بين قلبين - الفصل الخامس عشر - بقلم اريج | روايتك

اسم الرواية: بين قلبين
المؤلف / الكاتب: اريج
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل الخامس عشر

الفصل الخامس عشر

لم أكن أرتجف… كنت فقط أحكم قبضتي على قلبي، كي لا يفرّ أمامه، كي لا يركض نحوه كما كان يفعل قديمًا دون إذنٍ مني. وقفتُ هناك… في قاعةٍ تزدحم بالتصفيق، بالوجوه المضيئة، وبأصواتٍ لا تعنيني. كل شيء كان يحدث… إلا أنا. أنا كنتُ عنده. رأيته. لم يكن مختلفًا كثيرًا… فقط بدا كمن نسي كيف يبتسم كاملًا، وكأن جزءًا منه عالقٌ في زمنٍ لم يعد هنا. كان شاردًا… إلى حد أن صوت ابنه، ذاك الصغير الذي كان يناديه ببراءة، لم يصل إليه. “أبي…” قالها الطفل مرة… ومرتين… وهو لا يرد. فعرفتُ… أن الضياع لا يُقاس بالعمر، بل بما نحمله في صدورنا. حينها… ناديتُه. “فؤاد…” لم تكن مجرد كلمة، كانت أعوامًا كاملةً من الصمت تتكسّر على حافة اسمه. التفت. وفي تلك اللحظة… سقط كل ما حاولنا بناءه من نسيان. رأيتُ الارتباك في عينيه، رأيتُ السؤال، رأيتُني أنا… كما كنتُ يومًا، ساكنةً فيه رغم الغياب. اقترب خطوة… ثم توقف، كأن بيننا بحرًا لا يُرى. “غدير…؟” قالها وكأنه يخشى أن تختفي إن نطقها. ابتسمتُ… أو ربما حاولتُ. لم نتعانق، لم نقترب كثيرًا، لكن شيئًا فينا… احتضن الآخر دون لمس. تحدثنا… لا، لم نتحدث، بل تركنا القلوب تقول ما عجزت عنه الكلمات. عن تلك الأيام التي كنا فيها اثنين، مرتبطين بخيطٍ لا يُرى، لا وعد فيه… ولا اعتراف، لكننا كنا نعرف. ثم رحلتُ أنا، بلا تفسيرٍ كافٍ، حملتُ قلبي ومضيتُ، وتركتُه يظن أنني اخترتُ البعد. وهو… اختار الحياة كما تُفرض، تزوّج، أنجب، ثم خسر… قالها بصوتٍ مكسور: “رحلت… بعد أن جاء ابني للحياة بقليل.” لم أنظر إليه، كنت أخشى أن يراني وأنا أتهشم. سكتنا طويلًا… حتى صار الصمت أصدق من كل شيء. ثم فجأة… فعلها. “غدير…” قالها هذه المرة بثباتٍ غريب، “لا أريد أن أخسرك مرةً أخرى… ابقي.” رفعتُ عيني نحوه. “كوني معي.” كلمات بسيطة… لكنها حملت كل ما تأخر قوله. ارتبكتُ… لا لأنني لا أعرف الجواب، بل لأنني أعرفه جيدًا. في داخلي… كنتُ قد وافقت. لكنني قلت: “أحتاج… أن أفكر.” ابتسم بحزن، كأنه فهم أن التفكير ليس إلا ستارًا لخوفٍ قديم. غادرتُه. غادرتُ القاعة، التصفيق ما زال يعلو خلفي، والأضواء تلمع، وابنه يُكرَّم… وأنا… أُهزم أمام قلبي. أنا، مديرة هذه المدرسة، صاحبة القرارات الصارمة، لم أستطع أن أحكم قلبي مرةً أخرى. خرجتُ إلى الليل، إلى هواءٍ باردٍ يشبه وحدتي. ركبتُ سيارتي، وضعتُ يدي على المقود، لكنني لم أتحرك. انهمرت دموعي… بلا إذن، بلا صوت. وهمستُ لنفسي: “كنتُ سأقول نعم…” لكنني… خفت ---جميل… النهاية المفتوحة هنا أقسى من أي موت، لأنها تترك القلب معلّقًا بين احتمالين. خلّيني أكمل لك الفصل بنفس أسلوبك، ونخلي الوجع يظل حيّ: --- تكملة الفصل: أدرتُ المفتاح… لكنني لم أنطلق. بقيتُ هناك، بين “نعم” التي كادت تخرج، و”لا” التي لم أؤمن بها يومًا. وضعتُ جبيني على المقود، وأغمضتُ عيني… “كنتُ سأقول نعم يا فؤاد…” لكن الصوت لم يصل إليه، بل عاد إليّ، كصدى متأخرٍ من قلبٍ تأخر كثيرًا. مسحتُ دموعي، وشغّلت السيارة أخيرًا. الطريق كان طويلاً… أو ربما أنا التي كنتُ أثقل من أن أصل. كل شيء أمامي كان واضحًا، إلا داخلي. تذكرتُه… صوته، ارتباكه، ونظرته التي قالت كل شيء متأخرًا. همستُ: “لن أهرب هذه المرة.” غيرتُ اتجاهي. لم أعد إلى البيت… بل إليه. كنتُ أسرع… كأنني أسبق الزمن، كأنني أحاول اللحاق بفرصةٍ تعوّض عمرًا كاملًا من التأخير. توقفتُ أمام القاعة، أنفاسي متقطعة، وقلبي… يطرق صدري بعنفٍ لم أعرفه من قبل. نزلتُ مسرعة، فتحتُ الباب… ودخلت. كل شيء كان كما هو… الأضواء، الوجوه، بقايا التصفيق… إلا هو. توقفتُ. نظرتُ حولي… مرة، مرتين، كأنني أرفض أن أصدق عيني. تقدمتُ خطوة… ثم أخرى… “فؤاد…؟” لم يجبني أحد. رأيتُ ابنه… يقف بين الحاضرين، يمسك جائزته، وينظر حوله… كما لو أنه هو أيضًا يبحث. اقتربتُ منه ببطء، وصوتي بالكاد يُسمع: “أين… والدك؟” نظر إليّ الطفل، ببراءةٍ موجعة، وقال: “خرج منذ قليل…” سكتُ. “قال إنه… نسي شيئًا.” ابتسم الطفل… أما أنا، فلم أعرف كيف أتنفّس. التفتُّ نحو الباب… نفس الباب الذي دخلتُ منه قبل دقائق، لكن هذه المرة… كان فارغًا. تمامًا… كقلبي الآن. وقفتُ هناك، في منتصف القاعة، بين ضجيجٍ لا يصلني، وأملٍ تأخر… أو ربما ضاع. همستُ لنفسي: “وأنا… عدت.” لكن… هل عدتُ في الوقت المناسب؟ أم أنني… تأخرتُ مرةً أخرى؟ ---