الفصل الثالث طريق الى المطر الدائم
*الفصل الثالث: الطريق إلى مدينة المطر الدائم*
لم أنم تلك الليلة. لم يكن هناك ليل أصلاً، فقط خيط الفجر الذهبي صار أعرض، والسماء البنفسجية صارت أفتح. كنت أجلس على عتبة بيت الحكايات، والريشة الزرقاء في يدي لا تتوقف عن بث دفئها. خرجت السيدة نَسْمة عند الفجر، تحمل صرة صغيرة من قماش شفاف. قالت: "هذا زادكِ. ثلاث قطع من خبز الغيم، لا تشبع الجسد، بل تشبع الروح إن خارت قواكِ. وقارورة من دمع زَرْقَاء، آخر ما بقي من دموعها قبل أن تصمت. قد تحتاجينه." أخذت الصرة وعلقتها على كتفي. كانت خفيفة كأنها فارغة، لكنني شعرت بثقلها في قلبي. جاء رَعّاد وهو يقود مخلوقاً لم أره من قبل. كان يشبه الحصان، لكن جسده مصنوع من ضباب كثيف، وعرفه وذيله من خيوط المطر الفضي. عيناه كانتا برقتين صغيرتين. قال رَعّاد وهو يربت على عنق المخلوق: "اسمه بَرْق. هو من خيول الريح. لن يستطيع أحد الوصول إلى مدينة المطر الدائم مشياً. الريح هناك تمزق كل من هو بطيء." اقتربت من بَرْق بحذر، فمد رأسه ولمس كفي بأنفه البارد. شعرت برعشة تسري في ذراعي، ثم هدوء. همس الطفل الصغير الذي قابلته أول مرة، وكان يختبئ خلف نَسْمة: "هل ستعودين يا بنت الأرض؟" انحنيت لمستواه وقلت له: "ما اسمك؟" أجاب بخجل: "رَذاذ." ابتسمت له: "سأعود يا رَذاذ. أعدك أنني سأحاول. وعندما أعود، ستكبر غيمتك من جديد." أعطاني رَذاذ كرة النور الذابلة التي كانت في يده. كانت بالكاد تلمع. قال: "خذيها. ربما تحتاجها زَرْقَاء لتتذكر." وضعت الكرة الصغيرة مع الريشة في الصرة. صعدت على ظهر بَرْق. كان ظهره طرياً كالسحاب، لكنه ثابت. رفعت نَسْمة عصاها الفضية ورسمت في الهواء دائرة. انشق الضباب أمامنا، وظهر طريق من خيوط متشابكة يمتد بين السحب نحو الأفق المظلم، حيث كانت الدوامة السوداء التي رأيتها من قبل تكبر. قالت نَسْمة: "اتبعي الطريق، ولا تنظري للخلف. وعندما يبدأ المطر الأسود، أغمضي عينيكِ و امسكي الريشة بقوة. هي وحدها ستذكركِ من أنتِ."
انطلق بَرْق. لم يركض، بل طار. حوافره لم تلمس طريق الخيوط إلا لمساً خفيفاً. كان الهواء يصفر حولي، والسحاب يمر من تحتنا كبحر أبيض هائج. كلما اقتربنا من الدوامة السوداء، تغير لون السماء. الزرقة اختفت، وحل محلها رمادي ثقيل كالرصاص. وبدأت أسمع الصوت. صوت بكاء. ليس بكاء إنسان، بل بكاء الريح نفسها. نواح طويل، متصل، يمزق القلب. ثم بدأ المطر. لم يكن ماء. كان قطرات سوداء، ثقيلة، كالحبر. تسقط ببطء متعمد. سقطت أول قطرة على كمي، فشعرت ببرودة غريبة، وبهت لون القماش مكانها. والأخطر، شعرت بذكرى صغيرة تتلاشى من رأسي. ذكرى وجه أمي وهي تبتسم. تذكرت كلام نَسْمة. أغمضت عيني بقوة، وأخرجت الريشة الزرقاء من الصرة وضممتها إلى صدري. فوراً، توقف التلاشي. الريشة توهجت، وأحاطتني هالة زرقاء خفيفة. قطرات المطر الأسود صارت تتبخر قبل أن تلمسني.
فتحت عيني. كنا قد دخلنا مدينة المطر الدائم. لم تكن مدينة كما تخيلتها. كانت أبراجاً عالية من حجر أسود مبلل، بلا نوافذ، بلا أبواب. الشوارع من سحاب رمادي متكتل، والمطر الأسود لا يتوقف. لا أحد يسير في الشوارع. صمت مطبق لا يكسره إلا نواح الريح، وصوت المطر وهو يضرب الأرض. في قلب المدينة، كان هناك برج هو الأعلى، والأكثر ظلمة. كان مائلاً قليلاً، كأنه يحمل حزن العالم كله على كتفه. ومن قمته، كانت الدوامة السوداء تخرج، تبتلع نور السماء. همس بَرْق بصوت كحفيف الريح، وكان أول مرة أسمعه يتكلم: "هناك... في ذلك البرج. زَرْقَاء تنتظر في أعلاه. لكن احذري يا ابنة الأرض. الحزن حين يكبر، يصبح له أسنان." ترجلت عن ظهر بَرْق. خطوت خطوة على الأرض الرمادية. كانت لزجة، وتتشبث بقدمي. نظرت إلى أعلى البرج. الطريق طويل، ومظلم، والريح تبكي.