سجينة في قصر أبي - الفصل الحادي عشر - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: سجينة في قصر أبي
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الحادي عشر

الفصل الحادي عشر

الوداع المُر والهروب من خيانة القدر: في تلك الليلة، كان ضوء الشموع الخافت في الورشة يرتجف تماماً كيد تيا وهي تحاول إعداد العشاء الصامت. كيمارا كانت جالسة في زاوية الغرفة، تداوي جروح يدها من قش السلال، وتشعر براحة زائفة بعد نجاتها من مخالب روجيل بفضل "الظلال". قطعت تيا الصمت بصوت متهدج، يملؤه الندم والارتباك: — كارولين.. لقد فعلتُ شيئاً.. فعلته لحمايتنا، لكنني أشعر وكأنني أهديتُ أعناقنا للمقصلة. رفعت كيمارا رأسها بسرعة، واتسعت عيناها بتساؤل صامت. وضعت تيا يدها على كتف كيمارا وقالت والدموع تغالبها: — سيدريك كان هنا. لقد كان يشك فينا، في ملاحقة الأمير لكِ، وفي تلك الضجة التي حدثت. لم أجد مخرجاً إلا أن أعرض عليه العمل في القصر.. كنت أظن أنني سأذهب وحدي، لكنه أمر بأن تأتي معي. غداً مع الشروق، يجب أن نكون عند البوابة الشرقية.. وإلا قُتلنا. نزلت الكلمات على مسامع كيمارا كالصاعقة. القصر؟ البوابة الشرقية؟ سيدريك؟ عادت إليها صور الذعر، وجه والدها الملك أرثر الغاضب، الممرات التي فرت منها. شعرت كيمارا بخيانة لم تقصدها تيا، لانها لا تعلم شيئا عن حقيقتها، لكنها خيانة للعهد الذي قطعته على نفسها بأن لا تعود لذلك السجن أبداً. لم تستطع كيمارا الصراخ، فاستخدمت عينيها لتعاتب تيا بعنف، ثم انتفضت واقفة. حاولت تيا الإمساك بها وهي تبكي: — أرجوكِ يا كارولين، لا تنظري إليّ هكذا! روجيل لن يترككِ، وسيدريك سيحرق الورشة إن لم نذهب. القصر هو المكان الوحيد الذي لن يجرؤ فيه روجيل على لمسكِ! صدقيني. لكن كيمارا كانت تعلم ما لا تعلمه تيا؛ القصر هو المكان الوحيد الذي ستُعدم فيه بتهمة الهروب وتلطيخ شرف التاج. انتظرت كيمارا حتى غطت تيا وسيمونيل في نوم ثقيل من التعب. تحركت كالأطياف، جمعت أغراضها البسيطة في صرة صغيرة. نظرت إلى تيا نظرة أخيرة، نظرة حب وامتنان لتلك الفتاة التي منحتها اسماً وحياة، ثم وضعت بجانب رأسها سلة صغيرة كانت قد صنعتها ببراعة فائقة كعربون وداع وبداخلها حفنه من النقود الذهبيه التي ستعيشهم عيشه كريمة لفترة طويلة. ثم خرجت كيمارا إلى عتمة الليل، والبرد ينهش عظامها. كانت تنوي الهروب بعيداً عن أركونيا كلها، بعيداً عن روجيل الذي يطارد أنوثتها، وسيدريك الذي يطارد سرها، ووالدها الذي يطارد كرامته. ولكن، وهي تتسلل في الأزقة المظلمة، كانت هناك أعين تترصدها. لم يكن روجيل، بل كانوا "جواسيس الظل" التابعين للملك ميدار، الذين صدرت لهم الأوامر ألا تغيب هذه الفتاة عن أنظارهم لحظة واحدة. فخ المُنقذ والهروب من جحيم أركونيا: بينما كانت كيمارا تتسلل في الأزقة المظلمة، وقلبها يقرع كالطبول مع كل حفيف ريح، كانت تظن أن الليل ستارها الوحيد. لم تكن تعلم أن القدر يمتلك حساً ساخراً، فقد كان الأمير روجيل عائداً من جولة تسكع ليلية، يحاول تهدئة غليان عقله، فجأة، لمح طيفاً مألوفاً يركض بذعر بين الممرات الضيقة. ضاقت عيناه وبدأ نبضه يتسارع؛ إنها "كارولين"، فريسته التي سحرت ليله، تهرب وحدها في هذا الوقت المتأخر! لم ينتظر، بل هبط من فوق صهوة جواده بحركة رشيقة، وراح يلاحقها بخطوات سريعة وصامتة حتى حاصرها في زقاق ضيق. التفتت كيمارا بذعر ظنا انه سيدريك لتجده أمامها، كانا روجيل ولكن على غير عادته لم يتقدم نحوها بغطرسة وجراءة. وقف بعيداً قليلاً، ورسم على وجهه قناع النبل والمروءة، وقال بصوت خفيض يملؤه القلق المصطنع: — كارولين! أخيراً وجدتكِ.. لماذا تركضين في هذا الوقت؟ هل أصابكِ مكروه؟ تراجعت كيمارا، لكنه أكمل بلهجة "المحامي الشهم": — اسمعيني جيداً.. لقد وصلتني أخبار أن حرس المدينة يبحثون عنكِ وعن صديقتكِ. أركونيا لم تعد آمنة للغرباء والضعفاء، والملك أرثر في حالة جنون قد تطال الجميع. لقد جئتُ لأكفر عما بدر مني سابقاً.. لستُ هنا كأمير يطالب، بل كفارس يعرض الحماية. اريدك ان تسامحينني عما سبق وعن حماقتي مد يده برفق دون أن يلمسها، مكملاً بتمثيل متقن: — اهربي معي الآن.. سآخذكِ إلى مملكتي، ديودار. هناك القوانين تحترم الإنسان، وهناك سأضعكِ في مكان آمن بعيداً عن غدر هذه المدينة. لا تضيعي الوقت، الحرس قد يظهرون في أي لحظة! نظرت كيمارا إلى عينيه بذكاء حاد خلف قناع الذعر. كانت تدرك تماماً أن هذا الرجل يرتدي ثوباً ليس له، وأن وعوده "بالأمان" ما هي إلا فخّ لإغلاق أبوابه عليها. لكنها في تلك اللحظة، قامت بحسبة سريعة ومريرة، البقاء يعني مواجهة والدها في القصر والشنق، أما الهروب مع روجيل، فيعني عبور الحدود والخروج من أركونيا كلها. قررت كيمارا أن تتلاعب باللاعب نفسه. أظهرت أنها صدقت كذبته، وأومأت برأسها بضعف مصطنع وهي تصرخ في سرها: — سأمتطي جوادك لأهرب من سجن والدي، وسأجعلك تظن أنك اصطدت الفريسة، حتى إذا عبرنا الحدود، سأعرف كيف أختفي من حياتك كما اختفيت من حياة عائلة أرثر. انحنى روجيل بوقار زائف، وأمسك بيدها برفق شديد يداري خلفه رغبة عارمة في الانتصار، وقال: — أحسنتِ الاختيار.. سنغادر الآن قبل أن تشرق الشمس، وستكونين في حمايتي للأبد. ركبت كيمارا خلفه على الجواد، وهي تشعر ببرودة معدنه تحت ثيابه، بينما كان هو يبتسم في الظلام، يظن أن سمّه قد فعل فعله، وأنه سحب الجوهرة الخرساء إلى "قفصه الذهبي" في ديودار بمحض إرادتها. ولم يدرك أن "ظلال ميدار" يتبعونهما كالأشباح، يراقبون الأمير الذي بدأ يسرق الفتاة نحو مصيرها المجهول استيقاظُ الفزع وطارقُ الموت: مع تسلل خيوط الشمس الأولى، استيقظت تيا وهي تشعر بثقل في جفنيها من أثر البكاء المرير الذي ذرفته ليلة أمس. فركت عينيها ونظرت نحو ركن كيمارا، وهي تأمل في داخلها أن يكون كل ما حدث مجرد كابوس ثقيل، وأن تجد صديقتها نائمة بسلام لتخبرها أن رحيلهما للقصر هو "شرٌّ لابد منه. لكن الركن كان بارداً.. وخالياً. انتفضت تيا من فراشها والذعر ينهش قلبها. ركضت نحو الفراش الصغير، فلم تجد سوى سلة القش التي صنعتها كيمارا بإتقان يفوق الوصف، وبداخلها حفنة النقود الذهبيه توقفت في ذهول ولكن سرعان ما صرخت تيا بصوت مخنوق: — كارولين! كارولين، أين أنتِ؟ لا تفعلي هذا بي.. أرجوكِ!. بحثت في كل زاوية، خلف أكوام القش وتحت طاولات العمل، لكن الصمت كان هو الرد الوحيد. أدركت تيا الحقيقة المرة، كيمارا هربت. هربت من "الفخ" الذي نصبه سيدريك، ومن "الحماية" التي عرضتها تيا. وبينما كانت تيا تنهار أرضاً وهي تمسك بالسلة وتبكي، اهتزت جدران الورشة فجأة تحت وقع طرقات عنيفة ومنتظمة.. طرقات لا يخطئها أحد. "طرق.. طرق.. طرق!" توقف قلب تيا عن النبض. إنه هو. لقد أشرقت الشمس، والموعد الذي حدده القائد سيدريك قد حان. مسحت دموعها برعب، وحاولت ترتيب ثيابها المبعثرة، لكن يدها كانت ترتجف لدرجة أنها لم تستطع فتح القفل. صاح صوت سيدريك من الخارج، أجشاً وصارماً كالرعد: — افتحي الباب يا تيا! الشمس عانقت الأفق، وخيول القصر لا تحب الانتظار. أحضري 'كارولين' واخرجا فوراً، فالملك أرثر لا يقبل التأخير في أوامره! فتحت تيا الباب ببطء شديد، ووجهها شاحب كالأموات. وقف سيدريك أمامها بكامل عدته العسكرية، يلمع درعه تحت ضوء الصباح الباكر، وخلفه حشد من الحرس الملكي. نظر إليها سيدريك بحدة، وضاقت عيناه حين رأى آثار البكاء على وجهها، ولم يلمح أثراً للفتاة الأخرى. قال سيدريك بنبرة هادئة لكنها تخفي عاصفة من الشك: — لماذا تقفين وحدكِ؟ أين تلك الخرساء؟ هل تعتقدين أن أوامر التاج هي دعابة تمحيها الصباح؟ تراجعت تيا للخلف وهي تتمتم بكلمات غير مفهومة: — سيدي القائد.. أنا.. أنا لا أعرف.. لقد استيقظتُ ولم أجدها.. الفراش بارد، وهي.. لقد رحلت! هنا، تبدلت ملامح سيدريك فوراً. دفع الباب بقوة ودخل الورشة بخطوات ثقيلة، يفتش المكان بعينيه الصقريتين. التفت إلى تيا وأمسك بكتفها بقوة، قائلاً بصوت يقطر غضباً: — هربت؟! هل تظنينني أبله؟ لقد عرضتِ علىً العمل في القصر لتهربان من روجيل، والآن تختفي الفتاة في الليلة التي تسبق دخولها لعرين الملك؟ اقترب من وجهها وهمس بفحيح مرعب: — اسمعيني جيداً.. إذا كانت هذه تمثيلية لإخفائها عني، فأقسم أن المشنقة ستكون من نصيبكِ قبلها. وإذا كانت قد هربت حقاً، فهذا يعني أنها ليست مجرد قروية خرساء كما زعمتم، بل هي صيدٌ ثمين يخشى المواجهة. أخبريني الحقيقة الآن.. أين ذهبت؟! انفجرت تيا بالبكاء الحقيقي هذه المرة، وهي تدرك أن حياتها وحياة كيمارا أصبحتا على المحك، وأن سيدريك لن يهدأ حتى يقلب أركونيا رأساً على عقب ليجد "الفريسة" التي انزلقت من بين يديه. طريق الوعود الزائفة: تحت سماءٍ بدأت تتخضب بلون الياقوت الذهبي معلنةً رحيل الليل، كان جواد روجيل ينهب الأرض نهباً نحو حدود مملكة ديودار. كانت كيمارا تجلس خلفه، تمسك بطرف ثيابه بحذر، والريح تصفع وجهها وتطير بخصلات شعرها المتمردة. لم تكن تنظر إلى الطريق، بل كانت تنظر إلى ظهر هذا الرجل الذي يظن أنه "اصطاد" فريسته، بينما هو في الحقيقة يحمل على ظهره بركاناً خامداً. بدأ روجيل، الذي انتشى بنصرٍ لم يحققه بعد، في ممارسة هوايته المفضلة: حياكة الأحلام من خيوط الوهم. التفت برأسه قليلاً ليتأكد من وجودها، وقال بنبرة دافئة مصطنعة، تخفي خلفها دهاء رجلٍ يتقن فن الإغواء: — لا تخافي يا كارولين.. كل خطوة يخطوها هذا الجواد تبعدكِ عن بؤس أركونيا وعن بطش سيدريك ظلم الملك آرثر، في ديودار، لن تكوني مجرد فتاة تصنع السلال، سأجعلكِ تسكنين جناحاً يفوح برائحة المسك، وسأحيطكِ بخرير المياه والحرير الذي يليق بجمالكِ الصامت هذا. لم تجبه كيمارا، بل اكتفت بالنظر إلى الأفق بعينين باردتين كالثلج. استمر روجيل في هذيان النبل المزيف: — سأكون أنا صوتكِ الذي سلبته منكِ الأيام. سأعلمكِ كيف تعيشين كملكة دون تاج، وسأحطم كل من يحاول المساس بكِ. ديودار هي أرض الأمان، وأنا هو مرافقكِ. هل تصدقينني؟ سأجعل العالم يركع تحت قدميكِ الرقيقتين. كانت وعوده تتساقط كأوراق الخريف اليابسة، وكيمارا تسمعها بقلبٍ يملؤه الاحتقار. كانت تفكر وتحدث نفسها: —يا لك من أحمق يا روجيل! ترسم لي أحلاماً في مملكة والدك، وأنا التي هربت من عرشٍ يفوق عرشك عظمة. تعدني بالحرير وأنا التي ولدتُ في أحضانه. استمر في كذبك، فكلما زادت وعودك، زاد يقيني بأنك لست سوى وسيلة عبور، وسأتركك قريبا تلوك خيبتك حين تكتشف أنك كنت تحمل خلفك أميرةً، لا خادمة مستسلمة. ظل روجيل يتحدث عن القصور والحدائق المعلقة والخدم الذين سينحنون لها، وكأن كلماته "بنجٌ" يحاول به تخدير حواسها، بينما كانت هي تراقبه بصمتٍ مطبق، صمتٌ أقوى من كل وعوده، صمتٌ كان يصرخ في وجهه بالحقيقة التي لا يراها، أنها لم تصدقه يوماً، بل استخدمت "شجاعته" المزعومة لتكسر قيود والدها أرثر. ومع اقتراب أول نقطة حدودية لديودار، كان روجيل يبتسم بانتصار، وكيمارا تبتسم بمرارة، وبينهما جوادٌ يحمل كذبتين كبيرتين نحو مصيرٍ لن يرحم أحداً منهما. السر المفقود: بعد أن غادر سيدريك الورشة مزمجراً بوعيده الذي تركت جدران القش يرتجف، ساد صمتٌ جنائزي لم يقطعه سوى صوت سعال سيمونيل المتعب في ركنه المظلم. كانت تيا تقف في منتصف الغرفة، محطمة، تمسك بسلة كيمارا الأخيرة وكأنها تمسك بخيط أمل مقطوع. اقترب منها والدها سيمونيل، واضعاً يده المرتجفة على كتفها، وقال بصوت يملؤه الحزن والندم: — لقد رحلت يا ابنتي.. تلك الفتاة لم تكن تنتمي لهذا التراب منذ البداية. كانت كيمياء وجهها ونبل صمتها يصرخان بأنها طائرٌ حُبس في قفصٍ لا يليق به. لقد خفتِ عليها من روجيل، فسلمتها لسيدريك، ولم تدركي أن العصافير لا تختار بين السجن والذبح، بل تختار السماء. بكت تيا بحرقة وقالت: —"لكنني أردتُ حمايتها يا أبي! كيف لي أن أعرف أنها ستختار الضياع في ليل أركونيا الموحش على الأمان خلف أسوار القصر؟ سيدريك سيقتلني إن لم يجدها، والأسوأ من ذلك.. قلبي سيقتلني إن أصابها مكروه.ولكنها تركت لنا هذه النقود من اين جائت بهذه العملات الذهبيه هذه انها عملات القصور فقط نظر إليها سيمونيل بنظرة حكيمة، وقال ببطء: — "الحماية لا تُفرض بالقوة يا تيا. اذهبي وابحثي عنها، ليس لأن القائد أمركِ بذلك، بل لأن الصداقة عهدٌ لا ينتهي بالهرب. ابحثي عن أثر الحوافر أمام الباب.. روجيل لم يكن بعيداً عن هنا الليلة الماضية، ورائحة غدره تفوح في الأرجاء. اما عن هذه النقود فاهي ردت الينا الجميل ولكن هذا شككني بأنها من النبلاء ليست قرويه بما زُعمت مسحت تيا دموعها بعزمٍ مفاجئ، وكأن كلمات والدها أيقظت فيها روح المغامرة والمشاكسة التي عرفت بها. أخذت خنجراً صغيراً كانت تخبئه تحت طاولة العمل، وقالت: — لن أنتظر حرس سيدريك ليعثروا عليها ويجروها كالمجرمة. سأتبع أثرها ايا كانت هوايتها حتى لو وصل بي الأمر إلى حدود مملكة ديودار نفسها. إذا كان روجيل قد أخذها، فسيحتاج لمن يذكره بأن بنات أركونيا لسن لقمة سائغة. خرجت تيا من الورشة وهي تتفحص الأرض بدقة. وعند العتبة، رأت ما جعل قلبها ينتفض؛ أثر حوافر جوادٍ أصيل، من ذلك النوع الذي لا يمتلكه إلا الأمراء، يسير باتجاه الطريق المؤدي إلى الحدود الشمالية. انطلقت تيا في رحلتها، وحيدةً، مسلحةً بذكائها ووفائها، تاركةً خلفها ورشةً أصبحت خاوية من السلال ومن الأسرار بعد ان تركت السلة بالنقود في يد ابيها، لتبدأ مطاردةً ستغير مجرى حياتها.. وحياة "كارولين" إلى الأبد.