صاحبة العيون البنية
زينيث.. أقف الآن وسط ساحة المعركة، حيث ينهش رفاقي أجساد الأعداء، وصيحات البشر تمزق السكون، بينما تخنق رائحة الدماء كل شيء. لكن، وسط هذا الفضاء الموحش، وقعت عيناي عليها.. كانت بشرية، بشعر بني غامق رُفع بإهمال، وملابس ملطخة بآثار المعركة وهي تشق الصفوف بضراوة لتنقذ بني جنسها. تملك عينين ناعستين رغم يقظتها التامة وتركيزها العالي، ونمشاً رقيقاً يزين وجنتيها وأنفها؛ كان النظر إليها يبعث في نفسي راحةً مزعجة بشكل لا يُفسر.
كان عليّ الابتعاد، والعودة إلى وطيس المعركة، لكن قدماي ظلتا متجذرتين في مكانهما، وكأنني غير راغب في التخلي عن هذه "الأرض المقدسة" التي تطأها قدماها. فجأة، توقفت هي.. لاحظت وجودي. شعرتُ بجزء مني يفيض سعادة ورضا، ولا أدري لماذا؟! لكن حين تلاقت نظراتنا، سرت قشعريرة في جسدي كله، وكأن التحديق في تلك العينين البنيتين أنساني ضجيج الحرب من حولي؛ لقد أسرت قلبي.. ولست متأكداً إن كنت أريد استعادته مجددا .
فجأة، انقض عليها أحد الذئاب ليكسر سحر تلك اللحظة. توقفتُ للحظة لأستوعب ما يحدث وأعيد ترتيب أفكاري التي شتتتها هذه البشرية، وقبل أن أهجم عليه، كانت هي قد سبقتني وغرست سهمها في عينه ببراعة.. في النهاية، يبدو أن ليس كل البشر أغبياء. استغللتُ تشتت الذئب وهجمت عليه ممزقاً عنقه، وعندما استدرتُ لأبحث عنها.. لم أجدها. أين ذهبت؟!
ولماذا أبحث عنها أصلاً؟ تباً! أسرعتُ لأتابع الهجوم على بقية الذئاب المعادية حتى تحولوا جميعاً إلى جثث هامدة على أرض قرية البشر. لم يبقَ منهم سوى القائد "هينري" وإخوته الأربعة؛ كانت المعركة قد حُسمت لصالحي ولصالح قطيعي. حينها، أحسست بدفء غريب يسري في عنقي، وبطرف عيني رأيت تلك البشرية "الغبية" تقف هناك، تحدق في المجموعتين بذهول. حاولت جاهداً ألا أنظر إليها، على الأقل حتى يرحل هينري وإخوته.
عندما انسحبوا مستسلمين، استدرتُ نحوها وتقدمتُ خطوة، فكانت تبتعد بذعر حتى رأيتها تترنح؛ أدركتُ فوراً أنها مصابة ما كنت اظنه دماء اعدائها كانت دماء من جرح بطنها الذي سببه ذلك الذئب . وقبل أن ترتطم بالأرض، كنت قد أسرعتُ نحوها لتسقط على فرائي بدلاً من التراب الصلب. بدأتُ أبحث بعينيّ بسرعة عن أي أحد من جنسها لمساعدتها، عائلتها ربما؟ اي أحد.. تذكرت ... رأيت بعض البشر يهرعون نحو مخبأ في وسط القرية. ابتعدتُ بها سريعاً، تاركاً قطيعي الذي بدت عليه علامات الاستغراب والدهشة مما أفعل، لكن لم يكن يهمني شيء سوى إنقاذ صاحبة العينين البنيتين.
وصلتُ إلى وسط القرية حيث كان البشر مجتمعين قبل دقائق.. لكن المكان كان خالياً كأن لم يمر به بشر قط! استغربتُ كيف يتركون ابنة جنسهم مصابة بعد أن أنقذتهم! بالطبع، كالعادة.. لسنا نحن الوحوش، بل البشر هم الوحوش الحقيقيون؛ أنانيون يستغلون المرء لمصالحهم ثم يرمونه كأنه بلا قيمة.
بما أنه لا فائدة من وقوفي هناك، عدتُ إلى حيث تركتُ صاحبة العينين البنيتين مستلقية، ووجدتُ ذئابي قد بدأت تقترب منها بفضول عدائي. زمجرتُ بقوة وانزعاج لينسحبوا فاتحين لي ممراً نحو "كايل"، الذي بقي واقفاً أمامها بسخرية، وقال لي: "انظر يا زعيم ماذا وجدنا.. بشرية تحتضر!".
نظرتُ إليه بحدة : "وما الداعي لسخريتك يا كايل؟!".
تجمد مكانه واختفت سخريته فوراً: "لا شيء.. أردتُ فقط أن أعلم، هل ننهي حياتها أم نتركها هنا لتواجه قدرها؟".
فكرة تركها تتعفن وحيدة جعلت جسدي يقشعر دون سبب، فقاطعته بصرامة: "مستحيل.. لن أتركها".
شهق الجميع بدهشة، وحدق كايل بي بعدم تصديق: "زينيث.. هل أنت متأكد مما تقول؟!". نطق اسمي الكامل ليتأكد إن كانت هذه مزحة عابرة، لكنني أجبته ببرود لم يرف له جفن: "نعم، متأكد".
نظر إليّ بغضب: "وكيف تفعل ذلك؟ إنها بشرية غبية، كانت ستقتلنا لو سنحت لها الفرصة، وأنت ببساطة ترفض تركها!".
وقبل أن يمد يده نحوها، أمسكتُ بيده بقوة دفعت الدماء للتوقف في عروقه: "المسها.. وستفقد يدك!".
توقف كايل ونظر إليّ هذه المرة بدهشة ممزوجة بخيبة الأمل: "وهل تفضل هذه البشرية عليّ؟".
أبعدتُ يدي بسرعة وكأنني استوعبتُ للتو ما فعلت، ابتعدتُ عن جسدها وعن كايل، ثم تحولتُ إلى هيئتي البشرية ومررتُ يدي في شعري بإحباط: "كايل، لم أقصد ذلك". همستُ بها بصوت خافت ولم أتجرأ على النظر في عينيه، لكن همسات القطيع بدأت تتعالى بدهشة. رفعتُ عينيّ لأنظر إلى كايل الذي بدا وكأنه تجمد في مكانه، وفمه مفتوح قليلاً من الصدمة. سألتُ باستغراب: "ما الأمر؟".
أشار كايل بيده المرتجفة نحو عنقي. مددتُ يدي لأتحسس المكان، فكان وشم "توأم الروح" –الرفيقة المقدرة– قد تحول من الأسود الخامد إلى الأحمر القاني المتوهج، وكأن ناراً استعرت فجأة تحت جلدي.
تبادلنا أنا وكايل نظراتٍ مطولة، فهمنا فيها كل شيء دون الحاجة لقول كلمة واحدة. بدأتُ أقترب من البشرية بهدوء حتى أصبحتُ شامخاً فوق جسدها المستلقي، بينما كان وشمي ينبض تحت جلدي بقوة متزايدة مع كل سنتيمتر يفصلني عنها.
استدرتُ نحو بقية القطيع الذين كانوا ينظرون إليّ بمزيج من السعادة والذهول، وهتفوا جميعاً في صوت واحد هزّ أركان المكان:
"أيها الزعيم.. لقد وجدت رفيقتك المقدرة!".