رحلة العودة
وقف أحمد أمام سبعة عشر للمرة الأخيرة. نظر إليه طويلاً، ثم رفع عينيه نحو بقية «الأرقام» الذين وقفوا صامتين في الخلفية. تنهد بعمق، وقال بصوتٍ واضح يحمل في طياته امتنانًا صادقًا:
«إلى اللقاء يا كوكب الأرقام… وشكرًا لكم جميعًا على استضافتكم لي. لن أنسى ما قدمتموه لي أبدًا».
ثم صعد إلى المركبة ببطء. كان معه المؤن الضرورية التي قد تكفيه طوال الرحلة الطويلة. قبل أن يغلق باب المركبة، التفت للمرة الأخيرة، ونظر إلى الكوكب الأزرق الذي كان يتوهج في الأفق كأنما يحتفل بقدومه.
ظلت المركبة تحلق في أعماق الفضاء لأشهر طويلة.
كانت الوحدة تُطبق على صدر أحمد كجبل ثقيل، لكنه كان يمسك بأملٍ دقيق: أمل وجود أحياء على الأرض. كان يتذكر وعده لهاجر بأنه سيعود سالماً، ويبدو أنه سيفي بهذا الوعد أخيرًا. لكنه كان يعرف في قرارة نفسه أن «هيه» لن تكون هناك في انتظاره.
وتذكر أمه.
تذكر اليوم الذي أخبرها فيه أنه سيعمل في وكالة ناسا الفضائية. ظهرت على وجهها ملامح مختلطة من السعادة والقلق الشديد. طمأنها يومها قائلًا: «لن أتأخر… سأعود قريبًا». ومنذ ذلك الوعد مرت ثلاث سنوات كاملة، ولم يعد. وحين يعود الآن… لن يجدها.
بينما كان أحمد غارقًا في شروده، مرت المركبة فجأة بحزام نيزكي صغير. بدأت الصخور الصغيرة تتصادم بالمركبة بقوة. حاول أحمد المناورة بسرعة ليبتعد، لكنه ابتعد متأخرًا. اهتزت المركبة بعنف، وتعطل النظام المسؤول عن ربط الكابينة الرئيسية بباقي الهيكل. كادت الكابينة أن تنفصل تمامًا.
ارتدى أحمد بدلته الفضائية بسرعة، وخرج إلى الفراغ الخارجي. قضى ساعات طويلة في محاولة إعادة ربط الكابينة بباقي المركبة، وسط البرد القارس والخطر الداهم. نجح أخيرًا بعد عناء شديد، ثم عاد إلى داخل المركبة منهك القوى. ما إن خلع البدلة حتى سقط على الأرض مغشيًا عليه من شدة الإرهاق.
استيقظ بعد ساعات، فرأى الكوكب الأزرق يقترب أكثر فأكثر. لكن المركبة، بسبب الأعطال الكثيرة، لم تتحمل الاحتكاك بالغلاف الجوي. بدأت تسقط بسرعة مرعبة. حاول أحمد السيطرة عليها بكل ما أوتي من قوة، لكنه فشل. كل ما استطاع فعله أن يوجه المركبة لتنجرف باتجاه البحر الأبيض المتوسط.
سقطت السفينة في مياه البحر بقوة هائلة. فقد أحمد وعيه على الفور.
استيقظ على شاطئ مدينة الإسكندرية.
كانت الصدمة كبيرة. لم يجد المدن المحروقة، ولا الجو الملوث، ولا الصمت المرعب الذي تخيله طوال الرحلة. بل وجد حياة. حياة حقيقية. أصوات، أضواء بعيدة، ورائحة البحر المألوفة.
لم يفكر أحمد كثيرًا في كيفية ذلك.
كان سعيدًا. سعادة غامرة، عميقة، طاغية. بدأ يسير باتجاه منزله القديم، وقد غمره شعور بالفرح يفوق كل وصف. كل خطوة كانت تبتعد به أكثر عن الكوكب الأحمر، وتقربه من ما ظن أنه وطنه.
لكن في أعماق نفسه، كان السؤال يتردد بهدوء مرعب:
هل ستدوم هذه السعادة؟
أم أنها ستتحول قريبًا إلى ندمٍ مر؟