سجينة في قصر أبي - الفصل الثاني عشر - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: سجينة في قصر أبي
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الثاني عشر

الفصل الثاني عشر

لغزُ الهرب.. ورحيلُ الملك: خلف الأبواب الموصدة لغرفة المداولات الملكية، كان الملك آرثر يسير بخطواتٍ مضطربة ترن أصداؤها فوق الرخام البارد. دخل القائد سيدريك، وبدلاً من أن يلقي تقريره المعتاد بجمود عسكري، وقف بصمتٍ مريب جعل الملك يتوقف عن السير ويلتفت إليه بحدة. قال سيدريك بنبرةٍ منخفضة ولكنها حادة كالنصل: — مولاي.. اللغز الذي كنا نحاول حله بالأمس، تلاشى في عتمة الليل. الفتاة الخرساء، 'كارولين'، اختفت من الورشة. لقد تبخرت تماماً في اللحظة التي علمت فيها أن وجهتها القادمة هي بوابات القصر. ضيق آرثر عينيه بسخرية مُرة، وضرب بقبضته على الطاولة: — تبخرت؟ هل تقول لي إن فتاة ريفية عاجزة لا تملك صوتاً لتستغيث به، استطاعت التسلل من بين أنوف حراسك الذين يملأون الأزقة؟ هل أصبحت أركونيا مرتعاً للأشباح، أم أن جنودك أصيبوا بالعمى المفاجئ يا سيدريك؟ تقدم سيدريك خطوة واحدة، وثبت نظراته الصقرية في عيني الملك، وهمس بجرأة جعلت الهواء يتجمد: — ليست المساحة هي العائق يا مولاي، بل 'التوقيت'. فكر في الأمر.. لماذا تهرب فتاة فقيرة من فرصة للعمل في القصر وتوفير الحماية لها؟ الهروب الآن لا يثبت ذعرها من الفقر، بل يثبت ذعرها من المواجهة. مولاي.. الشك ينهشني منذ رأيتُها أول مرة؛ تلك الطريقة في الوقوف، ذلك الكبرياء الذي يلف صمتها، وتلك العيون التي لا تنتمي لورش القش. توقف سيدريك لحظة، ثم ألقى بصاعقته: — ماذا لو لم تكن الأميرة كيمارا قد غادرت حدودنا يوماً؟ ماذا لو كانت تلك الخرساء هي نفسها ابنتُك التي اختبأت خلف القش والتراب لتهرب من كبريائك ومن تاجك؟ هروبها ليلة أمس لم يكن فراراً من روجيل أمير ديودار الذي يطاردها، بل كان فراراً من لحظة لقائك التي اقتربت! تجمد الملك آرثر في مكانه، وشحب وجهه كأن صاعقة قد ضربته. اهتزت يده فوق مسند كرسيه، لكنه صرخ بحدة لإسكات ذلك الصوت الداخلي الذي بدأ يصدق كل كلمة: — كفى! أنت تتوهم لتغطي على فشلك في القبض على فتاة ريفية عابرة! كيمارا دماءٌ ملكية، تربت في أحضان الحرير، ولا يمكن لكرامتها أن تلوث يديها بصناعة السلال في الأزقة القذرة. أنت تطارد سراباً يا سيدريك، وتريد مني أن أصدق أن ابنتي تحولت إلى جارية صامتة! وفي محاولة يائسة لإخماد نيران الشك التي بدأت تحرق روحه، اتخذ قراره المفاجئ هرباً من الحقيقة: — لن أبقى هنا لأستمع لظنونك الخرفاء التي تفتك برأسي. جهز الموكب الملكي فوراً. سنغادر في زيارة رسمية إلى مملكة فالاريا. الوجود في أركونيا الآن يغذي الجنون، والتوجه إلى الأمام هو الحل الوحيد المتبقي لي لئلا أفقد عقلي. التفت إلى حاجبه وأمره بلهجةٍ قاطعة لا تقبل النقاش: — أرسل رسالة عاجلة لجيمار ملك فالاريا.. أخبره أن الملك آرثر في طريقه إليهم لمناقشة أمور الحدود والتحالفات. أريد أن نتحرك قبل أن تستيقظ المدينة. اذهب! انحنى سيدريك وغادر القاعة، لكن قلبه كان يشتعل يقيناً. أدرك أن الملك لا يذهب لزيارة ديبلوماسية، بل يهرب من ظنونه اتجاه "كارولين" التي بدأ يراها في كل زاوية. وبينما كان الحرس يجهزون الخيول، همس سيدريك لنفسه بمرارة: — اذهب يا مولاي إلى أقصى الأرض، لكن الحقيقة التي هربت منها الليلة، قد تجدها بانتظارك عند أول منعطف حدودي.. وصمتها سيكون صراخاً لا تستطيع احتماله. بهرجةُ الزيف: بمجرد أن لاحت قمم قلاع ديودار الشاهقة في الأفق، تنفس الأمير روجيل الصعداء بزهوٍ لا يوصف؛ فقد عبر الحدود، وخرج من مملكة "آرثر" اللعينه وباتت الفريسة الآن داخل عرينه. كانت الشمس تميل للغروب، مرسلةً أشعتها الذهبية فوق جدران القصر المرصعة بالرخام الأبيض، وكأنها ترحب بعودة الأمير المنتصر. التفت روجيل نحو كيمارا الجالسة خلفه، وقال بنبرة تملؤها الخيلاء وهو يشير بأصابعه إلى القصر: — تأملي جيداً يا كارولين.. هذه هي مملكتي. قولي وداعاً لأزقة أركونيا المظلمة وورش القش الرخيصة التي كانت تليق بمقامكِ السابق. هنا، لن يحكمكِ فقرٌ، ولن يهددكِ قائد حرس بسيفه. هذا الرخام وهذا الذهب، كل ما ترينه سيكون تحت قدميكِ إذا ما أخلصتِ الولاء لقلبي. هنا، قررت كيمارا أن تمنحه ما يشتهي لتكتمل اللعبة؛ فبدأت تمثل دور الفتاة القروية التي لم ترَ في حياتها سوى الطين والخشب. اتسعت عيناها بذهولٍ مبالغ فيه، ورفعت يديها لتمسح بهما على طرف ثوبها بخجل مصطنع، بينما كانت تجول بنظرها في أنحاء الباحة الكبرى وكأنها لا تصدق أن مثل هذا الجمال موجود على الأرض. ابتسم روجيل بانتصار، وظن أن "بهرجة" الملك قد أذابت حصون صمتها. ترجل عن جواده ومد يده إليها برفق أمير يغزو القلوب، فنزلت كيمارا وهي تتظاهر بالارتباك، وكادت "تتعثر" في ذيل ثوبها لتمثل الضعف الذي يرضي غروره. قال روجيل وهو يسندها بلمسةٍ تعمد أن تكون حانية: — لا تخافي يا جميلة الصمت.. هذا الذهول يليق بكِ، فهو اعترافٌ منكِ بعظمة من أنقذكِ. سأجعلكِ تعتادين على ملمس الحرير وسقوف الذهب حتى تنسي رائحة القش، وحتى تنسي أنكِ كنتِ يوماً ما تلك الفتاة التي تبيع السلال في الأسواق. أشارت كيمارا بيدها المرتجفة نحو إحدى الثريات الضخمة وهي تفتح فمها بدهشة صامتة، مما جعل روجيل يضحك بخفة وتابع: — أوه.. هذه ليست سوى البداية. في الداخل، ستجدين عالماً لم تلمسه أحلامكِ الأكثر جموحاً. كل جارِيَةٍ هنا ستحسدكِ، وكل وصيفة ستتمنى لو أنها تملك صمتكِ لتنال نظرةً مني. هل أنتِ مستعدة لتكوني خادمتي الخاصه؟ كانت كيمارا في داخلها تسخر من سذاجته؛ فهي التي ولدت في قصر أركونيا الذي يفوق "ديودار" فخامة، وهي التي كانت تنام تحت أسقف تكسوها أحجار كريمة لا يحلم روجيل بامتلاكها. كانت تقول في سرها: — يا لك من مسكين يا روجيل! تظن أن عينيّ تتسع انبهاراً بذهبك، بينما هي تتسع ترقباً للّحظة التي سأختفي فيها من قصرك كالدخان. استمر في غرورك، فكلما زاد انبهاري الزائف، زادت غفلتك عن الحقيقة التي أحملها خلف هذا الصمت. انني اشفق عليك كثيرا دخلت كيمارا القصر وهي تمثل الانبهار بكل عمود رخامي، بينما كانت في الحقيقة تحفظ ممرات القصر وتدرس ثغرات الحراس بعينٍ صقرية، مستعدة للفصل القادم بينما التفت روجيل لمساعده "إريك" وقال بزهوٍ مريب: — أرأيت يا إريك؟ الذهب يكسر أقوى النساء، فكيف بفتاة ريفية لم ترَ في حياتها إلا القش؟ لقد سقطت في شباكي، والآن سأجعلها جارية قلبي الوحيدة التي لا تملك لسانًا لتقول 'لا'. ستكون لُعبه بين يدي احركها كيفما اشاء رحلةُ الأثر.. وسرُّ الأسم: انطلقت تيا في شوارع أركونيا كأنها إعصارٌ صغير يبحث عن مرفأ، كان الخوف على صديقتها يحرك قدميها قبل عقلها. لم تترك زقاقاً إلا اجابته، ولا بائعاً إلا واستجوبته، ولا بابا الا طرقته حتى وصلت إلى السوق الكبير، حيث تقبع بياتريس خلف طاولتها، وبجانبها ماري شقيقتها التي كانت تراقب المارة بعينين يملؤهما الحنو. اقتربت تيا منهما لاهثة، وصاحت بصوتٍ مبهوح: — خالتي ماري! خالتي بياتريس! هل رأيتما كارولين؟ لقد اختفت ليلةٍ أمس كانت ليلة غبراء، والمدينة تضيق بملاحقيها! انني اخشي عليها من بطش سيدريك لو لاحق بها تجمدت ماري في مكانها، وسقطت قطعة القماش من يدها وهي تشعر ببرودة تسري في أوصالها؛ فخوفها على "الأميرة" كان يتجاوز مجرد الشفقة، بل كان قلقاً يشبه قلق الأم على قطعة من كبدها. قالت ماري بصوتٍ مرتجف: — اختفت؟ كيف يا تيا؟ لقد كانت هنا بالأمس، صامتة كالملاك، رقيقة كالنسمة.. أين عساها تذهب وهي لا تملك صوتاً ينادي، ولا وجهاً يعرفه أحد؟ أما بياتريس، التي كانت قد شعرت بانجذابٍ غريب لتلك الفتاة منذ اللحظة الأولى التي رأتها فيها، فقد وضعت يدها على صدرها وقالت بأسى: — يا للمسكينة! تلك اليتيمة الرقيقة التي لا حول لها ولا قوة.. كيف يتركها القدر وحيدة في عواصف أركونيا؟ لقد أحببتُ صفاء وجهها يا تيا، وظننتُ أن السوق سيكون ملاذاً لها، لا سبباً في ضياعها! بعد جولةٍ طويلة من الأسئلة اليائسة، غادرت تيا لتكمل بحثها، تاركةً خلفها صمتاً ثقيلاً بين ماري وبياتريس. كانت ماري غارقة في صمتها، تمسح طاولة العمل بآلية مرتبكه وقلقه، بينما كانت بياتريس تحدق في الفراغ، وكأن صدى اسم "كارولين" يتردد في أذنيها بإيقاعٍ لم تألفه من قبل. فجأة، التفتت بياتريس إلى ماري، وقالت بنبرةٍ استكشافية: — ماري.. هذا الاسم، 'كارولين'.. عندما نطقته تيا، شعرتُ بغصة في حلقي وكأنني سمعته في حلمٍ قديم. أليس هو نفس الاسم كانت تملكه ابنتكِ الراحلة؟ شحب وجه ماري، واهتزت يداها وهي تحاول مداراة ارتباكها، وردت بصوتٍ مكسور: — نعم يا بياتريس.. كارولين كان اسم ابنتي التي خطفها الموت وهي في المهد. هو اسمٌ يسكن المقابر الآن، ولا أعرف لماذا اختارته تيا لتلك الفتاة الغريبة. وكان القدر يريدني ان اتذكرها دائما ضيقت بياتريس عينيها، وكأن قطعة من الأحجية بدأت تتحرك في عقلها: — تشابه الأسماء غريب، والأغرب منه هو ذلك الحزن الملكي الذي رأيته في عيني تلك الفتاة الخرساء. هل يعقل يا ماري أن تكون 'كارولين' مجرد اسمٍ استعارته تيا من ماضيكِ لتغطي به سراً أكبر؟ فاهي كانت تعرف قصة ابنتك نظرت ماري إلى بياتريس برعبٍ مكتوم؛ فالسؤال لم يكن مجرد استفسار، بل كان شرارة بدأت تضيء ممرات مظلمة في قصة "الفتاة اليتيمة" التي دخلت حياتهم فجأة، وخرجت منها في ليلةٍ قرر فيها الملك آرثر يدخلها إلي قصره. تحالفُ العروش.. ولعبةُ الرسالةِ الغامضة: في قاعة الحكم المهيبة بمملكة فالاريا، وبينما كانت الرياح تداعب الستائر الحريرية، كان الملك جيمار يمسك برسالة حليفه "آرثر". كانت ملامحه هادئة، لكن عينيه كانتا تشيان بتفكيرٍ عميق. لم يكن هناك عداء بينهما، بل حلفٌ متين، ولكن هذا الحلف كان على وشك أن يُختبر باختبارٍ من نوعٍ خاص. تقدم المستشار أوزريك بخطواتٍ موزونة، وانحنى قليلاً قبل أن يلقي بسؤاله الذي كان يدور في خلد الجميع: — مولاي الملك.. الرسالة التي أرسلها الملك آرثر تؤكد وصوله قريباً، لكن هناك ما يقلقني. لقد وصلت له سابقاً تلك 'الرسالة المجهولة' التي زُعم فيها أنها كُتبت باسم مملكتنا، وتدّعي أن الأميرة كيمارا تحت رعايتنا وبأمان في فالاريا. ماذا سنفعل إذا جلس آرثر على مائدتك، ونظر في عينيك متسائلاً بلهفة الأب وحزم الملك: أين ابنتي التي تخبئونها عني؟ توقف الملك جيمار عن السير، ونظر إلى الختم الملكي لآرثر، ثم قال بصوتٍ رزين يملؤه الدهاء: — تلك الرسالة المجهولة هي السمّ الذي دُسّ في عسل تحالفنا يا أوزريك. من كتبها باسم فالاريا أراد أن يجرّ آرثر إلينا وهو يحمل أملاً زائفاً أو شكاً دفيناً. إذا سألني عن كيمارا، فلن أنكر ولن أؤكد بكلماتٍ مباشرة؛ ففي السياسة، الصدق المطلق قد يقتل، والكذب الواضح ينهي التحالفات. أردف جيمار وهو يبتسم ابتسامة غامضة: — سأخبره أن فالاريا هي بيتُه الثاني، وأن كل من يدخل حدودنا بسلام هو تحت رعايتنا، سواء كانت أميرة مفقودة أو قروية عابرة. سأجعله يظن أننا 'نحميها' دون أن أقول إنها 'هنا' حقاً. أريد أن يظل آرثر بجانبي كحليف، والشك الجميل في أن ابنته قد تكون بخير في أرضنا هو أفضل وسيلة لإبقائه هادئاً وممتناً لنا، بدلاً من أن يظل هائماً في طرقات أركونيا يندب حظه. قاطعه أوزريك بقلق: — ولكن يا مولاي، الملك آرثر ليس رجلاً ساذجاً، وسيدريك الذي يرافقه كظله يملك عينا صقر لا تخطئ. إذا لم يجدوا أثراً مادياً لها، فقد ينقلب هذا الأمل إلى غضبٍ يحرق الأخضر واليابس. ألا تخشى أن يظن أننا نتلاعب بمشاعره الأبوية لتثبيت نفوذنا؟ ضحك الملك جيمار ضحكة خفيفة، ثم قال بجدية: — آرثر يريد أن يُصدّق أن الأميرة ابنته بخير، وهذه هي نقطة ضعفه التي سنحولها لقوة لنا. سأستقبله بحفاوة الأخ، وسأترك له 'تلميحات' تجعل خياله يبني قصوراً من الطمأنينة. فالاريا لن تخذل حليفها، لكنها أيضاً لن تكشف أوراقها بهذه السهولة. جهز المأدبة يا أوزريك، واجعل الخدم يتحدثون بهمسٍ عن 'ضيفة غامضة' في الجناح الشرقي.. دع الشك يكمل المهمة عنا دون أن ننطق بحرفٍ واحد كاذب. لقاءُ العرش.. وحمايةُ ميدار: تقدّم الأمير روجيل بخطواتٍ واثقة يملؤها الزهو داخل القاعة الملكية الكبرى، وخلفه تسير كيمارا برأسٍ مطأطئ، تمثّل دور الفتاة الريفيه المنكسرة، بينما كانت عيناها تسترقان النظر إلى فخامة ديودار التي لا تقل شأناً عن موطنها. انحنى روجيل أمام والده الملك ميدار ووالدته الملكة جولينا، وقال بصوتٍ جهوري: — جلالة الملك.. جلالة الملكة، اشتقت اليكم كثيرا.. لقد عدتُ ولكنِ لم اعد وحدي عدتُ ومعي 'كارولين'، فتاة قروية وجدتها في أركونيا مطاردة من حرس آرثر الذي لا يرحم. لقد استغثت بي، ولكن اكتشفتُ انها خرساء فلم أستطع أن أتركها لقمة سائغة لسياسة آرثر العنيفة التي طالما استنكرناها هنا في ديودار. نظرت جولينا إلى ثياب كيمارا الرثة باشمئزاز، وقالت بنبرةٍ حادة: — وهل أصبح قصر ديودار مأوىً لكل من يفر من جيرانه يا روجيل؟ أركونيا تعج بالمشردين، فهل سنستقبلهم جميعاً؟ روجيل، نحن لا نحتاج لفتياتٍ لا نعرف أصلهن، خاصةً إذا كانت صامتة هكذا كالأشباح.. همّت جولينا بإكمال كلماتها لتأمر بطردها، لكن الملك ميدار، الذي كان يراقب كيمارا بهدوء مريب، رفع يده فجأة بحزم، فتوقفت كلمات الملكة في حلقها. ميدار، الذي كان يمقت آرثر ويرى في مطاردة حرس الأخير لفتاة ضعيفة فرصة لتعزيز موقفه الأخلاقي ضده، قرر أن يلعب لعبة أذكى من ابنه. قال ميدار بصوتٍ عميق: — يكفي يا جولينا. لقد فعل روجيل خيراً فعل حسناً، فديودار لن تكون أبداً ظلاً لسياسة آرثر الغاشمة. إذا كان آرثر يطارد تلك الفتاة الخرساء بهذا الحجم من الجنود، فمن الواجب أن تظل تحت سقفنا لنثبت للعالم أننا ملاذ المظلومين. التفت ميدار إلى روجيل، وعلى وجهه ابتسامة غامضة: — أحسنتَ يا بني، لقد أثبتَّ أنك تملك قلباً رحيماً. وبما أنك من أنقذتها، فمن العدل أن تظل في القصر، ولكن.. لكي لا يُقال إن الأمير يقتني الخادمات لنفسه، ستعمل 'كارولين' تبع جناحي الخاص وتحت إشراف حاجبي الشخصي. هكذا نضمن لها الأمان التام من أيادي حرس آرثر.. ومن أي لسان قد ينال من سمعتها. ارتبك روجيل، وشعر أن والده نصب له "فخاً" مغلفاً بالمديح؛ فقد سلب منه حرية التصرف بها بمجرد أن جعلها تابعة لجناحه هو. حاول روجيل الاعتراض بلباقة: — لكن يا أبي، هي لا تعرف عادات القصور، وربما تكون عبئاً في جناحك الملكي، فظننتُ أنني سأشرف على تدريبها بنفسي.. قاطعه ميدار بضحكة باردة: — لا تقلق يا روجيل، سأهتم أنا بذلك. أليس هدفك هو 'حمايتها' من بطش آرثر؟ إذن، لا يوجد مكان في العالم أكثر أماناً لها الا في جواري. اذهب الآن واسترح، فقد أديتَ واجباً إنسانياً عظيماً. وأنا سأرسل الخدم ينظفون لها جناح الضيافه انها ستصبح خادمتي ولكن في الاخير هي ضيفه على مملكتنا ومن الازم ان نحسن ضيافتها خرج روجيل وهو يشتاط غضباً بصمت، بينما كانت كيمارا تشعر أن الملك ميدار، رغم حزمه، قد منحها فرصة ذهبية للنجاة من طيش ابنه. نظرت جولينا إلى زوجها بغيظ وهمست: — لقد أدخلتَ غريبة إلى مخدعك يا ميدار، فماذا لو كانت جاسوسة لآرثر؟ رد ميدار بهدوء وهو يراقب كيمارا وهي ترحل مع الحرس: — إذا كانت جاسوسة، فوجودها بجانبي يسهل كشفها. وإذا كانت صادقة، فقد انتزعتُ من يد ابني لعبة كان سيفسدها بطيشه. في كلتا الحالتين.. أنا الرابح يا جولينا.