الفصل الخامس لقاء زرقاء
*الفصل الخامس: دمعة زَرْقَاء*
ساد الصمت بعد همسة زَرْقَاء الأخيرة، لكنه لم يكن صمتاً ثقيلاً هذه المرة. كان صمت ترقب، كأن البرج كله حبس أنفاسه ينتظر ما سأقوله. نظرت إلى دمعتها الزرقاء التي سقطت في البحيرة السوداء. الدوائر التي أحدثتها لم تختفِ، بل بقيت تتسع، وكل دائرة تمر على سطح الماء الأسود تحوله إلى أزرق شفاف للحظة ثم يعود أسود من جديد. كأن البحيرة تقاوم النور.
قلت وأنا لا أزال راكعة على حافة البحيرة: "أرسلتها لي لأن قريتي تموت عطشاً. لأن أمي يكسر ظهرها الدلو كل فجر. لأن النبع هنا مريض، والغيم في السماء يحتضر. أرسلتها لأنكِ تريدين أن تتذكري." ارتجف جناح زَرْقَاء المكسور. حاولت أن ترفعه لكنها تألمت وأطلقته أنة جعلت الجدران تهتز. قالت بصوت أكثر وضوحاً: "أتذكر الألم فقط. أتذكر اليوم الذي صعد فيه البشر إلى قمتي. لم يأتوا بالماء أو بالشكر. جاءوا بالفؤوس والشباك. أرادوا ريشي ليصنعوا منه تعاويذ، ودمعي ليبيعوه في قوارير. صرخت، فهربوا. لكنني منذ ذلك اليوم وأنا أسمع وقع أقدامهم في رأسي. خفت... فاختبأت. وكلما بكيت من الخوف، صار دمعي أسود. لأن الحزن وحده لا يصنع مطراً، الخوف يسممه."
فهمت الآن. المطر الأسود لم يكن مرضاً، كان خوفاً. خوف طائر أسطوري من البشر الذين جرحوه. تقدمت خطوة، فلامست قدمي حافة البحيرة. كان الماء الأسود بارداً كالثلج، ويحرق. لكنني لم أتراجع. قلت لها: "أنا لا أريد ريشك. ولا أريد دمعكِ في قارورة. أريد فقط أن تعود أرضي خضراء، وأمي تضحك وهي تسقي الزرع. الناس في قريتي لا يعرفون حتى أنكِ موجودة. هم يصلون للمطر، لا يصطادونه." أخرجت كرة النور الذابلة التي أعطانيها رَذاذ. رفعتها بيدي الأخرى. "هذا من طفل اسمه رَذاذ. يعيش على غيمة صغيرة تكاد تختفي. أعطاني نوره كله وقال لي أن أعطيه لكِ. هو أيضاً خائف، لكنه لا يزال يصدق أنكِ ستعودين."
نظرت زَرْقَاء إلى كرة النور. لأول مرة، حركت رأسها الضخم بفضول. مدّت منقارها ببطء ولمست الكرة لمسة خفيفة. فور أن لمستها، توهجت الكرة بقوة، وانفجر منها نور أبيض صافي ملأ الغرفة كلها. النور بدد الظلام، وللحظة رأيت زَرْقَاء على حقيقتها. ريشها لم يكن أسود، بل أزرق داكن تحت طبقة سميكة من المطر الأسود المتجمد. كان الجليد الأسود يغطيها كقشرة. صرخت زَرْقَاء صرخة لم تكن نواحاً هذه المرة، بل ألماً. النور يحرق الجليد الأسود على ريشها. تساقطت قطع منه في البحيرة وأحدثت بخاراً كثيفاً.
سقطت على الأرض من قوة النور، وحجبت عيني بذراعي. عندما فتحتهما، كانت الغرفة قد تغيرت. الجليد الأسود بدأ يذوب من على جدران البرج، والمطر الذي ينزل من الدوامة صار رمادياً، ثم أبيض، ثم... توقف. ساد سكون غريب. لا ريح، لا مطر، لا نواح. نظرت إلى زَرْقَاء. كانت لا تزال جاثمة، لكن جزءاً من جناحها صار أزرق، لونه كالسماء بعد العاصفة. تنفست بصعوبة وقالت: "النور... يؤلم. الخوف متجمد عليّ منذ عشرين موسماً. لا أستطيع كسره وحدي."
وقفت واقتربت أكثر حتى كاد يلامس ثوبي الماء. مددت يدي المرتجفة ولمست طرف جناحها الأزرق. كان دافئاً. قلت لها: "لن تكسريه وحدكِ. أنا معكِ. كلنا ننتظركِ في الأسفل. حتى لو كنا لا نعرف اسمكِ، نحن ننتظر خيركِ." وضعت الريشة الزرقاء على الجليد الأسود الذي لا يزال يغطي صدرها. توهجت الريشة، وبدأ الجليد يتشقق من حولها كخطوط من نور. همست زَرْقَاء: "احكي لي عن قريتكِ يا سلمى. احكي لي لماذا يجب أن أتذكر."
جلست على حافة البحيرة، وبدأت أحكي. حكيت لها عن رائحة الخبز في الصباح، عن صوت أمي وهي تغني لنا لننام، عن ضحكة إخوتي وهم يلعبون بالتراب، عن الأرض المتشققة وكيف أضع يدي عليها وأتخيلها خضراء. مع كل كلمة، كانت شقوق النور في الجليد تكبر، وقطعة سوداء تسقط. ومع كل قطعة تسقط، كانت دوائر النور في البحيرة تبقى ولا تختفي.
عندما انتهيت، كان نصف جسد زَرْقَاء قد عاد أزرق. رفعت رأسها عالياً لأول مرة، وفردت جناحها السليم. الريش الأزرق تحرك، وأحدث نسمة هواء نظيفة في الغرفة لأول مرة. نظرت إليّ بعينها التي عاد إليها بعض الذهب وقالت: "تذكرت. تذكرت أن المطر لا يُصنع بالخوف، بل بالعطاء. وتذكرت أنني لست وحدي." ثم أغمضت عينيها، وأخذت نفساً عميقاً هز البرج كله.