الفصل الاول الباب الدي لا يراه احد
*الفصل الأول: الباب الذي لا يراه أحد*
اسمي سلمى، و أبلغ من العمر ثلاثة عشر عاماً.
لستُ ساحرة، ولستُ أميرة من القصص القديمة.
أنا مجرد فتاة من قرية "تَاسْغِيمت" المحاصرة بين جبال الأطلس.
قريتنا جميلة، لكنها عطشى.
البئر الذي نشرب منه يجف كل صيف، وأمي تذهب فجر كل يوم لتجلبه من العين البعيدة.
في ذلك اليوم، كان الخريف قد بدأ لتوه.
كانت السماء صافية، و لونها أزرق لا تشوبه شائبة.
أرسلتني أمي لأجمع بعض الحطب قبل أن يبرد الجو.
صعدت الجبل الذي أحفظ كل صخرة فيه، حتى وصلت إلى صخرة "المتكئ"، وهي صخرتي المفضلة لأستريح.
جلست وأسندت ظهري إليها، ورفعت وجهي إلى السماء.
حينها رأيته.
في البداية ظننت أنني أتخيل.
فركت عينيّ بقوة.
لكنه كان هناك: باب.
باب خشبي ضخم، عتيق، تملؤه النقوش، معلق في الفراغ بين سحابتين.
لا جدار يسنده، لا بيت يحتضنه.
مجرد باب وحيد في كبد السماء.
كان موارباً قليلاً، وينبعث من الشقّ نور ذهبي دافئ، ونسيم يحمل رائحة المطر رغم أن الجو جاف.
قلبي بدأ يخفق بعنف.
هل أصرخ؟
هل أهرب؟
هل أخبر أحداً؟
لكن من سيصدقني؟
وقفت على أطراف أصابعي و التقطت حجراً صغيراً.
رميته بكل قوتي نحو الباب.
الحجر لم يسقط إلى الأرض.
بل طار إلى الأعلى، ودخل من شق الباب، واختفى كما لو أن السماء ابتلعته.
شعرت بدوار.
اقتربت أكثر حتى صرت تحته مباشرة.
مددت يدي المرتجفة ولمست الخشب.
كان حقياً.
بارداً كالصخر، وأملس كوجه الماء.
وبمجرد أن لمسته، سمعت صوتاً.
لم يكن صوتاً بأذني، بل داخل رأسي.
صوت فتاة صغيرة تهمس: "أسرعي... قبل أن يُغلق."
لم أفكر.
تصرفت كما لو أن قدمي لها عقل خاص بها.
قفزت.
قفزت نحو الفراغ، نحو الباب المعلق.
لم أسقط.
بل ارتفعت.
كأن السماء أصبحت بحراً و أنا غرقت فيه إلى الأعلى.
الهواء صار صلباً من حولي يدفعني.
كنت أصعد وأصعد، والسحاب يمر بجانبي بسرعة حتى صار ضباباً أبيض.
آخر ما سمعته من عالمي هو صوت أمي يأتي من بعيد، من قاع الجبل: "سلمااااااى!"
ثم صمت.
ثم نور.
ثم ارتطمت قدماي بأرض طرية.
فتحت عيني.
كنت أقف على سحاب.
أرض كاملة من السحاب الأبيض تمتد حتى الأفق.
والباب؟
اختفى.
لا أثر له.
لا طريق للعودة.
كنت وحدي تماماً.
وحيدة... في أرض سحب.
البرودة هنا مختلفة.
ليست برودة شتاء، بل برودة ناعمة تتسلل إلى عظامك.
الهواء له طعم، طعمه مثل الماء بعد العطش الطويل.
مشيت خطوة، فخطوتين.
قدماي لا تغوصان، بل تترك أثراً خفيفاً يختفي بعد ثانية.
كان المكان صامتاً صمتاً مطبقاً، لا عصافير، لا رياح، لا شيء.
إلى أن كسر الصمت صوت بكاء.
بكاء خافت، حزين، يأتي من مكان قريب.
تتبعت الصوت وقلبي يكاد يخرج من صدري.
خلف تل صغير من السحاب، وجدته.
طفل صغير، في الخامسة من عمره تقريباً، يجلس ويضم ركبتيه إلى صدره ويبكي.
كان شفافاً قليلاً، كأنه مصنوع من بخار.
وشعره أبيض يتماوج بلا هواء.
حين رآني، توقف عن البكاء واتسعت عيناه اللتان كانتا بلون السماء قبيل المطر.
وهمس بفزع: "أنتِ... من الأسفل؟ أنتِ بنت الأرض؟"
قبل أن أجيبه، سمعنا صوتاً جهورياً من خلفنا يقول: "منذ مئة موسم لم تطأ قدم من الأسفل أرضنا. من أنتِ؟ وكيف فتح الباب لكِ؟"
استدرت ببطء.
كان هناك رجل ضخم، لحيته وشاربه من سحاب كثيف يتحرك، وعيناه تبرقان كالبرق.
ومن خلفه، بدأ يظهر أشخاص آخرون، نساء ورجال وأطفال، كلهم شفافون قليلاً، ويحملون في نظراتهم دهشة وخوفاً.
أدركت لحظتها أن وحدتي قد انتهت.
لكن ربما... بدأت مشكلة أكبر.
تقدم الرجل الضخم خطوة نحوي، فاهتزت الأرض السحابية تحت قدميه اهتزازاً خفيفاً.
صوته عندما تحدث مرة أخرى كان أهدأ، لكنه بقي يرن في الهواء كالرعد البعيد.
قال: "اسمي رَعّاد. أنا حارس هذه البقعة من أرض سحب. لم نرَ أحداً من عالمكم منذ أن أغلقت الأبواب القديمة. أخبريني يا ابنة الأرض، ما اسمك؟"
ابتلعت ريقي، وشعرت بجفاف حلقي رغم أن الهواء من حولي رطب.
قلت بصوت مرتجف: "اسمي... سلمى. من قرية تَاسْغِيمت."
همهمت النساء والرجال المتجمعون خلفه، ورددوا الاسم "تَاسْغِيمت" كأنهم يحاولون تذكره من زمن بعيد.
اقترب الطفل الصغير الذي كان يبكي، واختبأ خلف ساق رَعّاد، لكنه ظل يراقبني بفضول.
عيناه الواسعتان كانتا صافيتين كدمعة.
سألني رَعّاد: "وكيف رأيتِ الباب يا سلمى؟ الباب لا يظهر إلا لمن تحمل في قلبها نداءً لا يسمعه أحد."
قبل أن أجيب، تقدمت امرأة عجوز من بين الجمع.
كانت تمشي ببطء، وتستند على عصا مصنوعة من خيط فضي ملتوي.
شعرها طويل جداً يلامس السحاب، وعيناها بلون العاصفة الرمادية.
هتف الجميع باحترام: "السيدة نَسْمة".
وقفت نَسْمة أمامي، ورفعت يدها النحيلة ولمست وجهي.
كانت يدها باردة كنسمة الفجر، لكن لمستها أزالت الخوف من قلبي.
قالت بصوت يشبه حفيف أوراق الشجر: "لا تخافي يا صغيرة. الباب لا يختار إلا من كانت روحها بين عالمين. أنتِ تحملين عطش أرضكِ في عينيكِ، وتحملين أملاً لم يمت رغم الجفاف."
نظرت حولي.
كلهم كانوا ينتظرون كلامها، كأنها الحكمة التي تمشي على سحاب.
أكملت نَسْمة وهي تشير إلى الأفق البعيد: "جئتِ في وقت عصيب. أرض سحب تحتضر يا سلمى. والنبع الذي يسقي غيومكم في الأسفل... يكاد يجف."
كلمة "يجف" سقطت على قلبي كحجر.
تذكرت أمي وهي تعود كل فجر بظهر منحني، والدلو نصف فارغ.
تذكرت الأرض المتشققة في قريتنا، والزرع الأصفر الذي يموت عطشاً.
صرخت دون وعي: "ماذا؟ هل سيتوقف المطر عن النزول؟ قريتي ستموت!"
أومأ رَعّاد برأسه ببطء، وحزن عميق في عينيه البرقيتين.
قال: "المطر لا يُصنع في السماء وحدها يا ابنة الأرض. نحن هنا نصنع الغيم. نسقيه من نبع القلب، نبع أرض سحب. وهو الآن مريض، محموم، ويذبل. إن مات النبع... مات الغيم. وإن مات الغيم..."
لم يكمل.
لم يحتج أن يكمل.
فهمت.
تقدمت نَسْمة وأمسكت بيدي.
قالت: "لكن الباب فتح لكِ. وهذا لم يحدث منذ مئة موسم. هذا يعني أن القدر ما زال يخبئ لنا فرصة. فرصة واحدة."
سألتها و الدموع تملأ عيني: "ماذا أفعل؟ أنا مجرد طفلة. عمري ثلاثة عشر عاماً فقط."
ابتسمت نَسْمة ابتسامة حزينة وقالت: "والنبع عندما ولد، كان مجرد قطرة. لا تستصغري نفسكِ لأنكِ وحيدة. أحياناً، قطرة واحدة هي التي تملأ الوادي."
في تلك اللحظة، هبت ريح قوية من العدم.
ريح لم تهز شعري، بل هزت شيئاً داخلي.
ومن أعلى، من مكان لا أراه، سقطت ريشة.
لم تكن كأي ريشة رأيتها.
كانت زرقاء، بلون أعمق من زرقة السماء، وتشع منها هالة من نور خافت.
دارت في الهواء ببطء، وتجنبت الجميع، حتى استقرت بهدوء عند قدمي.
ساد صمت مطبق.
حتى رَعّاد حبس أنفاسه.
همست نَسْمة بذهول لم أره في عينيها من قبل: "الريشة الزرقاء... لقد أيقظتكِ."
انحنيت والتقطتها.
كانت دافئة، وتنبض في كفي كنبض قلب عصفور صغير.
وبمجرد أن لمستها، سمعت ذلك الصوت مرة أخرى في رأسي، واضحاً هذه المرة.
صوت طفلة تضحك وتقول: "أهلاً بكِ يا سلمى. لقد انتظرتكِ طويلاً. هيا بنا ننقذ عالمي... وعالمكِ."