الفصل الثاني: بداية المغامرة
المختار والحارس:
استيقظ آرون على ألم خفيف في مؤخرة رأسه، وشعور بالارتباك يلفّ كيانه. فتح عينيه ببطء ليجد نفسه مستلقياً على سريره، بينما يجلس ذلك المخلوق الغريب ذو الجلد الرمادي على كرسيه، ينظر إليه بعينين عسليتين تلمعان بالمرح.
"أهلاً أيها النائم! لقد نمت كأنك أمير في قصة خرافية! هل كنت تحلم بأفاعي أم بمصابيح سحرية؟"
قال الجني بصوت عالٍ ومبهج، مما جعل رأس آرون تؤلمه أكثر. حاول الجلوس متكئاً على وسادته، بينما عيناه لا تفارقان ذلك الكائن الغريب.
"من أنت؟ وما الذي حدث بالضبط؟ أتذكر خنجراً... وضوءاً... ثم..."
"ثم سقوطاً درامياً مذهلاً! نعم، لقد شاهدت كل شيء! أنت تمتلك موهبة في السقوط يا صديقي!"
قفز الجني من على الكرسي وأخذ يمشي في الغرفة بطريقة استعراضية.
"دعني أقدم نفسي بشكل صحيح هذه المرة! أنا فزاعة! حارس الخنجر الذهبي، رفيق المختارين، ومُضحك المَلل! وأما أنت..."
توقف فجأة وأشار بإصبعه نحو آرون بشكل درامي.
"أنت المختار! نعم، المختار! الذي انتظرناه ثلاثة قرون!"
حدّق آرون فيه محاولاً فهم ما يقول، لكن عقله كان مشوشاً تماماً.
"مختار؟ ماذا تقصد؟ أنا فقط صانع مصابيح عادي!"
ضحك الجني ضحكة مكتومة.
"صانع مصابيح! هذه نكتة جيدة! نعم، وأنت أيضاً أمير مخفي وساحر مستقبلي وقاهر أفاعي! لكن دعنا نركز على الجزء الأخير!"
اقترب من السرير ونظر إلى آرون بجدية مشوبة بالسخرية.
"هناك خمسة عشر اختباراً يجب أن تجتازها. اختبارات خطيرة، مثيرة، ومليئة بالمفاجآت! مثل حفلة عيد ميلاد، لكن مع وحوش وسحر وأشياء قد تقتلك!"
"اختبارات؟ وحوش؟ هل أنت مجنون؟"
"كلا! أنا جني! وهذا أسوأ بكثير لأني أقول الحقيقة!"
قفز إلى الخلف وأخذ يبدأ بالطيران في الغرفة.
"اسمع، الأمر بسيط! هناك أفعى شريرة، ولعنة قديمة، وخنجر سحري. أنت البطل، وأنا المرشد في تلك الرحلة! معاً سنكسر اللعنة ونعيد الشمس إلى هذه المدينة الكئيبة، هل فهمت؟"
"الشمس؟ لكن المدينة بلا شمس منذ ثلاثمائة عام!"
"بالضبط! وهذا ممل جداً! أتريد أن تستمر في العيش في هذا الظلام إلى الأبد؟! بالطبع لا!"
جلس آرون على حافة السرير، يحاول أن يستوعب كل ما يسمع. كان الأمر يبدو كحلم غريب، لكن الألم في رأسه كان حقيقياً جداً.
"حتى إن صدقت ما تقوله... فلماذا أنا؟ لماذا يجب أن أفعل هذا؟"
توقف الجني عن حركته فجأة، ونظر إلى آرون بنظرة جادة.
"لأن الدماء التي سقطت على الخنجر كانت دماؤك. لأن الروح التي هربت كانت تنتظرك. ولأن..."
"ولأن ماذا؟"
"لأنك الوحيد الذي يمكنه صنع مصابيح تكفي لإنارة هذا الطريق الطويل!"
أشار إلى مصابيح الزيت المنتشرة في الغرفة، ثم ابتسم مرة أخرى.
"والآن، هل تريد سماع النكتة عن الجبنة المتعفنة؟ إنها طويلة بعض الشيء، لكنها مناسبة للوضع الحالي!"
فطيرة التفاح والنغزات الخفية:
لم يكن لدى آرون متسع من الوقت ليرد على نكتة الجني، إذ دق الباب بعنف وبسرعة.
"آرون! يا آرون! هل أنت موجود؟"
كان صوت جارته العجوز مارتا، حاداً ومقلقاً كما العادة. نظر آرون إلى الجني ذي الجلد الرمادي بذعر، وأشار إليه بسرعة أن يختبئ.
"اختبئ بسرعة! وراء الباب! ولا تصدر صوتاً!"
همس بهمسٍ مذعور. قفز الجني بمرونة مذهلة مختبئاً في الزاوية خلف الباب، متظاهراً بأنه ظلٌ بين الظلال. فتح آرون الباب ليجد مارتا واقفةً وهي تحمل طبقاً مغطى بقطعة قماش، تتصاعد منه رائحة التفاح والقرفة.
"آرون! لقد سمعت ضجيجاً في منزلك البارحة! هل كل شيء على ما يرام، يا بني؟"
قالت وهي تمد رقبتها محاولة النظر إلى الداخل. حاول آرون منعها بلطف، مبتسماً ابتسامة متكلفة.
"كل شيء بخير يا سيدة مارتا... مجرد... قطط! نعم، قطط مزعجة!"
"قطط؟ في منزلك؟ لكنك لا تربي قططاً!"
قالت وهي ترفع حاجبها بتشكك.
في تلك اللحظة، شعر آرون بنغزة خفيفة في ظهره. كان الجني يلوح له من خلف الباب بإصبعيه، مشيراً إلى الطبق في يد مارتا.
"خذ الفطيرة! خذها!"
همس الجني بهمسٍ خافتٍ سمعه آرون فقط. حاول آرون تجاهله، لكن النغزات استمرت.
"لقد أحضرت لك فطيرة التفاح... أنت نحيل جداً ولا تأكل جيداً!"
قالت مارتا وهي ترفع الغطاء عن الطبق، لتظهر فطيرة ذهبية شهية، تتصاعد منها أبخرة دافئة.
"شكراً لكِ... لكنني لست جائعاً حقاً... آه!"
تحدث وهو يشعر بنغزة أخرى أقوى في ظهره.
"خُذها! إنها تبدو رائعة!"
همس الجني مرة أخرى.
"ما بك يا ولدي؟ لماذا تتألم؟"
سألت مارتا وهي تنظر إليه بقلق.
"لا شيء! لا شيء! مجرد شد غبي في ظهري. سأخذ الفطيرة... شكراً جزيلاً لكِ..."
قالها وهو يأخذ الطبق بيد مرتعشة، محاولاً إخفاء تأثره من النغزات المتتالية.
"عليك أن تأكل جيداً! المدينة تحتاج إلى صانع مصابيحها!"
قالت مارتا وهي تهم بالمغادرة، ثم التفتت مرة أخرى.
"وتذكر ما قلته لك عن الوحوش القريبة من الجدار الشرقي! كن حذراً!"
"حسناً سأتذكر هذا جيداً. صحبتكِ السلامة سيدة مارتا."
أغلق آرون الباب بسرعة وهو يتنهد الصعداء، ثم التفت إلى الجني وهو غاضب.
"ماذا كنت تفعل؟ لقد كادت أن تراك!"
خرج الجني من مخبئه وهو يفرك يديه بحماس، عيناه تلمعان نحو الفطيرة.
"لكنها فطيرة تفاح! أنا لم أتذوق فطيرة منذ ثلاث قرون! هل تعرف كم هذا مأساوي؟"
أخذ الطبق من يد آرون المتشنجة ورفع الغطاء، شامّاً الرائحة بطريقة درامية.
"يا له من عبق! يا له من جمال! إنها تستحق كل تلك النغزات!"
جلس على الأرض وكأنه طفل، وأخذ يأكل بشراهة، بينما كان آرون ينظر إليه محاولاً فهم كيف أصبح هذا الكائن الغريب جزءاً من حياته فجأة.
"رباه... كيف أصبح هذا الكائن جزءاً من حياتي؟!"
أول الاختبارات:
جلس الجني فزاعة على الأرض، يلتهم فطيرة التفاح بشهيةٍ تليق بجنيٍ جائعٍ لم يأكل منذ قرون. كان يغمغم بين اللقمات بكلمات غير مفهومة، بينما كان آرون واقفاً ينظر إليه بحيرةٍ ودهشة.
"هممم! ما ألذّ طعم هذه الفطيرة! يا له من نعيم!"
قال فزاعة وهو يلعق أصابعه بدقة، ثم نظر إلى آرون الذي كان شاحباًَ كالشفق.
"الآن، أيها الصديق الوسيم، حان وقت العمل! يجب أن نجهز أنفسنا للذهاب إلى الجدار الشرقي!"
ارتعب آرون من هذه الفكرة، وتذكر تحذير مارتا.
"الجدار الشرقي؟ ألم تسمع مارتا؟! هناك وحوش! هذا جنون! أنا لست محارباً!"
قفز فزاعة إلى قدميه بمرونةٍ مذهلة، ومسح بقايا الفطيرة عن فمه.
"بالضبط! لهذا ذهبت الوحوش إلى هناك! لأنها تعلم أنك لست محارباً! لكنها لا تعلم أنك... المختار!"
أشار بإصبعه إلى صدر آرون بشكل درامي.
"الوحوش هي خدام الأفعى سيربانيس، وقد أرسلتهم لتمنعك من بدء رحلتك! لكن لا تقلق! أنا هنا لمساعدتك!"
"لا أفهم! لماذا يجب أن أفعل هذا؟ أنا لا أريد أن أكون مختاراً!"
تغيرت تعابير وجه فزاعة فجأة، وأصبحت حادة.
"اسمع يا آرون، الأمر ليس خياراً بعد الآن . عندما سقطت دماؤك على الخنجر، انكسر الختم. روح الأفعى حرة الآن، وستبدأ بقتل أهل المدينة واحداً تلو الآخر إن لم تواجهها."
"قتل أهل المدينة؟ لكن..."
"نعم! ستبدأ بجارتك العجوز مارتا! ثم الخباز وأسرته! ثم الأطفال! كل من تحبهم سيموتون!"
قالها فزاعة بنبرةٍ حادة يشوبها الحزن، ثم أضاف:
"الاختبار الأول هو مواجهة هذه الوحوش. إنه اختبار جسدي، لترى قوتك الحقيقية. أنت لست مجرد صانع مصابيح، يا آرون. لديك قوةٌ داخلك لم تكتشفها بعد."
"قوة؟ أي قوة؟ كل ما فعلته البارحة كان مجرد صدفة!"
"الصدفة لا توجد في قاموس السحر! أنت ابن..."
توقف فزاعة فجأة، وكأنه كاد أن يقول شيئاً لا ينبغي يقوله.
"أنت ابن هذه المدينة! وهذا يكفي! والآن، هل ستجلس هنا تنتظر موت جيرانك، أم ستقاتل من أجلهم؟"
نظر آرون إلى يديه المرتعشتين، ثم إلى مصابيحه المنتشرة في الغرفة. تذكر وجوه الناس الذين يعرفهم، الأطفال الذين يمرون بدكانه، العجوز مارتا التي تحضر له الطعام.
"حسناً... ماذا يجب أن أفعل؟"
ابتسم فزاعة ابتسامة عريضة، وعاد بريقه المضحك.
" كنت أعلم أنك ستوافق! الآن، استعد! سآخذك في جولةٍ إلى الجدار الشرقي... مع بعض المفاجآت!"
أخرج من جيبه خريطة قديمة ملفوفة، وبدأ يشرح بحماسٍ بينما كان آرون يستعد لأخطر يوم في حياته.
التحضير للمواجهة:
فرد فزاعة الخريطة القديمة على الطاولة، وهي تتصدع من القِدم. أشار بإصبعه إلى منطقة خارج الجدار الشرقي للمدينة.
"هنا ستجدهم! ثلاثة من أغرب المخلوقات وأكثرها شراً!"
نظر آرون إلى الخريطة ثم إلى فزاعة، عيناه تتسعان رعباً.
"ثلاثة؟ وكيف سأواجه ثلاثة؟"
"بشجاعة! وبعض المساعدة من صديقك الجني!"
قال فزاعة وهو يرفع إصبعه في الهواء بشكل درامي.
"هذه المخلوقات تسمى عُدار العيون، لكل منها ثمانية أذرع، كل ذراع كالإبرة العملاقة، ورأسها بها عين واحدة كاللؤلؤة السوداء! مهمتك هي قتلها وأخذ عيونها!"
"عيونها؟ لماذا؟"
"لأنها مفتاح الاختبار الثاني! ولأنها تحمل قوة سحرية، ستساعدنا في الرحلة القادمة!"
همس آرون لنفسه وهو يرتعش:
"كيف أقتل مخلوقاً بهذه الضخامة؟ أنا لا أملك حتى سيفاً! أضف الى ذلك كيف سنصل الى هناك؟"
قفز فزاعة في الهواء دار دورتين كاملتين.
"لا تقلق! لدي الحل!"
وقف فجأة وأغلق عينيه، وبدأ يتمتم بكلمات سحرية. بدأ جسده يتوهج بضوء ذهبي، ثم بدأ يتحول ويتشكل. انكمش حجمه، واستطال، وتحول إلى بساط سحري متقن الحياكة، تزينه رسومات غريبة وعينان كبيرتان في مقدمته.
"يا له من منظر! لم أرَ شيئاً كهذا من قبل!"
قال آرون مندهشاً.
"أسرع! اركب علي! الطريق طويل والوقت ثمين!"
قال البساط بصوت فزاعة المألوف، لكنه بدا كأنه يأتي من كل اتجاه.
صعد آرون على البساط بتردد، ممسكاً بحافته بشدة.
"هل هذا آمن؟"
"آمن أكثر من البقاء هنا! استعد وتمسك جيداً!"
انطلق البساط فجأة من النافذة المفتوحة، محلقاً في سماء المدينة المظلمة. كان آرون ممسكاً بقوة، قلبه يدق كالطبل.
"انظر إلى الأسفل! هذه هي مدينتك من الأعلى!"
قال البساط وهو يحلق في الهواء.
رأى آرون بيوت شادوماير المتواضعة، والمصابيح الصغيرة التي تنير الشوارع، والناس الذين يبدون كالنمل من هذا الارتفاع.
"كم هي صغيرة! لكنها معتمة!"
همس لنفسه.
"ستصبح أكبر وأكثر إشراقاً عندما نكسر اللعنة! الآن استعد! نحن نقترب من الجدار الشرقي!"
بدأ البساط ينزل بسرعة، متجهًا نحو منطقة صخرية وعرة خارج أسوار المدينة. كانت الرياح تعصف بهم، والظلام يزداد كثافة.
"هناك! أراهم! ها هم الثلاثة! استعد للمواجهة أيها المختار!"
صاح البساط وهو يستعد للهبوط.
نظر آرون إلى الأمام فرأى ثلاثة ظلال عملاقة تتحرك في الظلام، أذرعها الإبرية تلمع في ضوء القمر الخافت.
"يا إلهي! إنها أكبر مما تخيلت!"
"تذكر! العيون اللؤلؤية! هذه هي المهمة!"
قال البساط وهو يهبط بسلاسة على الأرض الصخرية.
تحول البساط فجأة إلى فزاعة مرة أخرى، واقفاً بجانب آرون المرتعش.
"حان وقت الشجاعة يا صديقي! أخرج الخنجر! فهو سلاحك الوحيد الآن!"
أخرج آرون الخنجر الذهبي من حزامه، وكان يتوهج بضوء خافت.
"أنا خائف يا فزاعة!"
"الخوف طبيعي! لكن الثقة في نفسك أقوى! تذكر أنك لست وحدك!"
قال فزاعة وهو يضع يده على كتف آرون.
تقدموا نحو الظلال العملاقة، والرياح تعوي حولهم كأنها تحذرهم من الخطر.
اختبار الألم:
اندفع آرون نحو الوحوش العملاقة، الخنجر الذهبي الصغير في يده يلمح في الظلام. لكن المخلوقات كانت أسرع مما توقع. ضربة قوية من أحد الأذرع الإبرية ألقت به بعيداً، ارتطم بصخرة كبيرة وسقط على الأرض يتألم.
"انتبه! إنها قوية!"
صاح فزاعة من بعيد، لكنه لم يتدخل، عيناه تراقبان بقلق.
"حقاً؟! كان عليك قولها قبل ان اتحرك!"
همس آرون وهو ينهض متثاقلاً، دماء تسيل من جبينه. حاول مرة أخرى، لكن ذراعاً أخرى ضربته بقوة، رمته في الهواء ليرتطم مرة أخرى بالصخور. سمع صوت كسر ضلعٍ في جسده، وأحس بألمٍ مبرح.
"سيف... أحتاج إلى سيف! هذا الخنجر صغير جداً!"
صرخ وهو يتدحرج لتجنب ضربة ثالثة.
فزاعة الذي كان يراقب من مكان آمن، نظر إليه بجدية.
"تمنى... تمنى بقوة أن يصبح الخنجر سيفاً، فهو يستجيب لرغبات قلبك."
أغلق آرون عينيه وهو يتألم، وتمنى بأقصى ما يستطيع.
"أتمنى... أتمنى أن يصبح سيفاً!"
في لحظة، بدأ الخنجر الذهبي يتوهج بشكل ساطع، ثم استطال وتشكل ليصبح سيفاً لامعاً بمقبض منحوت عليه تلك الرموز الغريبة نفسها.
"مذهل!"
همس آرون وهو يمسك بالسيف، يشعر بقوة جديدة تتدفق في يديه.
عاد إلى القتال، هذه المرة بثقة أكبر. كان يتحرك بسرعة غير معتادة، يتفادى الضربات ويوجه ضرباته بدقة. السيف كان يقطع الأذرع الإبرية كما لو كانت أغصاناً يابسة.
وحدها العين اللؤلؤية السوداء في رأس كل وحش هي التي قاومت السيف. اقترب من أول وحش، ورفع السيف ليضرب، لكن الوحش هجم عليه بكل قوته. أحد الأذرع الإبرية توجهت مباشرة نحو صدر آرون.
"لا!"
صاح فزاعة من بعيد.
لكن شيئاً غريباً حدث. قبل أن تخترق الإبرة جسد آرون، توقفت فجأة في الهواء، كما لو أن قوة خفية أوقفتها. نظر آرون إلى الإبرة المتوقفة، مندهشاً، لكنه لم يتردد. ضرب برأسه الوحش بقوة، فسقط على الأرض.
"الآن! اضرب العين!"
صاح فزاعة.
غرس آرون السيف في العين اللؤلؤية، فانفجر الوحش الى اشلاء. كرر الأمر مع الوحشين الآخرين، وكانت كل عين تتحول إلى لؤلؤة صغيرة تتوهج بضوء خافت بعد القتل.
بعد انتهاء المعركة، سقط آرون على ركبتيه، متعباً ومجرحاً. جمع العيون اللؤلؤية الثلاث بيد مرتعشة.
"لقد فعلتها! لقد نجحت!"
قال وهو يتنفس بصعوبة.
اقترب فزاعة منه، مبتسماً لكن بعينين جادتين.
"الآن يأتي الجزء الصعب!"
أخذ العيون اللؤلؤية من يد آرون، ثم غمس أصابعه في دم الوحوش الأسود الذي كان يتدفق على الأرض. برسم بإصبعه الدموي رمزاً غريباً ومعقداً على جبين آرون المتعرق.
"ماذا تفعل؟"
سأل آرون وهو يحس بحرارة الرسمة على جبينه.
"هذا رمز القبول! والآن، خذ هذه الورقة! واقرأ ما عليها!"
أعطاه ورقة قديمة عليها كلمات غريبة.
بدأ آرون يقرأ الكلمات، وصوته يرتجف من الألم والتعب. مع كل كلمة، كان الرسم على جبينه يتوهج أكثر.
عندما انتهى من القراءة، سمع صوت طرقة معدنية قوية، كما لو أن باباً حديدياً ضخماً قد أغلق في مكان ما.
ثم جاء الألم.
ألم مبرح كما لو أن روحه تتمزق من جسده. سقط على الأرض يتلوى، صارخاً من شدة العذاب. كل جرح في جسده كان يحترق، وكل عظمة كانت تتكسر.
"ما هذا؟ ماذا يحدث؟"
صاح وهو يتقلب على الأرض.
"هذا ثمن النصر! هذا هو الاستنزاف!"
قال فزاعة بصوت حزين، وهو ينظر إليه بعينين دامعتين.
استمر الألم يزداد، حتى لم يعد آرون يستطيع التحمل. صرخة أخيرة، ثم فقد وعيه، جسده مغطى بالدماء والعرق، والرسمة على جبينه لا تزال تتوهج في الظلام.