ وجه روجيل غضباً، ونبس من بين أسنان مطبقة:
— لا تتدخل فيما لا يعنيك يا رونال، الغربة جعلت لسانك أطول من سيفك.
رد رونال وهو يغرس شوكته في قطعة زيتون ببرود مستفز:
— بل جعلت عينيّ تميزان بين الأمير الذي يحمي ضيوفه، وبين 'المداوي' الذي يتربص بالخادمات في العتمة. بالمناسبة، كيف حال تلك الفتاة.. 'كارولين' كما سمعت والدي يسميها الفتاة الريفيه الخرساء؟ أتمنى ألا يكون 'دوارك المفاجئ' قد أصابها بالذعر، فهي تبدو هشة.. عكس الضربة التي تلقاها عنقك تماماً، أليس كذلك؟
تدخل الملك ميدار بصوتٍ كالرعد:
— كفى! تناولوا طعامكم بصمت.
لكن رونال لم يتوقف، بل ختم حديثه وهو يرتشف الماء من كأسه بنظرة ثاقبة لروجيل:
— تناول إفطارك يا أخي.. فأنت بحاجة للقوة لتبتكر عذراً أفضل من 'السقوط'. تذكر فقط، الشرفات في ديودار لم تعد آمنة كما كانت، فقد تجد 'أشباحاً' تعيد تربيتك بضربة واحدة تجعلك تنام قبل أن تبدأ خطيئتك. والآن.. مرر لي الملح، فطبقك يحتاج لبعض النكهة، تماماً كأكاذيبك.