تحقق الحلم
اتجه أحمد نحو منزله وقد بلغ من الإرهاق مبلغه، لكنه كان يركض تقريبًا، كأن قدميه تسابقان قلبه.
وقف أمام الباب الخشبي القديم، تنفس بعمق، ثم مد يده ودق الجرس ثلاث دقات متتالية، حادة، متسارعة.
فتح الباب، وخرجت أمه. وقفت أمامه، وقد شاب شعرها قليلاً، وكانت عيناها تحملان دهشة لا تُوصف، كأنها ترى شبحًا عاد من عالم آخر.
تجمد لسان أحمد للحظات طويلة، ثم انفجر قلبه بكلمة واحدة خرجت مكسورة، كأنها كانت محبوسة في صدره ثلاث سنوات كاملة:
«أمي...»
نظرت إليه أمه، فسالت دموعها على الفور، ثم اندفعت نحوه وعانقته بعنف، كأنها تخشى أن يختفي مرة أخرى. أما أحمد، فقد ظل واقفًا مصدومًا، لا يدري أهذا حلم يعيشه أم أنه عاد بالفعل إلى منزله وإلى أمه.
دخل أحمد البيت مسرعًا، ثم توجه إلى غرفته القديمة. جلس على حافة السرير، وبدأ يروي لأمه كل ما حدث له. حكى لها عن كوكب المريخ الأحمر، وعن صديقه سبعة عشر، وعن كيف أصبح قائدًا عسكريًا بين «الأرقام». استمر الحديث طويلاً، حتى حل الظلام وغرقت الغرفة في ضوء المصباح الخافت.
نظرت إليه أمه طويلاً، وعيناها تفيضان بالدهشة والقلق معًا. مدّت يدها المرتجفة قليلاً ووضعتها على وجهه، كأنها تتأكد من أنه حقيقي. ثم قالت بصوت هادئ يحمل حنان الأمومة وخوفًا خفيًا:
«يا ولدي… يا أحمد، غبتَ عني ثلاث سنوات كاملة، وها أنت الآن تجلس أمامي تحكي لي عن كوكب أحمر، وعن صديق لك يُدعى سبعة عشر؟
أنا خائفة عليك يا بني… هل أنت بخير حقًا؟ هل حدث لك شيء هناك؟ هل أنت متأكد أنك سالم تمامًا؟»
نظر أحمد إليها بحزن عميق، وقال في نفسه: «توقعتُ أنها لن تصدق». ثم ابتسم ابتسامة باهتة وقال لها:
«كنتُ أمزح معك يا أمي… هذا فيلم رأيته من قبل، ورويتُ لك القصة فقط لأسليكِ.»
قالت الأم بهدوء:
«حسنًا يا بني، اذهب إلى النوم الآن، يبدو عليك التعب الشديد… فأنت قادم من رحلة طويلة في كوكب آخر.»
قال أحمد إنه سيجلس قليلاً في الشرفة. ذهب إليها، وحين أيقن أن أمه قد خلدت إلى النوم، أخرج الجهاز الفضائي، ووجهه نحو القمر، ثم همس:
«سبعة عشر… هل تسمعني؟»
جاء الرد فورًا:
«نعم، أسمعك يا صديقي. كيف حالك الآن؟ وكيف تأقلمت مع الكوكب المدمر؟»
أجاب أحمد:
«الكوكب ليس مدمرًا.»
سأل سبعة عشر بدهشة:
«كيف ذلك؟ ألم ترَ النيزك يسقط عليه؟»
رد أحمد بصوت منخفض:
«لا أعلم… لا أعلم كيف.»
قال سبعة عشر:
«على أي حال، الحمد لله أنك بخير.»
أنهى أحمد الحديث قائلًا:
«سأخلد إلى النوم الآن، فأنا متعب جدًا.»
رد سبعة عشر:
«إلى اللقاء يا صديقي.»
وفي الصباح التالي، اتجه أحمد إلى منزل خطيبته هاجر. ما إن رأته حتى بكت بحرقة وقالت له:
«علمتُ أنك ستعود.»
نظر إليها أحمد وقال بهدوء:
«وفيتُ بوعدي… عدتُ سالماً.»
قالت هاجر وهي غاضبة:
«ولماذا تأخرت ثلاث سنوات كاملة؟ كان أبي يريد أن يزوجني لجارنا يوسف بعد أن تقدم لخطبتي، لكني رفضت. قال لي إنك لن تعود أبدًا، لكني لم أصدقه.»
اعتذر أحمد لها بحرارة، ثم تحدث مع أبيها واعتذر له أيضًا عن التأخر الطويل، وأخبره أن السفينة التي كان يستقلها قد دُمرت.
حددا موعد الزواج بعد أسبوع واحد فقط.
ودع أحمد أمه قبل أن يذهب، وأخبرها أنه يجب أن يتوجه إلى الوكالة الفضائية ليخبرهم بكل ما حدث على المريخ. حزنت أمه كثيرًا وقالت له بصوت مكسور:
«ألا تتغيب ثلاث سنوات أخرى يا بني؟ انتبه لنفسك يا ولدي… عمري أوشك على النفاد.»
نظر أحمد إليها بحزن عميق وقال:
«سأعود قريبًا… لن أغيب هذه المرة.»
ذهب أحمد إلى الوكالة الفضائية وروى لهم كل ما حدث. كما توقع، لم يصدقه أحد. فاضطر أن ينتظر قدوم الليل ليثبت لهم وجود سبعة عشر من خلال الجهاز.
لكن حين حل الظلام ووجه الجهاز نحو القمر… لم يخرج أي صوت.
اكتشف أحمد في تلك اللحظة أن المريخ قد دُمر بالفعل بنيزك سقط عليه. وبالطبع لم يصدقه أحد في الوكالة.
قدم استقالته في الحال، وعاد إلى المنزل حزينًا. جلس ينظر إلى السماء وقال بصوت خافت:
«إلى اللقاء يا سبعة عشر… لا يهم إن صدقني أحد أم لم يصدق.»
وأثناء شروده في السماء، لاحظ نيزكًا عملاقًا يقترب من الأرض بسرعة مرعبة. امتلأت عيناه بالخوف، وهمس بصوت مكسور:
«حسنًا… إنها النهاية.»
سقط النيزك على الأرض، فدمرها تمامًا.
كان حلمه أن يُدفن على الأرض… وقد تحقق حلمه بالفعل.
دُفن أحمد في الأرض مع عائلته.
النهاية