الفصل الثالث: آثار الاختبار
العودة والحيلة:
حمل فزاعة جسد آرون المثخن بالجروح بين ذراعيه، وعيناه تفيضان بحزن غريب لم يعرفه من قبل. نظر إلى وجه الشاب الشاحب، الذي كان يتألم حتى في غيبوبته، وهمس بكلمات خافتة.
"لا تقلق يا صديقي، سأعيدك إلى بيتك."
أغلق عينيه وتمتم بكلمات سحرية قديمة، فانتفض جسده قليلاً، ثم اختفيا من المكان ليظهرا فجأة في غرفة آرون المتواضعة. وضع فزاعة آرون بلطف على السرير، ثم جلس إلى جانبه، ينظر إليه بعينين حزينتين.
"آهٍ أيها الشاب الشجاع، لقد دفعتَ ثمناً باهظاً اليوم."
مسح دماء آرون بقطعة قماش نظيفة، ثم غسل جراحه بماء دافئ. كان يعمل بهدوء، غير معتاد على هذه الجدية. بعد أن انتهى، نظر الى الغرفة الكئيبة، وقرر في نفسه أن يغير شيئاً.
"لا يمكنه أن يستيقظ على هذه الكآبة! يجب أن أجعل المكان أكثر بهجة!"
بدأ يفرش الغرفة بسحره. بلمسة من أصابعه، ازدهرت الزهور في زوايا الغرفة، وتعلقت مصابيح ذهبية صغيرة في السقف، تشع ضوءاً دافئاً. غير لون الجدران إلى أزرق صافي، وجعل رائحة القرفة والتفاح تفوح في المكان. حتى أنه علق ستائر حريرية على النوافذ.
"الآن الوضع أصبح أفضل! يا له من جمال!"
قال وهو يدور في الغرفة المعادة تزيينها، فرحاً بما فعل. لكن دق الباب فقطع فرحته.
"آرون! يا آرون! هل أنت بالداخل؟ أحضرت لك بعض الطعام!"
كان صوت مارتا الجارة العجوز. ذعر فزاعة قليلاً، ثم ابتسم بذكاء.
"حسناً، حان وقت التمثيل!"
تمايل قليلاً، وبدأ يتشكل، حتى أصبح صورة طبق الأصل من آرون، لكن بعينين ماكرتين. فتح الباب مبتسماً.
"أهلاً يا سيدة مارتا! كيف حالك؟"
قال بتقليد مثالي لصوت آرون.
"بخير ياولدي لقد سمعت ضجيجاً مرة اخرى قادماً من غرفتك! هل كل شيء على ما يرام؟"
"نعم، نعم! كل شيء بخير! مجرد... القطط مجدداً!"
"قطط؟ يجب أن أجد لك قطة أليفة! على أي حال، هذا هو الطعام! بعض الخبز الطازج والجبن والعسل! يجب أن تأكل جيداً!"
"شكراً لكِ! أنتِ حقاً طيبة القلب!"
أخذ الطبق منها وأغلق الباب بسرعة. عاد إلى شكله الطبيعي، ووضع الطبق على الطاولة، ثم نظر إليه بشهوة.
"يا له من طعام شهي! سأقسمه نصفين... نصف لآرون عندما يستيقظ، ونصف ليّ!"
جلس أمام الطبق، وأخذ يتأمل محتوياته. الخبز الذهبي الهش، الجبنة البيضاء الطرية، والعسل الذهبي الذي يلمع في ضوء المصابيح.
"ربما... قطعة صغيرة فقط!"
قال وهو يأخذ قطعة خبز صغيرة ويغمسها في العسل. لكن طعمها كان رائعاً، فأخذ قطعة أخرى، ثم أخرى.
"آوه! هذا ألذ من فطيرة التفاح! ربما... قطعة جبن صغيرة!"
لم يستطع مقاومة نفسه، وأخذ يأكل بشراهة، حتى لم يبقَ شيء في الطبق.
"يا إلهي! لقد أكلت كل شيء! الآن ماذا سأقول لآرون عندما يستيقظ؟"
نظر إلى الطبق الفارغ، ثم إلى آرون النائم، وابتسم ابتسامة خجولة.
"حسناً، سأخبره أن القطط أكلت الطعام! نعم، هذه فكرة جيدة!"
قال وهو يخبئ الطبق الفارغ تحت السرير، ثم جلس بجانب آرون كأن لم يحدث شيء.
"استرح يا صديقي، غداً سيكون يوم مختلفاً!"
همس وعيناه في حيرة بين الندم والرضا عن حيلته.
الظل الذي يمشي:
في أحد الأزقة الضيقة بمدينة شادوماير، حيث لا تصل إلا أضواء المصابيح الخافتة، كانت فتاة شابة تدعى إليرا تسير بخطوات متعجلة. كانت تحمل سلة خضروات، عائدة من السوق قبل أن يُغلق بالكامل. الظلام كان كثيفاً، والضباب يتسلل بين الجدران كأشباح متحركة.
فجأة، توقفت إليرا. شعرت ببرودة قارسة تخترق جسدها، ثم سمعت همساً خافتاً يأتي من الظلال.
"أحتاج إلى جسد... أي جسد..."
كان صوتاً أنثوياً حاداً، مليئاً بالحقد والألم. حاولت إليرا الهرب، لكن قدميها تثاقلتا فجأة. شعرت كأن شيئاً ما يربطها بالأرض.
"ما هذا؟ من هناك؟"
صاحت وهي تلفت نظرها حولها، لكنها لم تر سوى الظلام. ثم فجأة، ظهر ظل طويل على الجدار المقابل، يتلوى كأفعى عملاقة.
"جسدك جميل... شاب... مثالي كوعاء!"
قال الصوت وهو يقترب منها. شعرت إليرا بشيء خفي يلمس وجهها، بارد كالثلج. حاولت الصراخ، لكن صوتها اختنق في حلقها.
"لا تقاومي... سأجعلكِ أقوى... سأجعلكِ خالدة!"
بدأ الظل يدخل في جسدها من خلال فمها وأنفها. كانت إليرا تتلوى من الألم، عيناها تتدحرجان إلى الخلف، وجسدها يرتعش بعنف.
بعد لحظات، توقفت عن المقاومة. وقفت مستقيمة، لكن عينيها كانتا الآن مختلفتين تماماً. لم تعودا عيني الفتاة البريئة، بل أصبحتا عيني أفعى: خضراوتين، ضيقتين، وتلمعان بالشر.
"آه... أخيراً... جسد حقيقي!"
قالت إليرا، لكن صوتها لم يعد صوتها. كان صوتاً أعمق، أكثر حدة، مليئاً بالكراهية.
"هذه المدينة ستندم على ما فعلته بي! سأجعلهم يعانون كما عانيت!"
مشت في الزقاق بخطوات واثقة، مختلفة تماماً عن خطوات إليرا الخجولة. توقفت عند بركة ماء راكدة، نظرت إلى انعكاس وجهها.
"جميلة... لكنها ضعيفة! لا بأس، سأقوّيها!"
لمست وجهها بأصابعها، فتحول لون عينيها إلى اللون الأحمر الداكن لفترة وجيزة. ثم ابتسمت ابتسامة مليئة بالشر.
"الآن، أين كان ذلك الصانع المسكين؟ أريد أن ألعب معه قليلاً!"
مشت خارج الزقاق، تاركة وراءها سلة الخضروات المنسية على الأرض. الضباب أختفى خلفها، وكأن شيئاً لم يحدث. لكن الشر كان قد وجد جسداً جديداً يسكنه، وكان مستعداً للانتقام.
الرابط الخفي:
استيقظ آرون فجأة وهو يشهق، جالساً في فراشه بعينين مفتوحتين على اتساعهما. في تلك اللحظة، ومضت عيناه بلون أحمر قاتم لثانية واحدة ثم عادتا إلى لونهما الرمادي الطبيعي. كان يتنفس بسرعة، وجبينه يتصبب عرقاً بارداً.
"لقد رأيتها... رأيتها بوضوح!"
همس بصوت مرتجف، وهو يمسك بصدره حيث كان قلبه يدق كالطبل.
"فتاة... لا، ليست فتاة... شيء آخر... شيء شرير يستحوذ عليها!"
فزاعة الذي كان نائماً على كرسي بجانب السرير، استيقظ على الفور. قفز على قدميه، عيناه العسليتان تبدوان قلقتين.
"ماذا؟ ماذا رأيت؟ لا تقل أنك حلمت بالجبنة المتعفنة مجدداً! لقد أخبرتك أنها مجرد نكتة!"
قال محاولاً التهريج، لكن قلقه كان واضحاً.
"لا! لم يكن حلماً! لقد رأيتها وكأني هناك! فتاة شقراء في زقاق مظلم... ثم ظل... ظل أفعواني يدخل في جسدها!"
قال آرون وهو يرتجف، وكأنه لا يزال يرى المشهد أمام عينيه.
تجهم وجه فزاعة، وفقد كل آثار المرح التي اعتاد عليها. اقترب من السرير ونظر إلى عيني آرون بجدية.
"صِف ليّ ما رأيت بالضبط!"
"عيناها... كانتا خضراوين... ثم احمرتا! وصوتها... لم يعد صوتها! كان صوتاً حاداً... مليئاً بالكراهية!"
صمت فزاعة لحظة، ثم بدأ يضرب جبينه بكفه.
"آه! يا للأسف! يا للكارثة! يا له من يوم عصيب!"
"ما الأمر؟ ماذا يعني هذا؟"
"هذا يعني أنك رأيت سيربانيس وهي تتلبس إنساناً! وهذا يعني... وهذا يعني أن بينكم رابطاً الآن!"
"رابط؟ كيف؟"
"عندما جرحت نفسك بالخنجر، واختلط دمك بدمائها القديمة، تشكل رابط بين روحك وروحها! الآن يمكنك أن تشعر بها... وهي يمكنها أن تشعر بك!"
قالها فزاعة وهو يتنقل في الغرفة بطريقة مضطربة.
"هذا خطير! خطير جداً! إنها تعرف مكانك الآن! وتعرف مشاعرك! وتستطيع أن تؤثر عليك!"
جلس آرون على حافة السرير، وجهه شاحب.
"هل تقول أنها تستطيع أن تراني الآن؟ أن تعرف ما أفكر فيه؟"
"أسوأ من ذلك! يمكنها أن تظهر لك صوراً في عقلك! أن تتلاعب بأحلامك! أن تجعلك ترى ما تريدك أن تراه!"
"لكن... لماذا؟ لماذا تفعل هذا؟"
"لأنها تريد أن تكسرك! أن تجعلك تتراجع عن الاختبارات! أن تستسلم!"
وقف فزاعة أمامه مباشرة، ونظر إليه بعينين جادتين.
"اسمعني يا آرون! هذا أخطر مما تظن! الآن أصبحت المعركة ليست فقط ضد الوحوش الخارجية، بل أيضاً ضد الوحوش داخل رأسك وروحك!"
"ماذا أفعل؟ كيف أتخلص من هذا الرابط؟"
"لا يمكنك! لكن يمكنك أن تتحكم فيه! أن تجعل منه قوة بدلاً من الضعف!"
"كيف؟"
"بأن تتقبله! بأن تفهم أن هذا الرابط هو دليلك إليها أيضاً! يمكنك أن تشعر بها هي الأخرى! أن تعرف خطواتها التالية!"
نظر آرون إلى يديه، ثم إلى الخنجر الذي كان لا يزال على الطاولة.
"إذاً... هذه هي الطريقة الجديدة للقتال؟"
"بالضبط! الآن أنت لا تحارب وحشاً فقط... بل تحارب جزءاً من نفسك أيضاً!"
قالها فزاعة وهو يضع يديه على كتفيه، مبتسماً ابتسامة حزينة.
"ولا تقلق! أنا هنا لأساعدك في تمييز الحقيقي من الوهمي!"
بداية الظلام الداخلي:
نهض آرون من سريره متثاقلاً، محاولاً أن يتجاهل الذبذبات الغريبة التي لا تزال ترتج في أعماقه. أخذ يرتدي ملابسه البسيطة، مصمماً على متابعة يومه كما اعتاد.
"إلى أين أنت ذاهب؟"
سأله فزاعة وهو يتدلى من مصباح السقف بطريقة بهلوانية.
"إلى دكاني. لا يمكنني التكاسل يوماً عن صناعة المصابيح. الناس تحتاج إلى النور."
أجاب آرون بصوت هادئ، لكن يده كانت ترتجف قليلاً وهو يربط حذاءه.
"ألا تعتقد أن إنقاذ المدينة من لعنة أبدية أهم قليلاً من بيع بعض المصابيح؟"
قال فزاعة وهو ينزل من المصباح ويهبط على الأرض بلا صوت.
"النور الذي أصنعه قد يكون هو كل ما يمنع الناس من اليأس في هذا الظلام. لن أتخلى عنهم."
أجاب آرون بإصرار، ثم التقط الخنجر ووضعه في حزامه تحت معطفه.
أدرك فزاعة أنه لن يستطيع ثنيه، فتنهد وهو يهز رأسه.
"حسناً، لكن سأذهب معك. متخفيًا بالطبع، فلا أريد أن أفزع زبائنك!"
وما إن قال ذلك حتى اختفى عن الأنظار، لكن آرون كان يستطيع أن يراه كظل شفاف يتحرك بجانبه.
مشيا إلى الدكان، وكان الجني يثرثر خلال الطريق بنكات قديمة وحكايات عن ماضيه، محاولاً أن يخفف من جو التوتر. لكن آرون كان منشغلاً بأفكاره، لا يستجيب إلا بإيماءات متفرقة.
عندما وصلا إلى الدكان، بدأ اليوم كالمعتاد. فتح آرون الأبواب، ونظم الأدوات على المنضدة، وبدأ في صناعة مصباح جديد. دخلت سيدة مسنة لتحضر مصباحها الذي أصلحه، ثم جاء توماس الصغير ليسأل إذا كان لديه مصابيح صغيرة جديدة.
لكن فجأة، أثناء حديثه مع توماس، شعر آرون بزغللة في عينيه.
"ما هذا...؟"
همس وهو يمسك برأسه. بدأت الصور من حوله تتراقص، وظن أنه يرى ظلاً أسود يمر من النافذة.
"هل أنت بخير يا سيد آرون؟"
سأله توماس بقلق.
"نعم... نعم... فقط أشعر بالتعب قليلاً."
أجابه وهو يحاول أن يبتسم.
لكن الزغللة ازدادت، وتحولت إلى صداع مبرح. بدأ يرتجف، ورأى صوراً متقطعة لعيون حمراء حاقدة، وأصوات همسات شريرة تصل إلى أذنيه.
"لا... اتركيني..."
همس وهو يتمايل على قدميه.
فزاعة الذي كان يراقب من زاوية الغرفة، أدرك ما يحدث على الفور. قفز نحو الباب وأغلقه بسرعة، ثم رفع يديه وتمتم بكلمات سحرية. انتشر حاجز شفاف من الطاقة حول الدكان، يعزل الصوت والداخل عن الخارج.
"آرون! إنها هي! تحاول الوصول إليك من خلال الرابط!"
صاح فزاعة وهو يظهر فجأة أمامه.
"أرى... عيونها... في رأسي..."
قال آرون وهو يتكئ على المنضدة، عيناه مغمضتان من الألم.
"قاومها! تذكر من أنت! تذكر لماذا تفعل هذا!"
شجعه فزاعة وهو يضع يديه على رأس آرون.
لكن الألم ازداد، والصور أصبحت أكثر وضوحاً. رأى إليرا-سيربانيس واقفة في زقاق مظلم، تبتسم له ابتسامة مليئة بالشر.
"أنت ليّ... سأجعل منك جسداً ليّ..."
همس صوتها في رأسه.
سقط آرون على ركبتيه، يتلوى من الألم، بينما كان فزاعة يحاول أن يحميه بقواه السحرية. المعركة الحقيقية كانت قد بدأت، وكانت هذه المرة داخل عقله.
شقوق في جدار النسيان:
سقط آرون على ركبتيه في منتصف الدكان، رأسه يشتعل من الصداع الذي لا يحتمل. العالم من حوله بدأ يذوب في دوامة من الألوان والأصوات المشوهة. ثم سمع صوتاً أنثوياً قاسياً يهمس في أذنه من داخل رأسه.
"استسلم... لا فائدة من المقاومة... أنت ضعيف..."
كان صوت سيربانيس يتسلل إلى عقله كعقرب سام. لكن فجأة، انفتحت بوابة في ذاكرته المختومة.
رأى نفسه طفلاً صغيراً، جالساً في مكتبة فخمة، رجلاً وسيماً بشعر رمادي وعينين حادتين ينظر إليه بفخر وهو يقلب صفحات كتاب قديم. "هذه الكتب ستجعلك عظيماً يوماً ما، يا بني."
ثم ظهرت صورة أخرى: هو شاب يافع، يتدرب على حركات قتالية تحت إشراف نفس الرجل. "الخنجر ليس مجرد سلاح... إنه وعاء."
وانتقلت الصورة إلى منظر آخر: هو يقف مع فتاة جميلة بشعر بني طويل وعينين كهرمانيتين، يضحكان معاً تحت شجرة عملاقة. "عدني بأنك ستكون معي دائماً." كان الشعور بالحب قوياً وحقيقياً.
ثم القفزة الأخيرة: الرجل الوسيم يحمل الخنجر الذهبي، يواجه أفعى ضخمة تتلوى على تلة عالية. ضربة قاضية، صرخة الأفعى، ثم الظلام.
"ما هذه الصور؟ من أنا؟" صرخ آرون وهو يحاول التمسك بالواقع.
سيربانيس ضحكت في عقله. "ذكريات مزيفة! أوهام صنعتها لتخدع نفسك!" حاولت تشويه الصور: جعلت وجه الفتاة يتحول إلى جمجمة، والرجل الوسيم إلى وحش، ومشهد القتال إلى مذبحة.
لكن آرون تماسك. "لا... هذه حقيقية... أشعر بها!" استمد قوة من تلك الذكريات الغامضة. حب ذلك الرجل، مشاعر تلك الفتاة، إحساسه بالهدف. أغلق عينيه وصرخ من كل قلبه: "اخرجي من رأسي!"
انفجر ضوء أبيض في عقله، واختفت صوت سيربانيس مع صرخة غاضبة.
عاد إلى وعيه ملقى على أرضية الدكان، يتنفس بصعوبة. فزاعة كان جاثياً بجانبه، وجهه يعبر عن قلق حقيقي. "لقد انتصرت! لكن... لقد رأيت..." همس آرون وهو يلهث.
أخرج فزاعة ورقة صفراء من ثيابه. "اقرأ... يجب أن تقرأ هذه الآن."
أخذ آرون الورقة بيد مرتعشة. بدأ يقرأ الكلمات الغامضة، وصوته ضعيف لكنه ثابت. مع كل كلمة، كان يشعر بجزء من روحه يتمزق.
عندما انتهى، سمع صوت طرقة معدنية قوية، كما لو أن باباً حديدياً ضخماً قد أغلق في مكان ما في الكون. ثم انهار على الأرض من الألم، يشعر كأن ناراً تشتعل في عروقه.
لكن هذه المرة، لم يفقد الوعي تماماً. رأى شيئاً غريباً: فزاعة بدأ يتغير. جلده الرمادي المائل للزرقة أصبح أفتح لوناً، وعيناه العسليتان اكتسبتا بريقاً بشرياً أكثر.
"ماذا حدث لك؟" همس آرون متألماً.
ابتسم فزاعة ابتسامة حزينة. "الاختبارات... كل اختبار ينقلك خطوة للأمام... ويجعلني أنا أقرب إلى الإنسانية."
ساعد آرون على الجلوس. على الرغم من الألم الذي يشعر به، لاحظ أن قوته قد ازدادت. يمكنه الآن رؤية التفاصيل الدقيقة في الظلام، ويسمع همسات من الشارع بوضوح.
نظر إلى يديه، ثم إلى فزاعة الذي بدأ يبدو أكثر إنسانية. "من أنا حقاً يافزاعة؟ ومن يكون هذا الرجل في ذاكرتي؟"
لم يجب فزاعة، فقط هز رأسه بحزن. "ليس الآن... لم يحن الوقت بعد."
أغلق آرون عينيه، محاولاً التمسك ببقايا تلك الذكريات الغامضة التي أنقذته. لقد بدأ جدار النسيان يتشقق، والحقيقة تنتظر خلفه.